الرباط ـ «القدس العربي» من الطاهر الطويل: يميل الفنان التشكيلي المغربي بوشعيب خلدون إلى الوحدانية، وهو محب للصمت والليل وللقراءة وتحليل المواقف؛ باحث عن التجديد في باطن الأشياء، متعدد المعارف والمدارك، ويسعى إلى أن يكون مؤثرا في محيطه الاجتماعي، وله دائما بعد نظر في قضايا الوطن وما يدور حوله. ويحلم كثيرا بفن أفلاطوني يكون فيه الجمال هو المنتهى والفن هو الأصل في كل شيء.
لكل هذه المعاني وغيرها، جرى تكريمه مؤخرا مرتين، مرة في المعرض الوطني للكتب بمدينة الدار البيضاء ومرة أخرى في اللقاء الثقافي الذي شهدته مدينة الكارة. كما رشحت إحدى لوحاته لنيل الجائزة العالمية «أحسن لوحة عربية» في ملتقى لندن الدولي للفن التشكيلي. التقته «القدس العربي»، وأجرت معه الحوار التالي:
■ جرى تكريمك مؤخرا في إطار المعرض الوطني للكتب بمدينة الدار البيضاء، هل تعتبر هذا التكريم تتويجا لمسارك الفني والثقافي؟ أم بداية أخرى لمواصلة المشوار؟
□ هو تكريم أو سمّه إن شئت احتفاء بي كفنان تشكيلي وإعلامي خلال اليوم الافتتاحى للمعرض الوطنى للكتاب، وذلك بمبادرة من نادي القلم المغربي بالتنسيق مع مؤسسة الزرقطونى للأبحاث والثقافة والجمعية البيضاوية للكتبيين، وبحضور عدد كبير من المفكرين والكتاب والمثقفين والفنانين والأصدقاء. وقد ترأس جلسة التكريم الدكتور شعيب حليفي، حيث تحدث بإسهاب عن مساري في خدمة الثقافة والفن، مبرزا أن هذا الاختيار للتكريم لم يأت من فراغ، بل هو احتفاء اعتاد منظمو المعرض الوطني للكتاب ونادي القلم المغربي نهجه في مختلف الدورات.
وبالنسبة لي شخصيا، أعتبر ذلك الحدث وقفة من الوقفات في حياة المبدع، ليعيد قراءة مساره بأعين الآخر ليستمر ويجدد ويصحح ما يمكن تصحيحه. إنه حافز آخر وتكليف على عاتق الفنان والمبدع لبذل المزيد من الجهد والعطاء.
لقد كانت الكلمات في حقي مؤثرة ومهمة ذات الوقت، وقد أسعدني ذلك، ولأهميتها فسوف يصدر كتاب عن مساري وأعمالي مستقبلا إن شاء الله، والفكرة يتبناها نادي القلم المغربي.
■ ما هي الرهانات من وراء تنظيم «الملتقى الدولي للفن المعاصر» بمدينة مراكش؟
□ هو ملتقى فني نريده أن يكون أكاديميا ومعرفيا يرقى إلى مستوى الملتقيات العالمية الكبرى في كبريات العواصم التي تعرف حركة نماء في الفنون البصرية مثل باريس ونيويورك وروما. وقد حققنا جزءا من أهدافنا في الدورة الاولى التي انعقدت بمراكش السنة الماضية، والرهان والعزم كبيران على الملتقى الثاني الذي سينعقد خلال نهاية هذه السنة والذي سيكون بشراكة مع نادي القلم المغربي ومؤسسة الزرقطوني للثقافة والأبحاث، وسينعقد في الدار البيضاء ومراكش في الوقت نفسه، بمشاركة عدد من كبار الفنانين في الوطن العربي وخارجه. وبالنسبة للندوات سنطرح مواضيع تتعلق بالفن والثقافة ودورهما في ترسيخ الوعي الجمالي لدى المواطن وكذلك الفن والبيئة، بما أن بلدنا سيستضيف المؤتمر العالمي للبيئة ومواضيع أخرى سنتطرق لها لاحقا.
لقد حالف النجاح، إذن، الملتقى الأول بشهادة جميع الفنانين المشاركين، وذلك دون دعم من أية جهة. ونطمح إلى جعل الملتقى حدثا فنيا بارزا في المغرب، إن توفر الدعم، ما دامت الإرادة والعزيمة موجودتين، وهذا سيتأتى بفضل عمل جماعي مع شركائنا.
■ وكيف تقيس درجة تفاعل الفنانين والنقاد مع هذه التظاهرة؟
□ بالنسبة للدورة الأولى كان التفاعل كبيرا، وكان حجم الحضور نوعيا، لأن هاجس نجاح التظاهرة والتنظيم كان الأهم، وقد تميز بحضور وازن لإعلاميين ومتتبعين لمجال الفن التشكيلي، وحاولنا أن نضفي طابع التنوع على برنامج المهرجان، إذ أضفنا فقرات تخللت الحفل الختامي كعرض للأزياء وفنون الشارع، وحاولنا ان ننوع الاماكن لكي لا تكون هنالك رتابة خلال الملتقى، وساعدنا التواجد بمدينة مراكش كوجهة سياحية مفضلة أن نحقق كل ما خططنا له بنجاح. ونراهن في دورتنا الثانية على تحقيق أكبر نسبة من المشاركة من مختلف المدارس والتيارات الفنية، وطموحنا كبير في أن يصبح الملتقى بحجم مهرجان السينما العالمي الذي ينعقد سنويا بمدينة مراكش.
■ حسناً، تم تعيينك مؤخرا رئيسا للمركز الدولي للفنون التشكيلية فرع المغرب العربي، أي دلالات يحملها هذا التعيين؟
□ التعيين شرف لكل الفنانين المغاربة والمغاربيين، وقد تم اختياري وتعييني رئيسا للمركز العالمي للفنون التشكيلية، فرع المغرب العربي، من أجل خلق نوع من الدينامية الفنية على المستوى المحلي والعربي وتحقيق الإشعاع الدولي، وما الملتقى إلا خطوة تندرج في هذا الإطار. والمركز كاسم سيساعدنا باتفاق مع المركز الرئيسي في إطلاق مبادرات فنية نسعى من خلالها إلى نشر الوعي الفني والجمالي كقاعدة اساسية داخل مجتمعاتنا.
والدلالات التي يحملها ذلك التعيين هو أن الفنان المغربي ذو كفاءات كبيرة، ولذلك ندعو الدولة لأن تدمج الفنانين في مشاريع البناء والتخطيط والنظرة المستقبلية لمدننا وقرانا، لجعلها تلبس لباس الفن وخلق أوراش كبرى.
■ نعلم أن لديك اهتمامات كبيرة بالبيئة، في رأيك، ما أثرها على الشخصية الفنية؟
□ أثر البيئة على الشخصية الفنية أثر مصيري، وعليه تتحدد معالم تلك الشخصية، ويمكنها أن ترتفع به إلى مدارج السمو أو تنزله إلى أسفل. لكن، يبقى للعملية الإبداعية حسم كبير في بلورة هذه الشخصية وجعل البيئة أحد العوامل الأساسية للانطلاق من المحلية للعالمية والعكس صحيح. ومن ثم، فالفنان الذي يؤمن بهذا الطرح ويدافع عنه يصل ويكون له موطئ قدم في عالم متغير ومتميز ومتنوع؛ وبيئة الفنان هي التي تميزه عن باقي المدارس الفنية وتجعل من اعماله قيمة مضافة في عالم مليء بالمتناقضات وبالاختلاف.
■ وما أثر البيئة التي عشت فيها عليك شخصيا؟
□ أنا دائما أؤمن بأن البيئة التي عشت فيها ونشأت كان لها دور حاسم ومصيري في تكوين شخصيتي. ما أعيشه الآن راجع لطفولتي ولما تعلمته سواء من المحيط الأسري من مبادئ وأخلاق وإيمان بأن ما نريده نصل إليه بالجد والعمل، وأن الأحلام تتحقق إن نحن تمسكنا بها إلى آخر يوم في عمرنا. البيئة في كل جزئياتها من البادية إلى القرية إلى المدينة كلها عناصر مهمة. وأتذكر أنه حتى وأنا أرعى الغنم هو حكمة أعطتني الصبر وترتيب الأمور أو رسومي وأنا في الصغر قبل ولوج معاهد دراسة الفن كان لها الأثر الكبير في تحديد شخصيتي الفنية، لأنها نبع من الطبيعة والجمال والكون… بعدها، ونحن في عملنا الاحترافي الفني، نعود للبيئة كملاذ لننهل منه قاموس إبداعنا ليكون مشرقا ومتميزا، وهنا الأمر يختلف ويتفرع، فتصبح البيئة هي المحيط الوطن والأمة ككل، لأنك كفنان تخاطب العالم بخطاب تنهله من وطنك وأمتك وثقافتك العربية والإسلامية، وهذا هو البعد الاخر في الإبداع.