أردوغان ابن حواري إسطنبول والناجي من المحاولة الإنقلابية زعيم براغماتي… وسياسي وطني أكثر منه إسلامياً… ولم يسرق انتخابات أو يضطهد الأقليات

حجم الخط
0

لندن «القدس العربي»: كيف أصبح رجب طيب أردوغان أنجح سياسي ديمقراطي في العالم؟ ولماذا لا يختلف حكمه عن أنظمة ديمقراطية تدعمها الغالبية بما فيها الدول الغربية؟
ولماذا يدين الساسة الغربيون أردوغان وأنظمة الطوارئ التي أعلن العمل بها بعد محاولة انقلاب 15 تموز/يوليو الفاشلة وسكت على أنظمة الطوارئ التي أعلنت عنها فرنسا في تشرين الثاني/نوفمبر 2015 بعد الهجمات التي تعرضت لها باريس؟
في محاولة لفهم سر أردوغان، وشعبيته بين الأتراك كتب كريستوفر دي بليج، الصحافي الذي غطى منطقة الشرق الأوسط وجنوب أفريقيا منذ عام 1994 وعمل مراسلاً لمجلة «أيكنومست» في أنقرة مقالاً طويلاً عن أردوغان والكمالية والإسلام والمحاولة الإنقلابية الفاشلة في صحيفة «الغارديان» جاء فيه «رغم مظاهر قصور أردوغان فهو ليس ديكتاتوراً ولا فاشياً، فلم يسرق الرئيس التركي الإنتخابات ولم يشن حملة إبادة ضد الأقليات الكردية والعلوية في بلاده. والحقيقة غير المريحة لنقاد أردوغان أن نزعته الشمولية لم تؤثر على شعبيته، بل تعززت شرعيته. وبعد عامين من صعوده لمنصب الرئيس بعدما كان رئيساً للوزراء فإن سجله الإنتخابي لا نظير له. وبعد قيادة حزبه في انتخابات الرئاسة وخمسة انتخابات عامة فهو بلا شك انجح سياسي ديمقراطي في العالم».
والسر كما يقول في الإنجازات التي حققها أردوغان وحزبه «العدالة والتنمية» (إي كي بي). فخلال 13 عاماً من الحكم قام أردوغان وحزبه «إي كي بي» بالإشراف على عملية تحول في حظوظ تركيا: وتم هذا من خلال قيادة مستقرة وقوية ولبرلة سياسة وإصلاحات اقتصادية.
وأصبحت «سلة» أوروبا قوة اقتصادية كبرى ومرشحاً للعضوية في الإتحاد الأوروبي. ومع أن الدافعية لهذا التحول تعود إلى سنوات الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي عندما كان جيل أردوغان من الإسلاميين أقلية من الناحية العددية، ومن الناحية السياسية والإجتماعية أقلية مضطهدة.
فقد كانت المؤسسة الحاكمة في البلاد تشغلها وبشكل اقتصاري النخبة الكمالية ذات الطابع العلماني، وتدخل الكماليون الذين يمثلون، مؤسس الدولة التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك أكثر من مرة وعسكرياً لمنع تشكيل حكومات تعبر عن تطلعات الناخب المتدين في معظمه والمعادي بتنوعاته المختلفة للغرب.

أنقرة العلمانية

يقول الكاتب «هذه هي تركيا التي عرفتها بعد عام 1996 عندما ذهبت للعيش في أنقرة كمراسل للإيكونوميست».
فقد صمم أتاتورك وخلفاؤه العاصمة الجديدة في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي كي تكون علمانية جمهورية مختلفة عن اسطنبول، عاصمة الإمبراطورية وكرسي الخلافة».
ويعلق دي بيليج «وبعد 75 عاماً لم يزل النظام الكمالي معسكراً وغير ليبرالي، نظام لا يزال ضباطه يركبون سيارات الفيات التركية الصنع العتيقة وينتقلون من بناية هزيلة إلى واحدة أقدم. وعندما تنظر للخلف من التلة في جنوب المدينة حيث يحجب نظرك فندق شيراتون عن مشاهدة المسجد الجامع الوحيد، فمن السهل أن تستطلع المدينة وعاصمة واحدة من أكبر الدول ذات الغالبية المسلمة في العالم بدون أن ترى منارة واحدة».
ويمضي قائلاً «لقد شعرت بالدهشة من درجة الحقد الذي يكنه العلمانيون للملتزمين من أبناء بلدهم، وكان ألطف وصف يصدر عن البيروقراطيين وضباط الجيش ومحرري الصحف عن الجماعات الصوفية المحظورة ومن يرسلون أبناءهم للمدارس الدينية هو أنهم «رجعيون» و «متخلفون».
أما صديقاتي المتحررات فكن يعبرن عن قرف من منظر إمرأة ترتدي اللباس الأسود الذي يغطي كل جسدها والمعروف في تركيا بـ «الشرشف».
وكن يطلقن على النساء المرتديات له بأنهن مثل «صرصور بقدمين». وفي المساء كان العلمانيون يشربون العرق ويرفعون الأنخاب لبطلهم أتاتورك ويدخنون بدون توقف سجائر سامسون في صف من مطاعم السمك في مركز المدينة».
ويقول إن مؤسسات الدولة كان يعمل فيها رجال حليقو الذقون ونساء بالتنانير القصيرة ولم يكن يسمح للنساء المحجبات أو أصحاب اللحى بالعمل فيها باستثناء عاملات النظافة.
وحتى عندما فاز أردوغان بالإنتخابات عام 2003 رفض الرئيس أحمد نجدت سيزر دعوته وزوجته المحجبة لحضور احتفالات اليوم الوطني. وعندما سأله أحد الصحافيين، عن شعوره، رد أردوغان «ضع نفسك في مكان زوجتي وبعدها قرر بنفسك».
ويقول دي بيليج إن المرة الوحيدة التي شعر فيها أنه في بلد مسلم كانت عندما كان يركب السيارة للمطار ويمر من جانب الأحياء الفقيرة التي يعيش القرويون الذين هاجروا من مناطقهم وعاشوا حولها. وهنا كان يشاهد الناس المحجباب والرجال الملتحون والمنارات النحيفة التي ارتفعت في الجو مثل شجر الحور الأناضولي.

فانتازيا الكماليين

ويقول دي بيليج إن الكمالية كانت مؤسسة فانتازية بنيت على فكرة تركيا مثل السويد ولكن على مياه دافئة. ففي العقد الأخير من القرن العشرين ارتبطت بعدم الإستقرار والتضخم الذي وصل إلى 70% وحرب بائسة ضد حزب العمال الكردستاني (بي كي كي) وسياسات حاقدة منعت البنات المحجبات من دخول الجامعات.
ويقول إن الناتو والإتحاد الأوروبي كانا واعيين لمظاهر الفشل هذه. ففي بلد كان السياسيون يعتمدون على مصادقة الغرب عنى أن رفض الكمالية يأتي من الخارج. وكان الفائز الوحيد من خيبة الغرب من الكمالية هو رجب طيب أردوغان، إبن كابتن عبارة من منطقة البحر الأسود وعمل عمدة لبلدية اسطنبول منذ عام 1994.
وبدلاً من الإنشغال بفرض الشريعة كما توقع نقاده من العلمانيين، كرس أردوغان وقته لإصلاح نظام المواصلات والمياه وتوفير الهواء النقي لسكان المدينة التاريخية. ويتذكر الكاتب لقاءه مع أردوغان عام 1997 في بيت عثماني أعاد إعماره وافتتحه للزوار، وتحدث في اللقاء عن التغيرات التي حدثت على حياة الإسطنبوليين.
وحظيت إنجازاته بإعجاب نقاده العلمانيين الذين اعترفوا بأن هذا المكان الفاسد والجامد، أي اسطنبول أصبح له رجل قادر ولا يمكن شراؤه.
في ذلك الوقت لم يكن أردوغان متأكداً من موقف الغرب منه. وعندما سأله الكاتب عن منعه الكحول في مكاتب البلدية حسبما قال العلمانيون، أجاب «عندما أصبحت رئيساً للبلدية قالوا سأمنع الكحول في اسطنبول، ولكن أي شخص يريد الشرب يشرب». كما أن شكوك الأتراك في حينه تركزت حول نواياه.
ففي عام 1996 أثار موجة جدل عندما وصف الديمقراطية بـ «الترام الذي يسير للجهة التي نريد الذهاب إليها ومن ثم ننزل منه». ويقول دي بيليج «في تلك الليلة أغضبت زملائي بالدفاع عن رجل يعتبرونه سياسياً دينياً ولكن بالخفاء».
وفي العام التالي حكمت محكمة بسجنه لمدة عشرة أشهر بتهم مثيرة للضحك وهي التحريض على تمرد ديني لأنه أنشد بعض الأشعار الحربية للشاعر القومي ضياء غوك ألب. وحضرت القنصل الأمريكية إلى البلدية للمواساة وقالت إن القضية «ستضعف الثقة بالديمقراطية التركية».
بعد خروجه من السجن، رحب المحافظون الأتراك والساسة الغربيون والأكاديميون بوصوله إلى السلطة عام 2003 واحتفلوا برؤيته الديمقراطية الإسلامية التي يمكن أن تتحول لبديل عن فكرة «صدام الحضارات» التي اعتقد البعض أنها أصبحت محتومة بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001.
وفي خارج بلاده تم التعامل معه بالرجل المعتدل أما في الداخل فقد واصل الكماليون النظر إليه بالرجل الذي يتكتم على نواياه الحقيقية.
وشهدت السنوات الأولى لحكم العدالة والتنمية سلسلة من الإصلاحات الديمقراطية ولبرلة الإقتصاد وتم إلغاء محاكم أمن الدولة سيئة السمعة والحد من التعذيب وجست الحكومة النبض حول إمكانية عقد مصالحة مع الأكراد.
وساهم الإستقرار السياسي وسياسات ضبط الميزانية في تخفيض التضخم فيما قامت العائلات المتدينة في وسط ألأناضول- قلب الدعم لإي إكي بي- بالإستثمار في مستقبل النمو. وفي الفترة ما بين 2002 2013 توسع النمو الإقتصادي بنسبة 5% كل عام.
واستخدمت الحكومة الموارد المالية بالإستثمار في الإسكان والصحة والتعليم «ومدن الصفيح التي كنت أمر بها في طريقي للمطار في التسعينيات من القرن الماضي واستبدلت بشقق جميلة». وكانت أهم نقطة بالنسبة لأردوغان في عام 2005 عندما استأنف الإتحاد الأوروبي مفاوضات حول انضمام تركيا.
وفي تلك الفترة عبر أردوغان عن تفاؤل وانفتاح «لم تعد الدولة الفردية تعني الكثير.. ويمكنها تحقيق الكثير بالتضامن مع أصدقائها». وأصبح أردوغان وتركيا صديقين لا يستغني عنهما الغرب. وفي الوقت نفسه كان أردوغان يحاول حماية نفسه من الكماليين الذين هددوا عام 2007 بانقلاب لو نفذ خططه بترفيع عبدالله غول لمنصب الرئيس. وحظيت الحكومة ببيانات دعم من الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. ومن هنا تجاهل الجنرالات ودعا لانتخابات مبكرة فاز فيها بالأغلبية وانتقل غول إلى القصر الرئاسي مع زوجته المحجبة. ويشير الكاتب للتحولات التي حدثت في تركيا خاصة على صعيد الملف الكردي والعلاقة مع الليبراليين.
ففي عام 2004 رفع الحظر عن تعليم اللغة الكردية في المدارس وتدخل رئيس الوزراء أكثر من مرة لمنع ضرب المتمردين الأكراد في شمال العراق. وأهم ما في التطورات هي تحول تركيا في السنوات الأولى من الالفية الثانية إلى مركز للأصوات الأنثوية ودعاة حماية البيئة والمثليين.
ولوهلة بدا أردوغان بأنه الحاكم على كل تركيا باستثناء العلويين. والمأساة في تركيا الحديثة هي أن كل الإنجازات التي حققها أردوغان بدأت تتداعى بسبب النزعة الشمولية وانهيار كل تحالف.

رجل معتز بنفسه

يظل أردوغان رجلاً حساساً حتى النخاع. فقد انقلب على صديقه بشار الأسد الذي رفض الإستماع لنصائحه وأن لا يعامل المتظاهرين السوريين بطريقة قاسية. وهناك من يقول إن الأسد أصدر تعليقات بذيئة عن أردوغان عندما قضى إجازة عائلية في تركيا، وهي تعليقات تنصتت عليها المخابرات التركية.
وهناك من يقول إن أردوغان كان يأمل بتحويل سوريا السنية لدولة تابعة وبدلاً من ذلك راقب ملايين السوريين يهربون إلى تركيا. وشاهد الأكراد وهم يرسمون منطقة حكم بدعم من بي كي كي المنظمة الإرهابية. وفي صيف عام 2013 انهارت علاقته مع الليبراليين على خلفية التظاهرات حول حديقة غيزي.
وفي الصيف الماضي شن حملة عسكرية ضد المتمردين الأكراد. والأهم من كل هذا توقف ملف الإنضمام للإتحاد الأوروبي بسبب رفض فرنسا والنمسا وألمانيا لفكرة انضمام تركيا للنادي الأوروبي لأنها دولة كبيرة ومسلمة.
ومع ذلك فتوقف المفاوضات نهائيا سيؤثر على علاقة تركيا وتعاونها مع الإتحاد الأوروبي في ملف اللاجئين. ويقول الكاتب إن أردوغان يتميز بالعصبية إن لم تكن نزعة التنمر التي تهاجم منافسيه واعتقل الصحافيين الذين انتقدوه.
ورده دائما هو «من تظن نفسك؟» وهو سؤال وجهه لقائد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، الجنرال جوزيف فوتيل الذي اقترح أن عملية تطهير الجيش بعد المحاولة الإنقلابية قد تؤثر على قدرته لمحاربة تنظيم «الدولة». كما أن قدرة أردوغان للتعبير عن امتعاضه لا حدود لها، فقد قدم حوالي 2.000 دعوى قضائية ضد أشخاص منهم كوميدي ألماني بتهمة التشهير.
ورغم الثروة والقوة والسلطة التي استمرت دونما انقطاع لـ 13 عاماً لا يزال الإسلاميون الأتراك يردون على الإهانة التي تلقوها على يد الكماليين المتفاخرين. فلم يصل أردوغان إلى ما وصل إليه من خلال شهاداته الجامعية أو المطاعم الفرنسية التي ارتادها بل عبر التدين والحس السياسي.
ومثلما نظر الكماليون إلى «البدائيين» الإسلاميين، فقد رثى أردوغان لحالهم حيث يرى فيهم عقبة أمام التقدم والفضيلة. فقد وصف الإجهاض بأنه مثل القتل الجماعي وهاجم شاربي الخمر وقال إن على دعاة البيئة الإنتقال والعيش في الغابة.
ويشير الكاتب إلى أنه في اثناء فترة شهر العسل مع الغرب علق الصحافيون أن طرق أردوغان الصعبة يمكن ان تغيرها مدة إقامته في مكتب الحكومة إلا أن شيئاً من هذا لم يتغير فهو لا يزال «ماغندا» بالتعبير التركي أي العامي.
وسخر الليبراليون من القصر الرئاسي الذي بناه أردوغان بكلفة 600 مليون دولار، ورد الرئيس بتهديدهم بالمحكمة لأنهم يسخرون من الرئيس المنتخب ديمقراطياً. وما يبرر موقفه الناقد هو أنه فاز في انتخابات وتعتبر المحاولة الإنقلابية الفاشلة أكبر انتصار سياسي حاسم له.

نهاية أتاتورك؟

ومنذ الانقلاب الفاشل أعاد أردوغان تعريف تركيا، فمن خلال التفويض الذي جاء نتاجاً للإنقلاب الفاشل، منح نفسه حق تفسير إرادة الغالبية وهناك على ما يبدو محاولة لشخصنة الأمة التي لا يوجد من ينافسه فيها إلا أتاتورك الذي ظلت صورته بالأشكال المختلفة في كل مكان حتى هزيمة النخبة الكمالية بداية القرن الحالي.
وزادت المحاولة الإنقلابية الفاشلة من شعبية أردوغان إلى 68% بزيادة كبيرة عن نسبة 52% التي منحته أصواتها في انتخابات عام 2014. ويرى الكاتب أن أردوغان مع ذلك رجل شجاع نجا من الإعتقال في مرمريس بدقائق ولاحقته طائرات المتآمرين في الجو وهو في طريقه إلى اسطنبول. ولم يهبط في مطار أتاتورك الدولي إلا بعد تأمين البرج. وهو الرجل المعروف بتحديه المخيف للرجال عندما لا يعجبه أمر في فترة رئاسته لبلدية اسطنبول.
ومصدر شجاعته أنه نتاج المدينة التي بدأ فيها مشواره السياسي وحواريها الصعبة. ورغم بدايته كلاعب كرة قدم شبه محترف إلا أن أهم ما يميزه هي قدرته على التواصل مع الجماهير، وهي ميزة عادة ما يتجاهلها نقاده. ويبدو في أعلى حالاته عندما يخاطب مؤيديه مباشرة. ويعد خطابه الذي ألقاه بعد تسعة أيام من المحاولة الفاشلة في العاصمة من أهم خطاباته كثافة حيث ترحم على الشهداء وقال فيه إنه يحسدهم على الشهادة. وبعدها هاجم الحمقى من الغولونيين المرتدين. ولم تشهد أنقرة العلمانية الأتاتوركية خطاباً يحتوي على الرموز الدينية مثل ذلك الخطاب.
ومع ذلك يظل أردوغان رغم مواقفه وفكره الإسلامي زعيماً قومياً. وهو وطني تركي لا يمكن أن يلتزم بالأيديولوجية الإسلامية التي تلغي الحدود. ويصف الكاتب الطريقة التي مزج فيها الرئيس موضوعات الوطن والدين والموت في لحمة واحدة بطريقة جعلت معظم الحاضرين يجهشون بالبكاء «وبعد أيام من الخطاب سمعت عددا من الإسطنبوليين يتحدثون مستعيرين عبارات من الخطاب».
ويقول إن وعود الرجل بإعادة بناء تركيا من جذورها وتحسين الإقتصاد واقتلاع الغولونيين وبناء رؤية تركيا عام 2023 العام الذي يعتبر حجر الزاوية في تركيا الحديثة، هو كلام رجل لا يخطط للتقاعد من السياسة.

طموح غير منجز

ورغم محاولة الأنظمة الشمولية إعادة تشكيل الديمقراطية بناء على فكرة حكم الأغلبية التي تقوم على استبعاد الأقلية إلا أن هذه الأنظمة لا تستطيع تحقيق ما تريد بسبب مواقف الأقلية المتعنتة.
فمثلاً لم يستطع أردوغان، رغم الشعبية التي يتمتع بها حزبه من إقناع البرلمان الموافقة على تعديل الدستور وتغيير طبيعة الرئاسة من شكلية إلى تنفيذية. كما لم يستطع أردوغان تأكيد الهوية السنية للبلاد ومواجهة من يعارضونه. كما أن استجابة اردوغان لنبض الرأي العام لا تعني أنه يتبع رغباته، فمساره السياسي الذي تأرجح بين الميل نحو أوروبا والإسلامية وبين العزلة والإنفتاح والحرب والسلام قادته في النهاية نزعة براغماتية. فنظرته للعلمانية كوسيلة لمنع الطائفية دليل على هذا وكذا دعوته لصديقه محمد مرسي لبناء نظام علماني بعد وصوله إلى الحكم في مصر عام 2011. وبدت براغماتية أردوغان من خلال سحبه كل الدعاوى التي قدمها ضد المشهرين به باستثناء الدعوى ضد الكوميدي الألماني.
وأنهى كذلك العداء مع المعارضة، من العلويين وحزب الشعب الجمهوري، حيث كان زعيمه كمال كليتشدار، وهو علوي ضيفاً على أردوغان في تظاهرة نظمت في 7 آب (أغسطس) وهو ما سمح للرئيس بالتأكيد على طبيعة التحالف الواسع ضد الإنقلاب والذي يضم أناساً «من كل الالوان والجذور».
ويختم الكاتب تحليله في الظاهرة الأردوغانية بأنها وغيرها من الديمقراطيات ذات النزعة الشمولية من بوتين روسيا ومودي الهند ونتنياهو إسرائيل تظهر عدم وجود نموذج ديمقراطي واحد يحمل الختم والمصادقة الأوروبية أو الأمريكية. وقد لا يمثل أردوغان شيئاً من هذه الديمقراطيات إلا أنه يعبر عن مستقبلها «أهلاً بك في ديمقراسي».
مع أن طبيعة الديمقراطية نفسها تغيرت في الغرب، فكما أثبت الإستفتاء الخروج من أوروبا فقد فازت النزعة القومية المعادية للأجانب.
وفي فرنسا انتصر الخوف أما أمريكا فهي تعيش مرحلة ستغير كل مفاهيم العالم عن الديمقراطية التي بات وجهها دونالد ترامب.

أردوغان ابن حواري إسطنبول والناجي من المحاولة الإنقلابية زعيم براغماتي… وسياسي وطني أكثر منه إسلامياً… ولم يسرق انتخابات أو يضطهد الأقليات

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية