لندن ـ «القدس العربي»: الكآبة كلمة نقولها يوميا للتعبير عن آلامنا وأحزاننا وما نشعر به من ضيق وقلق. المختصون في علم النفس يرون أن هناك خطأ شائعا بين الناس في تعريف الكآبة، فهو شعور شديد الألم ومستمر ومعيق.
وحسب آخر الإحصاءات فإن الكآبة رابع سبب للإعاقة على مستوى دول العالم الثالث، وثاني سبب للإعاقة على مستوى دول العالم المتقدم ويتوقع في 2020 أن يكون ثاني سبب للإعاقة في العالم. فالإنسان المصاب بالكآبة لا يستطيع العمل ولا تكوين أسرة ولا حتى مساعدة نفسه على اداء واجباته اليومية. فما هي أسباب الكآبة وما أنواعها؟ هل القلق والحزن والتوتر أمور تؤدي إلى الكآبة؟ وهل هناك ارتباط بين الكآبة والأمراض العضوية؟ كيف نكتشف الكآبة، وماهي أعراضها وهل بالإمكان علاجها؟ وكيف تؤثر على حياتنا وحياة من حولنا؟ أسئلة طرحتها «القدس العربي» على د.عبدالله كريم الأخصائي النفساني الذي يعمل في بريطانيا وهو من أصل فلسطيني.
يؤكد د.كريم أن هناك فكرة خاطئة عند الناس حول تعريف الكآبة. فهي ليست الشعور العادي بالحزن أو القلق فهذه مشاعر طبيعية.
والتعريف العلمي الدقيق أن مرض الكآبة لا يشبه أي شيء يشعر فيه الناس عند الحزن أو القلق أو الضيق فهو شعور مستمر ومعيق، وحتى نسميه كآبة يجب ان يستمر على الأقل اسبوعين ويربك الإنسان ويعيق ممارسة حياته.
ويضيف: «الكآبة حالة من الحزن والسوداوية التي تصيب الإنسان لكنها تختلف عن حالة الحزن العادي الذي يواجهه الإنسان في حياته اليومية وهناك بعض الأشخاص لديهم استعداد للكآبة، وهذا يعتمد حسب حالة الشخص والصدمة التي تعرض لها. بالنسبة للتشخيص لا يمكن إطلاق مرض الكآبة على أي حالة، هناك شروط يجب ان تكون موجودة حتى يتم إطلاق صفة المرض على المريض. هناك استعداد شخصي وردود فعل بسبب صدمة كمشاهدة حوادث قتل أو عنف تؤدي إلى كآبة أو تعرض الشخص لاعتداء جنسي في الصغر، والأسباب كثيرة ولا يمكن حصرها».
أما عن أنواع الكآبة يقول د.عبدالله كريم، فانها تقسم إلى:
-نوع داخلي: بدون أي مؤثرات خارجية، قد تكون وراثية أو يوجد خلل هرموني أو خلل بالناقلات العصبية وممكن أن تتأثر بردة فعل.
-النوع الثاني: حسب شدة المرض قد تكون سوداوية أو عبارة عن حزن شديد قد تؤدي إلى ظهور أفكار انتحارية أو أن يؤذي الشخص نفسه أو من حوله.
هناك نوع من الكآبة يأتي في الخريف والشتاء يعرف بالكآبة الموسمية بسبب الطقس والعتمة، فالعلاج يكون بالضوء. هنا يشعر المريض انه يحتاج ان ينام ساعات أطول ويأكل بشراهة ويشعر بالكسل، وهذه الكآبة قد تؤدي إلى التأثير على عمل وواجبات الإنسان وصحته البدنية.
ويشير إلى ان التجارب التي مر بها الإنسان خلال الحياة المبكرة من عمره مهمة جدا في حالة التشخيص، فعندما نشخص المرض يجب ان نأخذ التاريخ الطبي والشخصي للمريض بالاعتبار.
ترابط الأمراض النفسية والعضوية
ويوضح د.كريم أن هناك ترابطا كبيرا بين الأمراض النفسية والعضوية حسب كل الدلائل.
إما بالصدفة كأن يكون الشخص عنده مرض نفسي وفي الوقت نفسه عضوي.
ومن الممكن ان تنتج الأمراض النفسية أمراضا عضوية، فمثلا الإدمان على الكحول مرض نفسي، والشرب المفرط يؤثر على الكبد، فالإدمان مرض نفسي يؤدي إلى مرض عضوي.
والأمراض العضوية قد تسبب المرض النفسي: فمثلا لشدة الألم أو أن يكون العلاج غير مناسب أو قويا جدا وله مضاعفات، كأن يتسبب الدواء مثلا بتشوهات في جسم المريض أو في جعل شعره يتساقط، أو عندما يبلغ إنسان انه مصاب بمرض السرطان وسوف يموت خلال أشهر قليلة.
أدوية تسبب الكآبة
وعن الأدوية التي تسبب الكآبة يقول: «هناك أدوية تسبب الكآبة مثل علاج التهاب الكبد، وهناك بعض أدوية الضغط، ومنع الحمل تسبب الكآبة عند بعض النساء.
أما الأعراض فتتراوح في حدتها حسب الحالة لكن أشدها وأعقدها تكون واضحة ومنها:
إحتقار الذات، الإهمال، النظرة السوداوية تجاه النفس والآخرين. فالمريض يعتبر ان الكل تخلى عنه ولا يحبه أحد والجميع يكرهونه، وهذا النوع من التفكير يكون سلوك صاحبه واضحا. فقد يتوقف عن العمل ويصبح معيقا لا يستطيع التفكير ولا الإنتاج ولا وجود للعلاقات في حياته وينطوي على نفسه لدرجة انه لا يريد ان يرى النور. ومن الأعراض الشائعة أيضا أن المريض لا يستطيع النوم ويفقد رغبته الجنسية وفي بعض الأحيان يفقد الشهية على الطعام أو يأكل بشراهة. وفي الحالات الأكثر شدة يفقد التواصل مع الواقع ويصل إلى مرحلة أن الحياة مؤلمة وانه يجب ان ينهيها».
المرأة تبوح أكثر من الرجل
أما عن المرأة وسبب تعرضها للكآبة أكثر من الرجل يقول: «الكآبة عابرة للقارات وموجودة في كل الثقافات وعند كل الشعوب، لكن مع اختلاف الأسباب وموجودة عند كل الأعمار وعند الجنسين لكن عند الاناث أكثر مرتين حسب الدراسات.
والسبب ان المرأة تسأل وتطلب المساعدة أكثر من الرجل ولديها القدرة على البكاء و(الفضفضة) وعندها استعداد للمواجهة، بينما الرجل يعتبر المسألة وصمة عار ومن العيب ان يتحدث عن ما يشعر به.
هناك رأي آخر يعتبر ان تعرض المرأة للكآبة بشكل أكبر من الرجل سببه أنه في بعض المجتمعات النساء معرضات للتعنيف الجسدي أكثر من الرجال، بالإضافة إلى التركيبة البيولوجية والهرمونات قبل الحمل وبعده».
ويقول د.كريم «على الرغم من أهمية الأدوية لعلاج الكآبة إلا أنها لا تكفي وحدها بل يجب استيعاب المرض من قبل الأهل والفضفضة واستشارة مختصين والعلاج بالحديث وممارسة الرياضة. وأود ان أشير إلى العلاج الدوائي الذي نقسمه إلى قسمين:
الجيل القديم من الأدوية ويعتبر فعالا لكن له مضاعفات كالنوم الكثير والشعور بالنعاس والتعب والضعف وتحدث عند المريض ضبابية في النظر، بالإضافة إلى الجفاف في الفم والأنف، وتضعف حركة الجهاز الهضمي كأن تسبب إمساكا. وهناك أعرض كثيرة تؤثر على المريض فتجعله يترك العلاج.
أما الجيل الجديد من الأدوية فهو فعال أيضا لكن مضاعفاته أقل لذلك يلتزم المرضى بالعلاج أكثر».
ويشير إلى ان من الضروري التعامل مع كل حالة بشكل مختلف في التشخيص والعلاج فمثلا الكآبة من الدرجة الخفيفة لا تحتاج إلى علاج دوائي وينصح المريض بممارسة الرياضة أو المشي أو يشارك بنشاطات اجتماعية ولا يعزل نفسه فيلتقي مع أصحابه. وإجمالا النوع الخفيف من الكآبة لا يؤثر على حياة الإنسان اليومية أو على عمله. أما الحالات المتوسطة فقد تحتاج لعلاج دوائي كما الحالات الشديدة، وأدوية الكآبة تحتاج إلى وقت حتى تعمل داخل الجسم، فلا داع للتسرع.
نصائح مهمة لتجنب الكآبة
وينصح د.كريم أن الوعي مهم جدا في تقبل المرض، فمن الضروري ان يعرف الناس ان مرض الكآبة مثله مثل أي مرض آخر، يحتاج إلى علاج.
– من الضروري ان تنتهي النظرة الخاطئة المأخوذة عن المرض بأنه جنون، وينبغي نشر التوعية بهذا الشأن إذ ليس معنى ان الإنسان مصاب بالإكتئاب أنه سوف يعيش مريضا طوال حياته فالأمل يبقى موجودا.
ويجب ان لا ننتظر حتى تصبح الأزمة شديدة.
– التضامن والتعاضد أمر ضروري ويساعد على الشفاء.
– مضادات الاكتئاب ضرورية وننصح بالالتزام بها فهي لا تؤدي إلى الإدمان كما يعتقد البعض.
– يجب أن لا نتأثر بحالة الكآبة التي قد يتعرض لها أحد أفراد العائلة، بل بالعكس يجب ان نتعرف على أهم الطرق للتخفيف من حدة الأزمة التي إذا لم تعالج في الوقت المناسب قد تؤثر على كل أفراد الأسرة بالسلب ويصبح البيت حزينا ومظلما.
– لو أحس أحد أفراد العائلة أو الأصدقاء بتغيير في سلوك وتصرفات الشخص فيجب تشجيعه على العلاج ومراجعة الطبيب. فعندما يكون الإنسان خائفا من الشبهة أو الوصمة لا يطلب العلاج، وبالتالي يزداد المرض سوءا ويصعب علاجه وتحدث مضاعفات.
– ممارسة الرياضة والمشي والسباحة ضرورية، كما أن سماع الموسيقى مهمة وتساعد في التخفيف من حدة الحالة في الدرجات الخفيفة والمتوسطة من المرض. لكن لا يعني ذلك الانقطاع عن تناول الأدوية، بالإضافة إلى ممارسة النشاطات الاجتماعية والثقافية والالتقاء بالأصدقاء ومن نحب.
ويختم د.كريم قائلا: «الكل معرض للكآبة وواحد من كل 5 أشخاص لديه احتمالات الإصابة يوما ما، فالكآبة ليست عيبا ولا نقصا أو ضعفا في الإنسان. الكآبة مرض وبالإمكان علاجها، وعلى الرغم من أنها أكثر الأمراض النفسية شيوعا، إلا أنها أكثرها إستجابة للعلاج، والعلاج ممكن وميسور لكنه يحتاج إلى إرادة قوية.