لندن ـ «القدس العربي»: على مدى ثلاثة أيام (6-7-8 تشرين الأول/اكتوبر) قدمت «فرقة سوية» المسرحية عملها الجديد «أحنة السبب» على خشبة مسرح تشلسي في لندن. المسرحية تجربة جديدة للتعاون بين الكاتبة حميدة العربي والمخرجة احلام عرب بعد مسرحيتهما السابقة «ديمقراطية ونص» وقام ببطولة «احنة السبب» الفنان العراقي المتميز غالب جواد وشاركه مجموعة من هواة فن المسرح والذين يمثل أغلبهم للمرة الأولى. واشتركت المؤلفة حميدة العربي في التمثيل أيضا، بينما لحن الملحن العراقي نامق اديب أغاني العمل وألف الموسيقى التصويرية للمسرحية.
«احنة السبب» مسرحية جمعت بين النقد السياسي والاجتماعي لواقع العراق المتردي من خلال خلطة التراجيديا بالكوميديا السوداء، وعبر تقديم قصة أطار تضم بين دفتيها خمس لوحات تحكيها الشخصية المحورية في العمل وهي مدرسة موسيقى في هذا الزمن العراقي الأسود الرافض للفنون حيث تنشب المشكلة مع زوجها الذي يطالبها بترك العمل، نتيجة ضغوط المحيط، بينما تفكر البطلة بالرفض والتمرد وكيفية مواجهة هذه المحنة تناقش الأمر مع تلميذاتها، في محاولة معرفة أين يمكن ان تذهب إذا أصرت على عملها وتركت المنزل، حيث تقدم مع تلميذاتها مقاطع غنائية تعريفية عند بداية كل سكتش يعرف بأحد أقربائها الذين يمكن ان يستضيفوها.
القصة الأولى كانت ضمن القصة الإطار التي تقدم تعريفا بحياة زوج البطلة الموظف الذي يعاني من الفساد المستشري في مفاصل الدولة. حيث يتم تقديم صورة سوداوية لأحد دوائر الدولة والتراتب القائم على المحسوبية والمحاصصة وكيف يتم تعيين الأشخاص بناء على ولائهم للحزب أو الوزير المسؤول مع تبيان مدى اهمال المواطن البسيط الذي يموت نتيجة تعبه ومعاناته في مراجعة الدوائر الفاسدة .
أما اللوحة الثانية فتقدم صورة قريب البطلة المهاجر إلى بريطانيا ومدى انتهازيته وتلاعبه واحتياله على قوانين الهجرة نتيجة نهمه وسعيه المتواصل وراء شهواته، حيث تقدم القصة رجلا عراقيا يعد بالزواج سيدة مصرية ساعدته هو واخواته الثلاث على الحصول على الإقامة في بريطانيا، لنكتشف عبر حوارية كوميدية ان الأخوات الثلاث هن في الواقع زوجاته العراقيات. ومن ثم نتفاجأ مع خطيبته المصرية وزوجاته العراقيات ان لديه مشروع زواج من البريطانية (وقد مثلت الدور فتاة انكليزية في لفتة مميزة من المخرجة احلام عرب) التي تعمل في الرعاية الاجتماعية طمعا في الحصول على مساعدتها لتنتهي القصة باحتمالية محاكمة وتهجير الزوجات العراقيات الثلاث اللواتي يواجهن مستقبلا مظلما.
أما اللوحة الثالثة فتقدم صورة قريب البطلة الشاعر والمثقف والصحافي الانتهازي بطريقة تسخر من مثقف مدعي صوته يلعلع في المحاضرات العامة ويكتب في المجلات والصحف مدافعا عن حقوق المرأة والحاجة إلى تحرير المرأة من خلال استقلالها الاقتصادي، ولكننا نكتشف زيف طروحاته وانتهازيته عندما نعلم انه طلق زوجته المثقفة وذهب إلى قريته ليتزوج امرأة قروية بسيطة التفكير ليتحكم بها، لكن القصة لا تنتهي بهذا الشكل بل تنتهي بثورة الزوجة الريفية التي تعلمت وتعرفت على حقوقها واكتشفت زيف وازدواجية زوجها.
وهناك أيضا قصة رابعة لاحدى قريبات بطلة العمل تقدم من خلال لوحة تحكي قصة هذه المرأة العصرية التي تكتشف أن زوجها قد تزوج امرأة تقليدية ميزتها الوحيدة هي ثرائها المريب وثروتها التي هبطت عليها بشكل مفاجئ بعد ان كانت تعمل في صالون حلاقة نسائي، وهي إضافة إلى ذلك على وشك تشكيل حزبها السياسي الخاص لتحقيق المزيد من أطماعها. الزوج يناشد زوجته الأولى أن تتسامح وتتقبل الأمر مع الزوجة الجديدة المتخلفة والمتسلطة لأنها ستمثل مفتاح حياتهم من الثروات، ولكن الزوجة الأولى تتخذ قرارها بشجاعة وتترك لزوجها البيئة المتعفنة الجديدة وتغادر المنزل.
أما اللوحة الأخيرة فهي تحكي قصة قريبة البطلة السياسية الصاعدة في زمن سياسيي الصدفة في عراق اليوم، وتقدم القصة عبر قالب كوميدي من خلال نقاش تلفزيوني حيث تتحاور فيه سياسية علمانية ضد سياسية تقليدية، وهذه الأخيرة لديها حل بسيط لمشاكل العراق يتمثل في بناء كراجات كبيرة للحد من مواقف السيارات في الشوارع بينما العلمانية تحتج كون مشاكل الوطن أكبر بكثير مثل سوء نظم التعليم والصحة، ومشكلة أرامل الحرب اللواتي لا يستطعن العثور على عمل أو دعم أسرهم، وارتفاع معدلات البطالة وما إلى ذلك. ولكن عندما يتم سؤالها عن الحلول التي يجب أن تقدمها، تتلجلج لنكتشف ان ليس لديها أي فكرة ليبدو لنا المستقبل مظلما.
وتقفل العربي دائرة السرد بالعودة إلى القصة الإطار ومعاناة البطلة وزوجها الموظف الذي اتهم بالإرهاب نتيجة رفضه للفساد، حيث تهان كرامته فيقرر الهجرة وترك البلد الذي لم يذق فيه إلا المآسي وتختتم المسرحية بمشهد سفينة تحمل المهاجرين على خلفية أغنية حزينة يؤديها بطل العمل غالب جواد بطريقة مليئة بالشجن.
«أحنة السبب» يمكن ان توصف بأنها مسرحية مكتوبة بحس نسوي قدمته الكاتبة والمخرجة من خلال منظار المرأة التي تعاني مشاكل ومآسي الوطن بشكل مضاعف لكونها مواطنة أولا وامرأة ثانيا، وكانت لمسات الفنانة أحلام عرب واضحة على العمل وجهدها باديا للعيان بالرغم من فقر ديكور المسرحية والامكانات الإنتاجية المحدودة إلا انها أدارت فرقة من الهواة لتصل بهم إلى اداء احترافي متميز أتكأ في أكثر من مشهد على طاقة الفنان غالب جواد الإبداعية. وقدم جميع العاملين أدوارهم بابداع حقيقي بالرغم من انهم هواة وبالرغم من الظروف الصعبة التي رافقت التدرب على العمل والامكانات الإنتاجية المحدودة التي قدمت للفرقة.