المشهد مضحك ومؤلم جدا… جندي من المعارضة السورية التقطته كاميرا «الجزيرة» خلال عبوره وسط حلب المدمرة وهو «يبتسم»، في ظل الأنباء عن تفكيك حصار النظام لأحياء المدينة، التي تتعرض للقصف الروسي والسوري العنيف على أساس طائفي.
لحساب من بصورة محددة يمكن تسجيل تلك الإبتسامة لقائد الدبابة وهو يعبر فوق الخراب؟!
شخصيا مع احترامي للمعارضة وللثوار، لا أجد ما يستحق الإبتسام أو يستوجب الإحتفال بعدما علقت حلب في حسابات وتوازنات القوى الدولية فارتوى أهلها من منقوع الألم وبصورة وحشية.
حلب الجميلة مجرد دمار على دمار الآن… يقصفها بشار الأسد فيدمر ويقتل ويقتلع البشر والحجر، فيعيد محاصرة قواته الثوار المسلحين وبقرار دول إقليمية.
زيتون حلب «داشر» ووحيد ويتيم، وعلى أهلها السلام، فهم يدفعون ثمن الخذلان العربي واللعبة الدولية القذرة وعصابة الأشرار، التي تحكم سوريا والانحرافات الأجنداتية للمعارضة بشقيها المعتدل والمتشدد!
صدر معالي الرفيق
نشفق على الصديق الرفيق الدكتور خالد كلالدة، رئيس هيئة الانتخاب المستقلة في بلادنا، فالرجل ظهر مرتين على شاشة التلفزيون الرسمي ومرة على شاشة محطة «رؤية» ويكاد يخرج من كادر الكاميرا وهو يقول «منشان الله صدقوني…الانتخابات ستكون نزيهة».
الرفيق اليساري أخذ مسألة نزاهة الانتخابات على عاتقه الشخصي والفردي، وكاد يضرب على صدره، وهو عار ويمسك بشنبه على طريقة عقيد مسلسل «باب الحارة»، ولولا أنه يساري وديالكتيكي وكان أيام زمان من الكادر اللينيني لأقسم أغلظ الإيمان على نزاهة الانتخابات.
صاحبنا طبيب العظام المقدر، وعلى حد المثل الشعبي «بالقصر من إمبارح العصر»، بمعنى أنه مستجد تماما في النظام والدولة والسلطة وعمره لا يزيد فيها عن ثلاث سنوات، ولم يخدم في أي وظيفة حكومية في الماضي، ورغم ذلك «دق على صدره» وقدم ضمانة شخصية بنزاهة الانتخابات.
أخفق في ذلك «عتاولة السيستم» في الواقع وكبار رموز الدولة وقدماء «الكار والمهنة»، إلا السيد الكلالدة.
نصدق هذه المرة بأن الانتخابات نزيهة وبأن العبث فيها مكلف جدا ونطالب الناس بطبيعة الحال بالمشاركة في تحديد مصيرهم البرلماني.
ولو كنت – لا سمح الله- مكان الرفيق معالي الأخ لتجنبت الحديث عن «ضمانتي الشخصية»، ففي بلادنا تقول العجائز «اللي بيمشي على رجليه… لا تحلف عليه»!
مرة أخرى نصدق، الا أن المواطنين صعب إقناعهم وهي إشكالية تحدثنا عنها عشرات المرات في الماضي، عندما قلنا إن تلويح بعض المسؤولين العلني بأنهم قاموا بتعيين فلان وعلان من النواب خلال الانتخابات سيدمر مصداقية العملية الانتخابية وهو ما حصل فعلا لا قولا.
عندما يبكي أردوغان
لدى الرئيس رجب طيب أردوغان مدرسة خاصة في التعاطي مع الإعلام، الذي لم يخذله عندما احتدم الوطيس.. الرجل في كل مقابلة تلفزيونية يخرج جديدا حول أحداث الليلة إياها.
في مقابلة بطابع شخصي بثتها محطة « آر تي» التركية في النسخة العربية شرح كأب وكجد ما حصل معه في الطائرة الرئاسية، التي كانت مستهدفة وتحدث عن طبيعة الحوار مع أحفاده في طائرة يبحث عنها الانقلابيون في السماء.
دموع الرجل إنهمرت بغزارة حينما تحدث عن عنصرين في قوات حرس الرئاسة سقطا وهما يحاولان حماية الرئيس وعائلته.
خلافا للطريقة العربية لم يكذب الرئيس التركي في مكان سقوط الرجلين ولم يعرض تلك الإسطوانة المشروخة، التي تتحدث عن القيام بـ»الواجب الوطني»، وكل ما فعله على الشاشة وهو يبكي الابتهال إلى الله حتى يجمعه معهما في الجنة.
هذا رئيس لا يوزع الأوسمة ولا العطايا، كما يفعل الرئيس المصري مثلا، ولا يقدم العزاء، بل يتواضع ويطلب من العدالة الإلهية أن تجمعه شخصيا بمن قتلوا دفاعا عنه في الجنة.
بصراحة، قد يُقال الكثير عن أردوغان، وقد أردد ملاحظات نقدية على اسثماره لأحداث الانقلاب، لكن احترام دعوته وابتهالاته واجب، وأنا أصدق تلك الدموع، التي انهمرت مجددا عندما سمع زوجة أحد ضحايا مواجهة الانقلاب تقول إنها ستعمل للإنفاق على أطفالها بعد مقتل زوجها.
نحترم انحناءة الرجل للشعب واعترافه بأن الفضل في إنقاذه والتصدي للبلاد هو لسيد واحد «الشعب التركي هو السيد».. قال أردوغان، بصراحة مثل هذه العبارة نادرة ولا نسمعها في العالم العربي.
مدير مكتب «القدس العربي» في عمان
بسام البدارين