ما يزال فلاسفة الغرب يصفون المشرق وأهله بالتخلف الحضاري، وأن الغرب هو صاحب الحضارة التي يريد فرضها على أهل المشرق، وكل شعب لا ينتمي إلى الغرب الأوروبي والأمريكي. وحجتهم في ذلك أنهم أهل دين وقيم أخلاقية، تستمدها من الدين المسيحي، والكتاب المقدس بشقيه. لكن هذا يستثير سؤالاً غريراً: من أين جاء الدين المسيحي وكتابه المقدس، إن لم يكن من الشرق؟ أم أن مسيح الغرب غير مسيح الشرق، وقيم هذا غير قيم ذاك؟ ولنبدأ بقيمة أخلاقية ـ دينية، لها جذورها في الكتاب المقدس، كما في القرآن الكريم عند المسلمين، تلك القيم التي يلخصها حديث شريف: إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق.
وآخر صيحة في اللاأخلاق، في عالم الغرب… المتحضر، هي هذه الصرعة الجديدة في الاعتراف بالشذوذ الجنسي أسلوب حياة، على المجتمع المتحضر قبوله، بل تشجيعه، لأنه دليل على احترام الحرية الشخصية!
يعرف كل من قرأ العهد القديم أن مدينتي سدوم وعمورة، قد رماهما الله بالنار والكبريت، لأنها «كانت تعمل الخبائث» وقومها «أهل شذوذ جنسي يأتون الرجال شهوة من دون النساء». والسؤال الغرير الآخر: كيف تحولت هذه «الخبائث» بعد أكثر من ألفي سنة، إلى سلوك يقبله أهل الحضارة في الغرب؟ وكيف تطور هذا الشذوذ الجنسي من «إتيان الذكران» على المستوى الفردي السلوكي إلى «زواج مثلي» بين رجل ورجل؟ ولا يحدث هذا في السر، بل في العلن والأعجب من ذلك أنه يتم «بمباركة» الكنيسة؟ شاهدتُ، كما شاهد ملايين البشر، قبل سنين قليلة، منظراً على التلفزيون «لعقد قران» بين وزير من دولة أوروبية، «متحضرة جداً» وبين سكرتيره، الرجل، الذكر، وليس الأنثى، وكلاهما في حدود الأربعين من العمر، أي أنهما قد تجاوزا عهد المراهقة والنزق. فكيف جرى هذا؟ والسؤال الغرير الآخر: ماذا قال الكاهن المسيحي المحترم «للعروسين» عند إكمال خطبته «العصماء» باقتباسات من الكتاب الذي أتقن دراسته قبل أن يصير كاهنا؟ هل قال «والآن أعلنكما زوجاً وزوجاً؟» ثم أردف: «والآن بامكانك ان تقبّل العروس/العريس»؟ أم تُراه تلكأ؟
والغرب المتحضر، الديمقراطي حتى العظم، لا يكف عن تقديم الدليل تلو الدليل على أنه مع قانون البشر المأفُون المعطوب، ضد قانون الله في عليائه. فهذا مجلس الأمن الدولي يعقد جلسة «تاريخية» لبحث حقوق المثليين جنسياً. وقد صار لهؤلاء لجنة دولية لحقوق المثليين… والمثليات جنسياً، إمعاناً في المساواة، والديمقراطية برئاسة جسيكا شتيرن. هل يوحي هذا الأسم لشيء ما في ذهن القارئ؟ وجلسة مجلس الأمن التاريخية هذه «تشجب» كالعادة، الأعمال التي يرتكبها تنظيم «الدولة الإسلامية» ضد المثليين… فالمجلس العتيد لم يبق لديه ما يستحق «الشجب» و»الإدانة» غير ما يفعل الداعشيون خارج مواقع الحضارة في آشور وتدمر!
ولأن الغرب المتحضر لا يفرّق بين الذكر والأنثى، لأنه يحترم ما جاء في التوراة، مصدر حضارته: «ذكراً وأنثى خلقهم» فقد سحبوا المثلية على الأنثى كذلك.. وإذ يروي التاريخ الأوروبي حكايات عن أباطرة وملوك في الأغريق القديمة، وروما العتيدة، كان بهم شذوذ جنسي، وميل إلى «مباشرة الذُكران» ومنهم الملك «ريكاردوس قلب الأسد» المولود في أكسفورد من أصول فرنسية لكنه كان لا يتكلم الإنكليزية، بل الفرنسية لغة جدته، قيل إن هذا الملك البريطاني الذي قاد حملة إلى فلسطين، صليبية، لتحرير بيت المقدس، من المسلمين، أعداء الحضارة، ثم هُزم وهرب بسفينة تحطمت قرب الشواطئ اليونانية، فواصل الهرب سيراً حتى ألقي القبض عليه وسُجن في أطراف فينّا… لا تذكر تواريخ الحضارة الأوروبية شذوذاً جنسياً عند النساء، حتى بدايات القرن التاسع عشر، عندما تجرّأ باحثون، أمريكيون في الغالب، لإلصاق تهمة المثلية الجنسية بأول شاعرة إغريقية معروفة، هي سافو من جزيرة «لزبوس» الإغريقية. كانت سافو من نبلاء الإغريق، وكذلك زوجها. لكن «السياسة» دائما ً السياسة، حكمت على زوجها بالنفي، وما كان أمام الشاعرة النبيلة إلا أن تقيم مدرسة لتعليم البنات أصول التصرف الراقي، والغناء، وعندما تتزوج إحدى الفتيات تقيم لها الشاعرة ـ المربية حفل وداع وتكريم. لا نعرف من شعر سافو سوى جُذاذات من مئة وأربع قصائد، تحتفل بالحب، وبعضها حب الشاعرة لفتاة تذكرها بالأسم وتطلب عون ربّة الحب، ابنة زيوس كبير آلهة الإغريق، أن تعينها في حب محبوبتها، وتستجيب أفروديت.
كيف تطور مجتمع الغرب المتحضر حتى شرّع زواج رجل برجل، بعد أن كان مجرد ميل رجل لرجل، يُعدّ خروجاً على الدين والأخلاق، ويُعاقب أحد الأثنين أو كلاهما عقوبة كأي جريمة، بل أشدّ؟ هنا تحضر إلى الذهن قضية أوسكار وايلد الأديب الإيرلندي البارز (1854 ـ 1900) الذي كان «يحب» الشاب لورد آلفريد دوكلاس ابن الماركيز كوينزبري.
إتهم الأب هذا الأديب الكبير أنه «كان يأتي الفاحشة مع ابنه اللورد» فأقام وايلد دعوى قذف ضد الماركيز وتدخلت المؤثرات الأزلية في حماية أصحاب الرفعة ضد من هو دونه رفعة، وأقنعوا وايلد بسحب الدعوى، لكن من بيدهم الحل والعقد استطاعوا أن يثبتوا على وايلد تهمة ليس لها سند فعلي سوى الإشاعات والحسد والغيرة. فأرسل وايلد إلى سجن ريدنك ليقضي سنتين مع الأشغال. ولكن، بعد وفاة وايلد بقرن كامل، كان العالم الأدبي في الغرب يراجع ما سمعه عن تهمة وايلد ويبدو أنهم لم يجدوا «دليلا مكتوبا» على تلك التهم، فقرروا الاحتفال بذكراه سنة 2000 في طول إنكلترا وعرضها، وفي أمريكا كذلك. هل كان هذا احتفاءً بالمثلية أم بالإبداع الأدبي، لدحر الأقاويل؟ مسكين أوسكار وايلد.
والأعجب من شرعنة المثلية في العالم الغربي المتحضر ما نسمعه ولا نكاد نصدّقه، نحن المشرقيون المتخلفون حضارياً، إذ يتجرأ رؤساء دول غربية متحضرة عظمى على الدعوة لاحترام المثلية على جميع المستويات الاجتماعية والسياسية. كيف ينادي بهذا رئيس أكبر دولة غربية؟ وكيف تخرج هيلاري كلنتون بكل ماضيها «المشرّف» لتقود مظاهرة تطالب بحقوق المثليين، كما تناقلت الأخبار؟ هل يستحق الترشيح للرئاسة كسب أصوات المثليين، بهذا الأسلوب الأخلاقي المتحضر؟
ولكن النفق المظلم لا يخلو من شعاع ضعيف… في آخره. فقد تناقلت الأخبار أن عدداً من الولايات الأمريكية رفضت إعلان شأن المثلية، على الرغم من الدعم القانوني والتشريعي. وقبل بضعة أيام سمعنا تسجيلا لصوت كاهن في كنيسة أمريكية يرفض إجراء طقوس زواج لاثنين من المثليين في كنيسته. فلما هددوه أن هذا خلاف القانون قال إني أتبع قانون الله. فهل بقي مكان لقانون الله أمام قانون المجتمع الغربي المتحضر في بدايات هذا القرن الواحد والعشرين؟
فهل تستجيب ربة الحب، ابنة كبير الأرباب عند الإغريق، إلى إعانة حب غير سويّ؟ كان معاصرو سافو من الشعراء والمؤرخين معجبين بشعرها وحتى منافسوها من الشعراء لم يذكروا شيئا عن شذوذها الجنسي، ويشترك في هذا الإعجاب ملياكر الذي قال عن المئة وأربع قصائد إنهن «قليلات، بل وردات». ليس في هذه القليلات أية إشارة حسية أو جسدية، فمن أين جاءت تهمة «اللزبية». بل أين الدليل المكتوب الملموس على شذوذ وايلد؟ وهل كلمة «حب» عند «سافو» أو وايلد محددة المعنى؟ وهل كلمة «حب» واضحة المدلول في اللغات الأوروبية الحديثة، كما لا يعرف أصحاب علم النفس الفرويدي الذي يأخذ بالنواصي والأقدام في المئة سنة الأخيرة من حضارة الغرب… النبيلة؟
نحن المشرقيون، المتخلفون حضارياً، نقول:
لم يخلقِ الرحمن أبهى منظراً من عاشقين على فراش واحدِ
عبد الواحد لؤلؤة