أراضي 48: دبكة شعبية كادت تثير فتنة أهلية

حجم الخط
5

الناصرة ـ «القدس العربي»: وكأن الاحتلال وهموم العنصرية في إسرائيل لا تكفي حتى تتواصل منذ أيام اشتباكات لفظية قاسية بين أبناء الشعب الواحد داخل أراضي 48 طرفاها الإسلاميون والوطنيون. ويبدو أن التراشق لا يجري بمعزل عن المحيط العربي، ففلسطينيو الداخل منقسمون على سوريا ومصر بين ما يؤيد «الربيع العربي» وبين من يعتبره مؤامرة غربية. وتعود البداية لمدينة أم الفحم حيث نظمت شبيبة التجمع الوطني الديمقراطي إفطارا جماعيا تخللته فقرة فنية ودبكة فلسطينية شعبية بمشاركة فتيان وفتيات. وأثارت «الدبكة المختلطة» حفيظة بعض الناشطين الإسلاميين في أم الفحم مدينة الشيخ رائد صلاح وخارجها فوجهوا انتقادات للتجمع الوطني لعدم مراعاته الشهر الفضيل زاعمين أن الاختلاط ينتهك حرمته. لكن الجدل سرعان ما تحول لاشتباكات لفظية بعدما وجه ناشطون إسلاميون اتهامات قاسية للتقليديين والعلمانيين كالقول «الاختلاط سبب الانحطاط». وذهب بعض الناشطين الإسلاميين الشباب للقدح وللمساس بعرض الفتيات المشاركات في الدبكة، بالتلميح.
وشنت أوساط مناهضة للحركة الإسلامية حملة مضادة واتهمت صحيفة «الاتحاد» الناطقة بلسان الحزب الشيوعي من هاجموا الدبكة بالعداء للتراث الإسلامي. في افتتاحيتها بعنوان «لا تواطؤ ولا تخاذل في مواجهة الأصولية» وصفت من شن حملة على الدبكة الشعبية بـ «الوهابيين الأصوليين الصحراويين المتطرفين الظلاميين».
واتسع الجدل يوما بعد يوم وازدحمت منتديات التواصل الاجتماعي بالتراشقات فتبادلت الحركة الإسلامية وأنصارها والتجمع الوطني والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة وأنصارها البيانات والاتهامات حتى كاد يختلط الحابل بالنابل وكأنه لم تعد هناك هموم قومية وفردية تتراكم خلف باب كافتهم تهدد حقوقهم بل وجودهم.
وأصدر رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي، واصل طه، بيانًا موجهًا لقيادة الحركة الإسلامية جاء فيه: «ادعاؤكم بامتلاك الحقيقة وحماية الدين هو في حد ذاته خروجٌ عن مبادئ الحوار البنّاء الذي يدعو له الإسلام الحنيف، وتذكّروا أنّكم لستم وحدكم في هذه السفينة».
وأضاف: «بعد قراءتي بيان الحركة الإسلامية المليء بالتضليل والتحريض والقذف والادعاء بامتلاكهم الحقيقة وحدهم، فهذا يعتبر نوعا من الاستكبار حيث أنّهم ليسوا الأوصياء الحصريين لله على الأرض، ولا يملكون الحق بمنح الناس شهادات الإيمان والكفر».
ودعا الإخوة في الحركة الإسلامية بالقول إنه توقع منهم مواقف عقلانيّة ومسؤولة في أعقاب السجال والتلاسن الذي وصل من بعض محازبيهم حدّ التهديد الدموي.
وختم بالقول «أمّا القضايا والتّحديات التي نواجهها سويةً في ظلّ خصوصيتنا كسكان أصليين تحوّلوا لأقلية في وطنهم بفعل نكبتنا الكبرى، ينبغي أن تكون أكبر وأهم من هذا السجال العبثي الزائد الذي حتمًا سيقود إلى تفتيت نسيجنا الاجتماعي وإضعاف شوكتنا. لهذا كله أدعو قيادة الحركة الإسلامية لإعادة النظر بموقفها وأدعوهم إلى جلسة حوار مباشرة بناءة ومجدية وخالية من الإقصاء والقطيعة».
وسرعان ما خرج الشيخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلامية الشق الشمالي ببيان موجز من خلال صفحته في الفيسبوك انتقد فيه اللغة القاسية المستخدمة من قبل مناصريه الإسلاميين ممن يخطئون فهم الإسلام علاوة على انتقاده من يصادم قيم وأفكار الإسلام مشيرا بذلك للدبكة الشعبية في أم الفحم. ووجد بيان الشيخ رائد صلاح ارتياحا ومديحا في أوساط فلسطينيي الداخل واعتبروه تعبيرا عن نضوج ومسؤولية. لكن أوساطا غير إسلامية أخذت على نائبه الشيخ كمال خطيب الذي واصل توجيه انتقادات قاسية لمن يؤيد الدبكة الشعبية ببيانات وتصريحات لغتها هجومية اتهمت بالفظاظة من قبل مراقبين.
وإزاء استمرار التراشق وإن كان أقل حدة عاد الشيخ رائد صلاح وخصص مقاله الأسبوعي يوم الجمعة للمسألة وكرر فيه نقده لمن لا يفهم الإسلام كما ينبغي فيفتي على خاطره ووجه مجددا انتقادات لمن يتبنى أفكارا وأعمالا منافية للإسلام.
وفي مقاله جاء: هما خطابان متطرفان ومرفوضان. أما الخطاب الأول منهما فهو الذي يقوم على خلفية دعوة الناس إلى الإسلام دون فهم أولا لأساليب هذه الدعوة التي أمر بها القرآن الكريم، وللأساليب التي لا تتفق مع هذه الدعوة، والتي نهى عنها القرآن الكريم، ثم دون التزام ثانيا بهذه الأساليب القرآنية للدعوة إلى الإسلام. فإن خطابا يفتقر إلى فهم هذه الأساليب القرآنية والالتزام بها، هو خطاب سيقود صاحبه إلى التطرف، وإن كان يحمل في داخله كل النوايا الحسنة. لأنه سيقوده إلى التطرف فهو خطاب مرفوض. ففي هذه الآية يأمرنا القرآن الكريم بالدعوة إلى الإسلام، ويحدد لنا الأساليب المطلوبة لهذه الدعوة وهي «بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن» أو بـ «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن» .
وأضاف «وعلى سبيل المثال؛ لا يعقل التصادم مع آداب رمضان بادعاء إحياء ليالي رمضان. لا يعقل استيراد قيم هجينة مصادمة لقيم الإسلام بادعاء الحداثة والتحضر والتطور».
وختم الشيخ صلاح بلهجة متصالحة:»ولا يعقل التنكر للقيم الفلسطينية والعربية والإسلامية بادعاء الالتزام الوطني أو القومي. سيما وأن كل حر عاقل يدرك أنه ما كان هناك في يوم من الأيام فِصامٌ نكدٌ بين الوطنية والقيم الفلسطينية، أو بين القومية والقيم العربية».

وديع عواودة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية