الرئيس التركي الطيب أردوغان وحزبه ورفاقه في قيادة تركيا العدالة والتنمية في مأزق، فالذي رفع شعار «صفر من الأعداء» قبل سنوات قليلة، يجد نفسه أمام مجموعة كبيرة من المتربصين به وبإنجازاته الاقتصادية والسياسية، وها هو يقف اليوم في مواجهة عواصف قوية تجري بما لا تشتهي سفنه، ومن أكثر من اتجاه.
من بوتين إلى بشار الأسد إلى بيبي نتنياهو إلى إيران وتوابعها، إلى داعش وأسرارها ومحرّكي شرورها، إلى بعض المجموعات الكردية المتطرفة، يلتقي كل هؤلاء بالكراهية لتركيا العدالة والتنمية والأردوغانية.
عملية داعش الإرهابية ضد السياح الألمان قبل يومين في اسطنبول، جاءت ضربة موجعة لأردوغان وحزبه، فالألمان يحتلون المكان الأول في السياحة إلى تركيا، وازدادت أهميتهم بعد انقطاع رِجل الروس والتزامهم بقرار الدكتاتور بوتين! خصوصا أن السفر السياحي من روسيا ليس فرديا في معظمه، بل عن طريق مؤسسات ولجان عمال وموظفي دولة إلخ.
بلا شك أن خسارة تركيا الاقتصادية كبيرة جراء مقاطعة الروس، ولهذا حاول أردوغان أن يعوض جزءا من هذه الخسارة بالتوصل إلى اتفاق مقبول مع إسرائيل بالنسبة لما يتعلق بالتعويضات لضحايا مرمرة وبالموقف من حصار قطاع غزة. إلا أنها ليست القضية الوحيدة التي تقلق أردوغان بالنسبة لعلاقته بإسرائيل! إسرائيل متواجدة منذ عقود في كردستان العراق، ولأجهزتها الأمنية جذور ممتدة عميقا منذ عشرات السنين هناك، وتقول مصادر دولية أن 70٪ من السلاح في كردستان مصدره إسرائيل، وأن 75٪ من واردات نفط إسرائيل تصلها من كردستان العراق.
هذا يعني أن أصابع الموساد الخفية تدور قريبا منه! هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى تأتي داعش وأصابع المخابرات الدولية التي تتلاعب بها كلٌ حسب أهوائه، كما تبين في كثير من المواقف، فداعش تخترقها أجهزة مخابرات من كل لون وصنف عربية وأجنبية بما في ذلك إسرائيل! (بريطانيا أعلنت استعدادها للتعاون في كشف تفاصيل حول التفجير الأخير في اسطنبول)!.
بلا شك أن الغارات الروسية على أبناء التركمان تضايق الأتراك، وتصريحات داوود أوغلو أن «روسيا تقصف قرى التركمان رغم عدم وجود داعش هناك»! تهدف إلى تعزيز المشاعر القومية للشعب التركي ورفعها وتقوية مناعتها في مواجهة الضغوط سواء الاقتصادية أم الأمنية، والتي يبدو أنها في اتجاه التفاقم وليس التهدئة.
ولهذا أعرب أردوغان عن قلقه بأن هناك اتجاها لإقامة حلف مدعوم من روسيا- إيران يمتد عبر العراق إلى الساحل السوري يشمل حزب الله. يهدف أردوغان بهذا إلى تقوية العلاقة الخاصة مع الدول العربية التي تتعرض للاستفزازات الإيرانية وسياستها المذهبية، وخصوصا السعودية ودول الخليج.
بالنسبة لعلاقته بإسرائيل، يبحث أردوغان عن هبوط عن الشجرة العالية التي تسلقها، ألا وهي ربط تطبيع العلاقة مع إسرائيل برفع الحصار عن قطاع غزة، كان شرطه هذا يوم كان يتقدم بسرعة في التنمية الاقتصادية، ولم تكن الحرب على حدوده، ولم تكن علاقته مع روسيا متوترة أو عدائية! كان بمقدوره طرح مواقف وقناعات سياسية دغدغت مشاعر الأتراك الدينية والقومية، وأعادت لهم عبق تاريخهم يوم كانوا القوة الإقليمية القادرة على كل شيء في المنطقة العربية! الآن يبحث عن هبوط اضطراري غير موجع عن الشجرة العالية، بسبب الأوضاع الجديدة، وطبعا سيحاول بيبي نتنياهو ابتزازه.
في هذه المعمعة وأمام هذا الأفعوان المتعدد الرؤوس المتمثل بنتنياهو والأسد وداعش وبوتين وإيران ومجموعات إرهاب كردية التي ارتكبت مجزرة كبيرة في أنقرة في تشرين الاول/أكتوبر، يحاول أن يناور ريثما يحدث تغيير على الأرض، يعيد له توازنه وثقته بنفسه، ولكن هذا لن يتم له إلا بمزيد من تلاحم الشعب التركي نفسه، وتعزيز مشاعره القومية والدينية، وبإشعاره بالخطر المحيق به، ثم وقوف العرب إلى جانبه في الخندق- الأمني والاقتصادي- نفسه الذي صار يبدو أن لا مناص منه في مواجهة نوايا التوسع الإيراني من جهة، والعنجهية الروسية، وابتزاز نتنياهو وإصراره على استمرار سياسته الإرهابية تجاه الفلسطينيين من جهة أخرى!.
من المتوقع وجود جهود سرية بين الأتراك والإسرائيليين للبحث عن حل مقبول على الطرفين دون انكسار طرف في مقابل الطرف الآخر، فالمصلحة مشتركة وليست أحادية الجانب! والعلاقة الاقتصادية مع إسرائيل غير مقتصرة على السياحة، فهناك تبادل تجاري وصل عام 2013 إلى حوالي خمسة مليارات دولار، إلا أن الفــــائدة الســــياسية التي ستجنيها إسرائيل كبيرة جدا في حال التطبيع، فتطبيع العلاقة مع تركيا يعتـــــبر ثغــــرة واسعة في مواجهة المقاطعات والتوترات الدبلومــــاسية التي تهطــــل عليها من دول العالم، والتي كان آخــــرها مطالــــبة وزيرة خارجية السويد في التحقيق بالإعدامات من غير محاكمة التي تنفذها إسرائيل بحق الفلسطينيين، ورفض قبول سفير إسرائيلي في البرازيل كونه من سكان المستوطنات، ولهذا فإن تطبيع العلاقة مع تركيا هدف سياسي كبير بالنسبة لنتنياهو، خصوصا وأن أصواتا داخلية بدأت ترتفع بأن الوقت بات مناسبا للمصالحة مع تركيا، فـ»الرجل في ضائقة وبحاجة» وهنا وفي هذا الظرف بالذات، من واجب العرب الذين يهمهم أمر قضاياهم أن يتحملوا المسؤولية، وأن لا يكونوا متفرجين، وأن يخطوا خطوة كبيرة في اتجاه تعميق العلاقة مع تركيا لما فيه مصلحة الجانبين.
٭ كاتب فلسطيني
سهيل كيوان