أراضي البحر الميت في مهب ريح المصادرة

في إشارة مهمة ولافتة، كتب الصحافي الإسرائيلي سمدار بن آدم، في صحيفة «إٍسرائيل اليوم» المقربة من أوساط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مقالا في الخامس من آذار/مارس الجاري، عن مشروع ناقل المياه بين البحرين الأحمر والميت، ضمّنه هذا النص «توجه الأردن وإسرائيل وباقي الأطراف المستفيدة» إلى توقيع اتفاق ناقل المياه». فمن هي «الأطراف المستفيدة» هذه ولماذا تم تجهيلها. وهل مصادر الصحافي والصحيفة ـ كونها قريبة من مراكز القرار كانا لديهما معلومات تتعلق بخطة ما تتعلق بالبحر الميت وأراضيه التي انحسرت عنها المياه، وبالحقوق الفلسطينية المعرضة لخطر المصادرة؟!
في 15/3/ 2015 تداولت وسائل إعلامية عدة، المعلومات التالية «كشف النقاب عن إعلان اللجنة الفرعية للاستيطان في مجلس التنظيم الأعلى التابع لما يسمى «الإدارة المدنية الإسرائيلية» لجيش الاحتلال، عن إيداع مخطط استيطاني جديد على مشارف البحر الميت، بما يعكس برنامج الحكومة اليمينية المتطرفة في إسرائيل، ونظرتها حيال مستقبل العملية السياسية مع الفلسطينيين».
السيد خليل تفكجي، مدير دائرة الخرائط في بيت الشرق بمدينة القدس، ذكر «أن المخطط سيفضي إلى مصادرة مساحات واسعة من الأراضي، بدءا من جنوب أريحا حتى منطقة عين جدي في أقصى جنوب البحر الميت». وأضاف السيد تفكجي «أن جميع الأراضي الواقعة إلى الغرب من البحر الميت ـ وهي من المفترض أن تكون من حصة الجانب الفلسطيني، وتبلغ نحو ثلث مساحة البحر الميت ـ إضافة إلى ما مساحته 140 كيلومترا مربعا من البحر الميت، والتي كانت قد انحسرت عنها المياه وتحولت إلى أراضي دولة، باتت مناطق مغلقة يحظر أي وجود فلسطيني فيها، وتم ترحيل الفلسطينيين البدو منها، ومنع أي سيطرة فلسطينية على حقوق المياه في البحر الميت وفي مشروع قناة البحرين».
وخلص السيد تفكجي إلى القول: «أن المخطط يرمي إلى الحيلولة دون إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة على الأرض، واضحة الحدود ومتصلة جغرافيا».
وتعود مشكلة البحر الميت وانحسار المياه عن الانصباب فيه، إلى منتصف ستينات القرن الماضي، حين أخذت إسرائيل في تحويل مياه نهر الأردن الأعلى ـ المياه الآتية من الأنهار والجداول اللبنانية والسورية ـ والتي تصب في بحيرة طبريا، ثم لتتوجه شمالا لتلتقي بمياه نهر اليرموك وأنهار وجداول أخرى، لتصب في البحر الميت ـ نحو ألف مليون متر مكعب من المياه -.
كان هذا الأمر وهذا الواقع، قبل أن تحول مياه نهر الأردن إلى مدنها وبلداتها في الساحل الفلسطيني، ثم إلى مستعمراتها في النقب، والتي تصل كميتها إلى نحو 500 مليون متر مكعب. لتتوالى بعدها المخططات في ما يتعلق بمياه نهر اليرموك، الذي يمر بين سوريا والأردن، ليقام عليه سد نهر اليرموك، والذي مر في مراحل من الشد والجذب منذ ستينات القرن الماضي، ولتدخل إسرائيل على خط الحصص وتوزيعها، لتحصل في النهاية على نحو 50 مليون متر مكعب من مياه السد بعد إقامته.
ويمكن الإشارة إلى أن بقايا المياه التي استمرت بالتدفق والوصول إلى البحر الميت، هي من أملح المياه وأقلها في الكمية، حيث شاهدت في منتصف الثمانينات جدولا صغيرا، يطفو على سطحه سمكا نافقا من شدة الملوحة في المياه، وذلك ما بقي من مياه نهر الأردن.
لم يبق الأمر في نطاق التحويلات والسدود الكبيرة والصغيرة في «تعطيش» البحر الميت وحجز المياه عنه، بل قامت «حروب» غير معلنة في حفر الآبار الارتوازية «لشفط» المياه الجوفية من المناطق المحيطة بالبحر الميت، إذ أنشأت إسرائيل نحو مائة بئر ووجهت مياهها نحو عشرات المستعمرات التي أقامتها في المنطقة، فكيف لهذا البحر الميت أن يصمد ويستمر في الحياة؟ خصوصا أنه ينخفض عن سطح المياه بنحو 400 متر، ولا يسقط عليه من المياه الشتوية ما يزيد على 90 ملليمترا في السنة الواحدة، كما وتصل نسبة تبخر المياه إلى أعلى المستويات، نظرا للحرارة العالية في المنطقة، والتي تتراوح في الصيف بين 40 و50 درجة مئوية.
وقد قدرت بعض المصادر أن البحر الميت يمكن أن يصل إلى الموت والتبخر ـ إذا ما استمرت الحال على ما هي عليه – في حدود العام 2050، خصوصا وأن المياه المحجوزة والمحولة عنه بلغت نحو 90 % من كمية المياه التي كانت تصل إليه. علما أن إسرائيل والأردن كانا المستفيدين من وجود البحر ومياهه المشبعة بأملاح كثيفة ومنوعة، وأقامتا عليه مصانع لاستخراج البوتاس والبروميد ومواد التجميل العادية.
ما يجدر ذكره هنا أن طول البحر الميت قبل أن يبدأ انحساره، كان يصل إلى نحو 68 كيلومترا، وعرضه يصل إلى نحو 18 كيلومترا، ليخسر نحو ثلث مساحته بسبب مشاريع المياه التي أقيمت على الأنهار وفروعها التي كانت تصل إليه. وأصبح حجم البحر حاليا نحو 623 كيلومترا مربعا، بعد أن كان نحو 950، أي أنه فقد نحو 33% من حجمه، وهو يفقد مترا واحدا سنويا من سطحه المائي. وشهدت السنوات الماضية فقدان نحو 24 مترا من هذا السطح المائي.
ويبقى السؤال المقلق في هذا المجال، والذي بقي غامضا ومجهلا هو: ما هي حصة السلطة الفلسطينية، وبالتالي سكان الضفة وغزة وسكان النقب من البدو الفلسطينيين، من كميات المياه التي ستتوفر من مشروع ناقل المياه من البحر الأحمر إلى البحر الميت، والمشاريع المائية والكهربائية التي ستقام بينهما، وهل السلطة الفلسطينية تملك زمام أمرها في توزيع ما يتوافر لها من المياه ـ إذا ما أبقت أو اعترفت إسرائيل بحقوقها ـ على المناطق الأكثر احتياجا من المناطق الفلسطينية كافة؟ أم أن العراقيل واللاءات والمخططات الإسرائيلية قد تعطل قيام دولة فلسطينية، أو حتى إلى إلغاء السلطة الفلسطينية نفسها؟!

٭ كاتب فلسطيني

سليمان الشّيخ

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية