«أربح ـ أربح»… إستراتيجية أردوغان الجديدة لمزيد من النفوذ في القارة السمراء

حجم الخط
3

إسطنبول ـ «القدس العربي»: طرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إستراتيجية بلاده الجديدة في علاقاتها مع دول القارة السمراء، موضحاً أن سياسة بلاده تقوم على معادلة «اربح ـ اربح» من خلال «الشراكة المتساوية والاحترام والربح المتبادل»، في مسعى لتحقيق مزيد من النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي الذي بدأ منذ سنوات وتسارع خلال العامين الأخيرين.
وخلال الأشهر الأخيرة كثفت تركيا بشكل كبير من تحركاتها في إطار مساعي أنقرة لتعزيز نفوذها الإقليمي والدولي عبر توسيع قاعدة العلاقات السياسية والاقتصادية مع دول القارة السمراء، والتي تكللت مؤخراً بإقامة قاعدة عسكرية تركية في الصومال لتتكشف الأبعاد «الجيوسياسية» الهامة لتوجهات أردوغان.
وأمس الخميس، وصل أردوغان إلى كينيا قادماً من أوغندا وذلك في إطار جولة إفريقية جديدة ستقوده إلى الصومال أيضاً (يُمكن أن تلغى لتطورات أمنية في مقديشو وسياسية في تركيا)، يسعى من خلالها إلى بناء شراكات جديدة وفتح أسواق للشركات التركية في هذه الدول التي تعاني من إهمال رسمي متزايد من الدول الكبرى يعمل أردوغان على استغلاله عبر القيام بنفسه بهذه الزيارات.
وقبل أشهر قليلة، قام أردوغان بجولة إفريقية مشابهة شملت كل من ساحل العاج وغانا ونيجيريا وغينيا، وسبقها بفترة قليلة جولة أخرى شملت إثيوبيا وجيبوتي والصومال، وتهدف الزيارات بحسب الإعلانات الرسمية إلى تعزيز «الشراكة الإستراتيجية» وتطوير العلاقات الاقتصادية.
والثلاثاء، وصل وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إلى العاصمة الليبية طرابلس في خطوة لإعادة فتح السفارة التركية هناك، في حين أكد الوزير التركي على أن شركات بلاده ستشارك في عملية إعادة إعمار ليبيا، كما انتقل بعدها جاويش أوغلو لزيارة رواندا. وترتكز السياسة التركية الجديدة مع الدول الأفريقية على تقديم نفسها كشريك لهذه الدول والتذكير بأنها لم تكن دولة استعمارية في أفريقيا وأنها لا تسعى لاستغلال مقدرات القارة الغنية ببعض الموارد، وإنما تهدف إلى مساعدة هذه الدول على استغلال مواردها، حيث انتقد أردوغان مؤخراً تعامل الغرب مع تلك القارة من خلال تشديد قيود السفر وغيرها من إجراءات اعتبرها «جدران طويلة» لفصلها عنه.
وفي كلمة له من كينيا، قال أردوغان: «العلاقات بين تركيا والقارة الأفريقية تجاوزت مرحلة الاهتمام، إلى مرحلة العمل، وهي ليست علاقة بين المستعمِر والمستعمر»، مضيفاً: «الفترة القادمة ستعرف تعزيزا للعلاقات التركية الأفريقية»، ومن أوغندا قال أردوغان: «العلاقة التي نريد تأسيسها مع بلدان القارة، قائمة على الشراكة المتساوية، والاحترام والربح المتبادل، ويمكننا الاستثمار بشكل مشترك في كافة المجالات».
ولعب أيضاً على وتر الظلم الذي تتعرض له القارة، وأعاد التذكير على أن «العالم أكبر من 5 (في إشارة لأعضاء مجلس الأمن الدولي)»، لافتاً إلى أنه من غير المقبول الاستمرار بهذه المنظومة التي تشكلت خلال ظروف الحرب العالمية الأولى.
وأضاف أردوغان: «لا يوجد أي بلد أفريقي أو بلد شعبه مسلم بين الأعضاء الدائمين لمجلس الأمن».
وتُسوق تركيا أيضاً لفكرة أن لديها نظرة مختلفة للقارة، وكتب أردوغان في مقال له: «كثيراً من الناس في العالم يربط القارة الأفريقية بالفقر المدقع والصراعات العنيفة وبحالة عامة من اليأس؛ لكن لدى شعب تركيا وجهة نظر مختلفة، فنحن نعتقد أن أفريقيا تستحق الأفضل»، مذكراً بعقود الاستغلال التي عاشتها القارة.
ويرى مراقبون أن أردوغان يحاول تعويض الخسائر التي لحقت ببلاده بعد اندلاع الثورة السورية، وعزل الرئيس المصري السابق محمد مرسي، وتعزيز نفوذ بلاده السياسي والدبلوماسي حول العالم، بينما رأت العديد من الصحف التركية أن التحرك الدبلوماسي الجديد وانفتاح تركيا على الدول الأفريقية يأتي في إطار سياسات حكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم التي تهدف إلى إيصال الصوت والمنتجات التركية إلى جميع أنحاء العالم.
ومنذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عمل على تعزيز العلاقات مع أفريقيا بشكل كبير، وفي تجسيد لهذا الهدف تمكنت أنقرة منذ عام 2000 من رفع مستوى التجارة مع أفريقيا ثمانية أضعاف لتصل إلى ستة مليارات دولار كما بلغ عدد السفارات التركية في أنحاء القارة 39، ويوجد 32 سفارة لدول أفريقية في أنقرة؛ أي بزيادة تمثل خمسة أضعاف. وترى تركيا أن القارة الأفريقية تمتلك ثلاث مزايا هامة وهي الشباب، الموارد الطبيعية، والأراضي الخصبة الصالحة للزراعة.
كما تهدف تركيا من خلال تعزيز علاقاتها الدبلوماسية وتقديم الدعم الإنساني للعديد من الدول الأفريقية إلى كسب الدعم السياسي لهذه الدول في المحافل الدولية لا سيما في الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، كل ذلك إلى جانب المكاسب الاقتصادية وتعزيز التبادل التجاري.
وتسعى أيضاً التي عززت من صناعاتها العسكرية في السنوات الأخيرة إلى فتح أسواق جديدة للأسلحة التركية التي تنتج محلياً وبدأت تدر مئات الملايين إلى الخزينة التركية، حيث تسعى أنقرة للتحول إلى مُصدر للأسلحة بعد أن كانت تستورد جميع احتياجاتها الدفاعية من الخارج وباتت الآن تصنع 80٪ منها محلياً بحسب تقديرات حكومية.
وتحتوي قارة إفريقيا على 54 دولة يزيد عدد سكانها عن مليار نسمة، أكثر من 70٪ من سكانها شباب، وتتمتع باقتصاد سريع النمو، وتتمتع بموقع جغرافي يحمل أهمية اقتصادية وعسكرية، بالإضافة إلى قربها من منابع الطاقة وممرات نقلها.
وساعد تعزيز العلاقات السياسية بين تركيا والعديد من الدول الأفريقية في نجاح أنقرة في الدخول إلى مجلس الأمن عام 2008، كما ساعد في إنجاح مرشح تركيا أكمل الدين إحسان اوغلو في تولي منصب الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي العام 2005.
وتعتبر الصومال البوابة الأوسع لتركيا في جهدها لتوسيع نفوذها بإفريقيا، ففي الوقت الذي انشغل فيه العالم أجمع عن المجاعة والمأساة الإنسانية التي تعيشها الصومال، كان أردوغان في عام 2011 أول زعيم غير إفريقي يزور الدولة الفقيرة غير الآمنة منذ أكثر من 20 عاماً، فاتحاً الباب أمام مساعدات إنسانية واقتصادية وتنموية تركية غير محدودة للصومال.
وبعد سنوات من الدعم الاقتصادي والإنساني اتفقت أنقرة مع الحكومة الصومالية على استضافة قاعدة عسكرية للجيش التركي على أراضيها تطل على خليج عدن الاستراتيجي، ولتكون بذلك ثاني قاعدة عسكرية للجيش التركي خارج أراضيه بعد القاعدة العسكرية في قطر والمطلة على الخليج العربي.
ويرى محللون أتراك أن القاعدة العسكرية في الصومال وتوجهها لتدريب أكثر من 10 آلاف جندي صومالي ستكون بالإضافة إلى موقعها الاستراتيجي سياسيا وجغرافياً مدخلاً هاماً لبيع السلاح التركي في القارة السمراء وفتح أسواق جديدة للصناعات الحربية التركية التي تشهد تطوراً متسارعاً في السنوات الأخيرة.
وتدرك تركيا جيداً أهمية الصومال بالنظر إلى موقعها الجغرافي الذي يربط بين القارات وباعتبارها ممرا مهما للطاقة في العالم، إضافة إلى الثروات الكثيرة التي يمتلكها الصومال والمخزون النفطي، وبالتالي فإن الصومال يدخل ضمن سياسة عامة تنتهجها تركيا للتأثير على المستويين الإقليمي والدولي.
وخلال السنوات الأخيرة، ارتفع بشكل كبير حجم التبادل التجاري بين تركيا والعديد من الدول الأفريقية، أبرزها تونس والمغرب والجزائر بالإضافة إلى ليبيا التي عملت شركات المقاولات التركية على إعادة اعمارها بعد الدمار الذي حل بها إبان الثورة على الرئيس معمر القذافي.
وعقدت تركيا في مدينة اسطنبول عام 2008، قمة أفريقية تركية تحت اسم «التضامن والشراكة لمستقبل مشترك»، والتي كانت الأولى من نوعها، وشارك في هذه القمة ممثلون من 50 دولة أفريقية، وفي العام ذاته منحت «قمة الاتحاد الأفريقي» المنعقدة في أديس أبابا وصف «حليف استراتيجي» لتركيا.

«أربح ـ أربح»… إستراتيجية أردوغان الجديدة لمزيد من النفوذ في القارة السمراء

إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية