أردوغان: الخروج من جبّ يوسف وبناء الجمهورية الثانية

حجم الخط
2

في العاشر من آب/أغسطس فاز رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في الانتخابات الرئاسية بنسبة 52 في المئة من أصوات الشعب، بعد أن كان حزب «العدالة والتنمية» الذي يترأسه يحكم البلاد منذ عام 2002. وفور إعلان النتائج ذهب أردوغان إلى مقام الصحابي أبو أيوب الأنصاري وصلى ركعتين فيه. وتعددت التفسيرات حول فعله هذا، فالصلاة في مقام أيوب الذي يحمل حي اسمه في اسطنبول هو تقليد كان يفعله سلاطين آل عثمان قبل توليهم العرش، مما أحيا لدى الكثيرين فكرة ولادة السلطان أردوغان خاصة أن جماعته السياسية يطلق عليها «العثمانيون الجدد». ولكن الأتراك يحلون أبو أيوب مقاما مهما في حياتهم باعتباره الرافعة لهويتهم يتبركون بالمقام ويبدأون كل مناسبة مهمة في حياتهم منه مثل ختان الأطفال.
ومع ذلك فتح فوز أردوغان في الجولة الأولى من الإنتخابات تكهنات كثيرة خاصة بعد القائه خطاب النصر من شرفة حزبه «العدالة والتنمية» حول تغيير في مهمة الرئيس من فخرية لتنفيذية، وهو ما دعا المعلقين في الغرب للحديث عن ولادة سلطان أو عهد استبدادي في ظل النقد الذي يوجه للزعيم التركي في الغرب والذي يعترف في الوقت نفسه بمركزية أردوغان والأردوغانية لتركيا المعاصرة ونجاحاتها الإقتصادية. فاستطلاعات الرأي التركية وتحليل نتائج وأشكال التصويت في مناطق تركيا تشير إلى شعبية أردوغان في كل أنحاء تركيا وهو الزعيم التركي الوحيد الذي يحظى اليوم بإجماع.
ومن المؤكد سيترك فوز أردوغان كأول رئيس ينتخبه الشعب التركي بدلا من البرلمان أثره على مسار تركيا المستقبل من ناحية طبيعة وسلطات الرئيس الفخرية، وعلاقة تركيا بالولايات المتحدة وأوروبا، ومواقف تركيا مما يجري في العالم العربي من اضطرابات خاصة تلك القريبة من الحدود التركية: سوريا والعراق.
ولا بد من الإشارة إلى أن من حذر من انتقال ظاهرة الرجل القوي في روسيا لتركيا وتبادل الأدوار بين بوتين- ميدفيدف لأنقرة يتجاوز بالضرورة ما فعله أردوغان خلال12 عاما من حكم تركيا والتحولات الإقتصادية التي جعلت من بلده واحدة من اقتصاديات العالم المهمة شهدت نسبة نمو اقتصادي عالية. ففي عهد أو عصر أردوغان فتحت المدارس والمستشفيات وتحسنت خدمات الدولة عنها في العقود التي سبقتهاـ وساعد على الوصول لهذه الدرجة من التقدم عوامل تتعلق بالتغيرات الدولية والإستقرار الذي عاشته تركيا ومميزات شخصية تميز بها أردوغان إبن الأحياء الشعبية في اسطنبول الذي تحول من لاعب في ملعب كرة قدم ناجح بداية حياته للاعب في ملعب تركيا الواسع ومن متدرب في مدرسة الأئمة والخطباء لخطيب يتحدث لكل الأتراك بطوائفهم وانتماءاتهم وأفكارهم.
وتشير رحلة أردوغان في السياسة لشخصية استثنائية، فهو نتاج لفكر الإحياء الإسلامي في القرن العشرين وفكر الآباء المؤسسين للصحوة الإسلامية والتجربة الديمقراطية التركية والحداثة التي بدأها مصطفى كمال أتاتورك، واستطاع أردوغان المزج بينهما وخلق نموذجه الذي يعرف بالأردوغانية، والذي أخذ من التجربة الإسلامية التي بدأها أبو الحركة الاسلامية في تركيا نجم الدين أربكان التمسك بالهوية الإسلامية والتأكيد على هوية تركيا الإسلامية، ولم يقبل من التجربة الأربكانية في كل تمثلاتها من «الفكر الوطني» لحزب «السلامة والرفاه» ومن ثم «الفضيلة» انغلاقها وحذرها في التعامل مع الواقع السياسي وعدم فهمها للمناورات السياسية وتشددها في فهم الإسلام واكتسب من التجربة الأتاتوركية والحداثة المشوهة التي أقامها في تركيا الإنفتاح والحس الديمقراطي، وجاء الخلط بين التجربتين متوازنا وأنشأ ما نراه النموذج الأردوغاني. فلم يقبل أردوغان مثلا القومية المتطرفة للأتاتوركية التي عاملت الأكراد بقسوة، ويشير كتاب سيرته الذاتية، أن الرئيس التركي أظهر اهتماما مبكرا بالأكراد والقضية الكردية عندما كان عضوا في التيار الإسلامي الذي يمثله أربكان في ذلك الوقت.
ولا بد للباحث في مسيرة أردوغان الإلتفات دائما إلى أنه لم يحقق ما حققه لولا العقد الذي أقامه مع الجماهير، فهو اليوم أهم زعيم سياسي في تركيا. لكن الوصول إلى هذا لم يكن سهلا، ولم يأت بدون عمل، وتتذكر والدته كيف كانت تقضي الليالي تنتظر عودته من نشاطاته في الأوقات الصعبة التي كانت تمر بها تركيا.
وهنا ففوز اردوغان في الإنتخابات الرئاسية وقبلها البلدية في آذار (مارس) جاء بعد عام حافل وصعب من الإضطرابات في تركيا، من تظاهرات حديقة غازي لمعركته مع من سماها «الدولة الموازية» أي أتباع رجل الدين التركي فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة والذين اخترقوا طوال عقود المؤسسة السياسية الحاكمة من قضاء وجيش وشرطة وأمن. ضمن هذه الظروف، والحملة التي قامت بها الأحزاب القومية ضده بسبب حواره مع الأكراد ودعمه للثورة السورية، يعتبر استحقاقا تاريخيا وتتويجا لأردوغان بل بداية كما قالت صحيفة «التايمز» اللندنية لمرحلة جديدة في تاريخ تركيا الحديث وهو «عصر أردوغان». ولكن ما هي ملامح هذه المرحلة القادمة، فهي بالتأكيد ستكون مليئة بالتحديات والمتطلبات فأردوغان لا يريد لعب دور تشريفي كما لعبه سلفه عبدالله غول وتحدث في خطاب انتصاره عن دور تنفيذي في الوزارة وبالتأكيد يمكن لأردوغان لعب هذا الدور فالدستور التركي يكفل له هذا الحق، فهو يكفل للرئيس صلاحيات واسعة تشمل تأخير إقرار التشريعات يصدرها البرلمان وتعيين القضاة في المحاكم العليا وترؤس «مجلس الأمن القومي». كما يحق لرئيس الجمهورية «الدعوة إلى انعقاد مجلس الوزراء وترؤس اجتماعاته بالطريقة التي يراها/تراها مناسبة»، حسب المادة 104 من الدستور. ولعل هذه السلطات المكفولة بالدستور هي نتاج فترة من المشاكل التي شهدتها تركيا قبل 3 عقود، نتيجة لانهيار الإقتصاد عام 1979 والإنقلاب عام 1980 ومن هنا لجأ المشرعون الأتراك لتقوية منزلة الرئيس لتركي لتفادي أوضاع مثل هذه، أي منحه الفرصة للتدخل في المسار التنفيذي إن دعت الضرورة.
ولم يتم اللجوء إلى هذه المواد طوال عقدي الثمانينات والتسعينات لكن فوز حزب العدالة والتنمية عام 2002 أدى بالرئيس أحمد نجدت سيزر لتأخير إقرار التشريعات الصادرة عن الحزب المذكور وبانتخاب عبدالله غول رئيسا للجمهورية عام 2007، عادت السلطات وبشكل كامل لرئيس الوزراء.
ويحتاج أردوغان لتعزيز وضعه إلى الإبقاء على عجلة التنمية جارية والبحث عن مصادر للدخل تعوض ما خسرته تركيا في العراق بسبب الأزمة الحالية، فمعدل النمو تراجع من نسبة 9٪ عام 2010 إلى نسبة 4٪ العام الماضي وهي نسبة معقولة لكن الإقتصاد عامل مهم في تعزيز سلطة الرئيس.
المرحلة القادمة ستطبع بطابع الرئيس إن في العلاقة مع الولايات المتحدة أو أوروبا. وبالنسبة للأخيرة يبدو أن تركيا تخلت عن حلمها الإنضمام للإتحاد الأوروبي منذ فترة، إما لأنها لم تعد بحاجة إليه أو أنها لا تريد تحمل مشاكله، وما تطمح إليه هو أن يكون وضعها مثل وضع النرويج كما صرح وزير شؤون الإتحاد الأوروبي أنجمان باغيس العام الماضي أي الإستفادة من اتفاقيات التجارة الحرة ولك ليس عضوا كاملا، إن أخذنا بعين الإعتبار المعارضة القائمة لعضوية تركيا. فوز أردوغان يعني أنه سيكون في سدة الحكم هنا لمدة أطول خاصة أن الدستور يسمح له بالترشح بعد نهاية ولايته التي تستمر خمسة أعوام، وقد يظل حتى تحتفل تركيا بالمئوية الأولى على ولادتها عام 1923. هذا إن ظل متمثلا لمقولته التي قالها عندما انشق عن حزب الفضيلة «لم أتغير ولكنني تطورت». وهذا التطور الدائم جاء رغما عن توقعات صحيفة «راديكال» بعد سجنه عام 1998 بأنه لن يكون «مختارا ولا حتى على حارة». كل هذا نتاج إيمان من أردوغان بضرورة طرق الأبواب والمثابرة، فكما أخبر أول عضو نسائي في حركة أربكان سيبال أرصلان: «سنحكم هذا البلد، ومن أخرج يوسف من الجب سيهبنا الحكم».

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية