القاهرة ـ «القدس العربي»: مشاهد تتنوع بين قتلى مصريين في الصحراء الليبية وآخرين يذبحون على يد مسلحين يقولون إنهم يتبعون تنظيم الدولة الإسلامية، وقصف طيران يستهدف درنة، ولقاءات تجمع مسؤولين مصريين بآخرين ليبيين، يمكنها ان ترسم سويا طبيعة العلاقات المصرية الليبية في الفترة الأخيرة.
فمصر التي ترى في الحدود الشرقية، مصدرا للخطر الدائم، ومنفذا لهجمات المسلحين، قررت منذ البداية أن تلعب دورا سياسيا في دعم أطراف بعينها على أمل أن تتمكن من إغلاق ملف يؤرقها على المستوى الأمني.
فمنذ إعلان خليفة حفتر القائد العسكري في شرق ليبيا، ما اطلق عليها عملية الكرامة العسكرية لتحرير ليبيا من الإسلاميين، ظهر موقف مصر الداعم له. فقد استقبله السيسي أكثر من مرة في قصر الاتحادية، كما دعا المجتمع الدولي لرفع حظر بيع الأسلحة إلى ليبيا.
وكانت آخر هذه اللقاءات في أيار/مايو الماضي، حيث أعلنت القاهرة، أن اللقاء يأتي في إطار الجهود والمساعي، التي تبذلها مصر لتقريب وجهات النظر بين قائد الجيش الليبي ورئيس المجلس الرئاسي الليبي فايز السراج وبقية الأطراف الليبية، وصولا إلى حل الأزمة الليبية سياسيا.
وكان من المفترض أن تنظم مصر لقاءً يجمع بين فائز السراج رئيس حكومة الوفاق وحفتر، للوصول لحلول للأزمة الليبية، قبل ان تبلغ السلطات المصرية السراج برفض حفتر لقائه. وقال مصدر رفيع المستوى لـ«سكاي نيوز عربية» إن جهودا كبيرة تبذلها القاهرة لحل الأزمة الليبية، مهد إليها رئيس أركان الجيش المصري الفريق محمود حجازي، المكلف من قبل السيسي بعقد اجتماعات مع كافة الأطراف الليبية خلال الفترة الماضية.
وأشار المصدر إلى أن الأيام السابقة شهدت اتفاق الجانبين «السراج وحفتر» برعاية مصرية وإماراتية وتم حل النقاط الخلافية، لا سيما ما يتعلق بالجيش ومكافحة الإرهاب وقضية المهجرين والنازحين وأزمة الجنوب.
مصر التي لم تخف دعمها لحفتر وقدمته للعالم باعتباره منقذ ليبيا من براثن الحرب الأهلية، لم تكتف بذلك، بل عملت على انجاز اتفاق الصخيرات، الذي جرى توقيعه من جانب المشاركين في الحوار الليبي في 11 تموز/يوليو 2015 بالأحرف الأولى على تشكيل حكومة وحدة وطنية توافقية، واعتبار برلمان طبرق الهيئة التشريعية، وتأسيس مجلس أعلى للدولة.
وتوالت الجهود المصرية من خلال اللجنة التي تم تشكيلها للعناية بالأزمة الليبية وتضم كافة أجهزة الدولة المصرية المعنية برئاسة الفريق محمود حجازي رئيس أركان حرب الجيش المصري، حتى تمت صياغة إعلان القاهرة في 13 كانون الأول/ديسمبر 2016 الذي حُدِدَت فيه القضايا الجوهرية المطلوب التعامل معها للخروج من الأزمة.
وتطرقت جهود اللجنة المعنية أيضا إلى العمل على تقريب وجهات النظر بين القيادات السياسية والعسكرية ومنها رئيس مجلس النواب ورئيس المجلس الرئاسي والقائد العام للقوات المسلحة الليبية، بالإضافة إلى توفير الدعم الإقليمي عبر التواصل مع دول الجوار مع ليبيا ولقاء ممثلي ومبعوثيات المنظمات العربية والدولية، والآليات المعنية لتسوية الأزمة الليبية مثل الاجتماعات مع دول الجوار الليبي واللجنة الافريقية وجامعة الدول العربية، إلى جانب لقاءات ممثلي الاتحاد الافريقي ومبعوثي المنظمات والقوى الدولية المعنية بالشأن الليبي «المبعوث الأممي لدى ليبيا وحلف الناتو ومبعوث القوى الدولية».
وتتمسك مصر ببنود اتفاق الصخيرات كحل للأزمة، ما شدد عليه وزر الخارجية المصري سامح شكري خلال لقائه مع مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا مارتن كوبلر، وأكد على ضرورة إيجاد حلول تضمن الحفاظ على كيان الدولة الليبية وحماية مؤسساتها، معربا عن تطلع مصر لمزيد من التعاون والتشاور في الشأن الليبي مع الأمم المتحدة.
كما أكد، في هذا الصدد، على استمرار مصر في بذل الجهود من أجل إتاحة الفرصة كاملة لليبيين للتوصل إلى حلول ترضي جميع الأطراف، ومواصلة العمل للتعرف على القضايا الأساسية المطلوب حلها ودعم الأطراف الليبية وتشجيعها على التوصل إلى التوافق المطلوب، وذلك في ضوء الإطار العام الذي حددته مختلف الأطراف الليبية في الاجتماعات التي استضافتها القاهرة.
مصر توجه ضربات جوية
اعترفت مصر مرتين بتوجيه ضربات جوية لتجمعات الإسلاميين في الأراضي الليبية، الأولى في شباط/فبراير 2015 عندما أعلن الجيش المصري انه شن ضربات على أهداف لتنظيم الدولة الإسلامية داخل ليبيا، مؤكدا أن الغارات حققت أهدافها، انتقاما لبث التنظيم فيديو يظهر ذبح 21 قبطيا مصريا، فيما قال قائد سلاح الجوي الليبي إن قواته شاركت في الضربات مؤكدا مقتل ما بين 40 و50 متشدداً في هذه الضربات.
وحسب بيان صادر عن الجيش المصري، فقد استهدفت 8 ضربات جوية معسكرات ومناطق تمركز وتدريب ومخازن أسلحة وذخائر للتنظيم في درنة الليبية، وأضاف البيان أن الضربة الجوية حققت أهدافها بدقة، وعادت القوات لقواعدها سالمة.
وأوضح البيان أن الضربة الجوية جاءت «تنفيذاً للقرارات الصادرة عن مجلس الدفاع الوطني وارتباطاً بحق مصر في الدفاع عن أمن واستقرار شعبها والقصاص والرد على الأعمال الإجرامية للعناصر والتنظيمات الإرهابية داخل وخارج البلاد». أما المرة الثانية، فجاءت بعد استهداف مسلحين لسيارت تقل أقباطا كانت في طريقها لزيارة أحد الأديرة الصحراوية في محافظة المنيا، حيث تحدث السيسي بعد ساعات من الهجوم، متهما مسلحين قادمين من ليبيا بتنفيذ الهجوم، مؤكداً أن مصر سترد لحماية أمنها القومي في أي مكان.
وأعلن الجيش المصري تنفيذ ضربات جوية دمرت المقر الرئيسي لما يسمى تنظيم «مجلس شورى مجاهدي درنة» في ليبيا. وأضافت المصادر أن الغارات الجوية التي نفذها الطيران المصري تركزت على تجمعات الإرهابيين في مناطق وادي الناقة والظهر الأحمر، وشملت مركزاً لشورى المجاهدين في درنة.
وفي سياق منفصل عن العمليات السياسية والضربات الجوية، أعلنت منظمة الهلال الأحمر الليبي في مدينة طبرق، قبل أيام أن فرقها عثرت على جثامين 48 مهاجرا غير شرعي قادمين من مصر
وأوضحت المنظمة في بيان، أنها «عثرت على الجثامين جنوب نقطة التفتيش التي تربط بين مدينتي أجدابيا وطبرق، وبالقرب من وادي علي داخل منطقة الرمال» مشيرة إلى أن «الضحايا كانوا في طريقهم إلى ليبيا للعمل هناك وقد دخلوا بطريقة غير شرعية».
تامر هنداوي