دمشق – «القدس العربي» : أحدثت تصريحات وزارة الدفاع الروسية التي روجت لهجوم كيميائي مفترض على إدلب ضجة وجدلاً واسعاً بين المعارضة السورية، لما فيها من أسلوب مكرر لكليشيهات سياسية وصفها مراقبون بالمبتذلة بعد ان استخدمتها موسكو سابقاً، قبيل الهجوم على محافظة درعا في الجنوب وريف دمشق، وانتجت عودة تلك المناطق إلى سيطرة رئيس النظام بشار الأسد، أما الدول الصديقة للشعب السوري التي لم يبق منها الا تركيا، فيبدو انها تقف متفرجة على فقدان توازن القوى، محاولة التمسك بالحد الأعلى من آلية الحفاظ على مصالحها والمكاسب الحالية التي حققتها في الشمال السوري، بموازاة تعنت روسي يصر على الاستمرار في تحصيل المكاسب بعد تهديد موسكو بملحمة على رقعة مخزون المعارضة في إدلب، حيث زعمت وزارة الدفاع الروسية وجود تحضيرات تجريها فرق «الخوذ البيضاء» لهجوم بأسلحة حرارية مسممة خلال أيام على منطقة كفر زيتا في ريف إدلب.
وقالت وزارة الدفاع الروسية، على لسان المتحدث باسمها اللواء إيغور كوناشينكوف، إن «مركز المصالحة الروسي في سوريا يعلم بوجود خبراء أجانب في إدلب، لتنظيم هجمات كيميائية وهمية»، وأشار إلى التحضير لضربة خلال اليومين المقبلين بأسلحة كيميائية، مضيفاً «هناك مجموعات من القاطنين في شمال إدلب سيشاركون في الهجوم الكيميائي». وتابع «بعد الهجوم الكيميائي الذي يجري تحضيره في سوريا، سيرتدي بعض الناس خوذاً بيضاء، ليصوروا مقاطع فيديو يتم نقلها لوسائل الإعلام»، زاعماً «أن مجموعة من الميليشيات المسلحة، خضعوا لتدريب من قبل شركة «أوليف غروب» البريطانية، يخططون لتنفيذ عمليات إنقاذ «وهمية» لضحايا الأسلحة الكيميائية في إدلب».
تأمين «حميميم»
تفعيل ماكينات روسية إعلامية تشكل الموجه الرئيسي لاعلام النظام السوري، ترمي حسب مصادر «القدس العربي» إلى حشد الرأي العام العالمي ضد من تصفهم موسكو بالإرهابيين وضرورة محاربتهم تمهيداً لعمل عسكري في المنطقة، لصالح قوات النظام التي سوف تتقدم بدعم روسي إلى مناطق محدودة، متاخمة للساحل السوري، تؤمن روسيا من خلالها الحماية لحاضنة النظام الشعبية، ولقاعدتها الجوية في حميميم، ويمكن تحديدها في الاطراف الشرقية للمناطق الموالية في الساحل وحماة، «منطقة جسر الشغور لمتاخمتها لمنطقة الساحل، وصولاً إلى جبل الأكراد»، وهو ما دفع بالجبهة الوطنية للتحرير – أكبر تشكيل عسكري معارض مدعوم من أنقرة – إلى اعلان النفير العام ورفع جاهزية مقاتليها لمواجهة تهديدات قوات الأسد، والتصدي للخطر المحدق بالمنطقة الرابعة والأخيرة لنظام خفض التصعيد شمال غربي سوريا. حيث ذكرت الجبهة في بيانها «نحمل ما يصدر عن النظام المجرم وأعوانه من تهديدات وتلميحات باقتراب معركة إدلب على محمل الجد» داعية جميع الفصائل والتشكيلات المعارضة إلى الاستعداد للمعركة.
وكانت قد ذكرت وكالة الإعلام الروسية أن سيرغي ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسي حذر «لأمريكيين وحلفاءهم من مغبة اتخاذ اي خطوات طائشة مجددا في سوريا»، وذلك رداً على مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون الذي تحدث عن رد فعل قوي محتمل لواشنطن في حالة وقوع هجوم كيميائي أو بيولوجي على محافظة إدلب السورية، ونقلت الوكالة عن ريابكوف قوله «نسمع إنذارات من واشنطن… وهذا لن يفتر عزمنا على مواصلة سياستنا الرامية للقضاء الكامل على مراكز الإرهاب في سوريا وعودة هذا البلد إلى حياته الطبيعية».
المزاعم الروسية حول تحضير فرق الدفاع المدني في ادلب إلى هجوم كيميائي مفترض، هو تكرار للأسلوب الذي اتبعته موسكو قبيل الهجوم على كل من درعا والغوطة الشرقية، والذي أفضى إلى انتزاع النظام السوري السيطرة على المناطق المذكورة، حيث كان رئيس مركز المصالحة الروسى الجنرال يورى يفتوشينكو – قد صرح في السادس من نيسان/ابريل من العام الجاري قبيل السيطرة على محافظة درعا «ان المجموعات المسلحة جنوب سوريا تحضر لسلسلة من الاستفزازات، بما في ذلك استخدام مواد سامة، مشيراً إلى أن جبهة النصرة والجيش السوري الحر خططا لتفجير ذخائر كيميائية محشوة بالكلور، يدوية الصنع فى مدينة درعا جنوبي سوريا، وسبق ذلك تصريح لرئيس هيئة الأركان العامة الروسية فاليري جيراسيموف، في الرابع عشر من شهر آذار الفائت قال فيه « إن موسكو على علم بأن المسلحين في منطقة الغوطة الشرقية يخططون لشن هجوم بأسلحة كيميائية ضد المدنيين وإلقاء اللوم فيه على القوات الحكومية السورية».
وأمام هذه المعطيات طالب فريق «منسقو الاستجابة في الشمال السوري»، الدول المعنية في الشأن السوري والأمم المتحدة، بتحمّل مسؤولياتهم تجاه أربعة ملايين نسمة في إدلب، ومنع قوات النظام المدعومة من روسيا من شنّ هجوم على المنطقة. وأوضح الفريق ان «محاولة روسيا إظهار الشمال السوري بمظهر البؤرة الإرهابية الكبرى، هو محاولة عديمة الجدوى قامت بتطبيقها في كافة مناطق خفض التصعيد السابقة، وقامت باحتلال تلك المناطق بذريعتها، مضيفاً أن «ذرائع إصدار البيانات والتصريحات الصحافية من قِبَل بعض الدول الغربية، هي محاولة ناعمة لمنع روسيا من ارتكاب المجازر في منطقة خفض التصعيد الرابعة، من دون اتخاذ أي إجراء حازم تجاه تلك التهديدات».
كشف كميات الأسلحة
كما اعتبر «منسقو الاستجابة» أن التصريحات الروسية التي كشفت عن أعداد المقاتلين الروس العاملين في سوريا والمرتزقة التابعين لها وكميات الأسلحة التي تم استخدامها، تظهر أنها قوة احتلال تسيطر على المفاصل الأساسية في مؤسسات الدولة السورية المسيطر عليها من قِبَل النظام وميليشياته». وأشار البيان أيضاً إلى أن موسكو تواصل اجتماعاتها المكثفة مع الدول الغربية والمجتمع الدولي، بخصوص موضوع إعادة اللاجئين السوريين إلى سوريا وبخصوص منطقة خفض التصعيد الرابعة (الشمال السوري)؛ حيث تحاول من خلال هذين الملفين الحصول على مكتسبات إضافية، ومحاولة الانتهاء من موضوع الملف السوري والتفرغ للأزمات الاقتصادية والسياسية التي تمر بها.
وعلى ضوء تلك التهديدات ردت هيئات مدنية في مدينة جسر الشغور على الادعاءات الروسية بوصول شحنات أسلحة كيميائية للمنطقة، بهدف استعمالها بتمثيل هجوم كيميائي بمشاركة الخوذ البيضاء، برز فيها استنكار عضو الهيئة السياسية في جسر الشغور نذير علوش ما وصفه بادعاءات وزارة الدفاع الروسية وقال «ان هذا يدل على مخطط تقوم به روسيا والنظام وإيران لتنفيذه في المنطقة واستعمال غازات سامة» مضيفاً ان المعارضة السورية عهدت مثل هذه التصريحات من قبل، «نعتبرها مجرد أكاذيب وحجج واهية لتنفيذ مزيد من عمليات القتل والتدمير».
وحمل علوش العالم بأسره ومجلس الأمن وكل الشعوب التي تحترم حقوق الانسان، مسؤولية الوقوف بوجه هذه الدعاية المغرضة وحماية المدنيين في المنطقة، داعياً كل وسائل الإعلام للحضور إلى هذه المنطقة والتأكد من صحة هذا الكلام. كما اعتبر رئيس المجلس المحلي في جسر الشغور أيمن قهوجي التصريحات الروسية بمثابة «مبررات لدخول المنطقة والهجوم عليها».