أردوغان رئيساً.. قصة الزعيم الذي حظر يوماً عن العمل السياسي !

حجم الخط
6

أعلن مساء العاشر من شهر آب/اغسطس 2014 في العاصمة التركية أنقرة أن رجب طيب أردوغان قد فاز بمنصب رئيس الجمهورية التركية، وهذا الفوز هو التاسع لأردوغان وحزب العدالة والتنمية في كل الإنتخابات والإستفتاءات السابقة. أي ان أردوغان يفوز بثقة الشعب التركي خلال اثنتي عشر عاماً تسع مرات في إنتخابات ديمقراطية عامة، بالرغم من أن المعارضة التركية قد بذلت كل جهودها الشعبية والإعلامية والاجتماعية والسياسية في مواجهة حزب «العدالة والتنمية» الذي تربع على عرش البرلمان ورئاسة الوزراء التركية منذ عام 2002 ، وها هو يتربع على عرش الجمهورية من خلال الإنتخابات المباشرة منذ عام 2014.
إن الطريقة التي حقق بها أردوغان وحزب «العدالة والتنمية» هذا الفوز تعتمد على الرؤية الفكرية التي تقدم بها الحزب بوصفه أحد أنواع الإمتداد الطبيعي للحركة الإسلامية التركية عام 2001، وهو عام تأسيس حزب «العدالة والتنمية». وهو أحد فروع أو جداول نهر الحركة الإسلامية التركية، التي إنطلقت في صورتها الأخيرة مع حركة المرحوم نجم الدين أربكان عام 1970 عندما أسس حزب «الوطن الأم» ولكن الإستبداد العسكري في تركيا حل حزب «الوطن الأم» بتهمة مطالبته بعودة الحياة الإسلامية إلى تركيا. وحيث أن تأسيس حزب «الوطن الأم» قام على أساس الدستور التركي الإستبدادي العلماني، والوصف بالاستبدادي أهم من وصف العلماني، لأن المشكلة الكبرى كانت مع الإستبداد العسكري في تركيا وليس مع العلمانية المتطرفة فقط، وعندما اجتمع الإستبداد العسكري مع العلمانية المتطرفة في ذلك الوقت أصبح موقف الحكومة التركية موقفاً غير قانوني أولاً، وغير ديمقراطي بالمفهوم العالمي للديمقراطية ثانياً، وضد الإرادة الشعبية التركية ثالثاً.
كان من حكمة نجم الدين أربكان بوصفه زعيماً للحركة الإسلامية التركية في ذلك الوقت أن يستثمر هذا الفشل السياسي للدولة التركية في مواجهة الديمقراطية، وأن لا يلجأ إلى مواجهة العسكر بالقوة وإن كان تصرفهم بحل حزبه حزب «الوطن الأم» غير قانوني ولا ديمقراطي وضد الإرادة الشعبية، ولكنه فضل التعامل مع الموضوع سياسياً، فأسس حزب «السلامة الوطني» عام 1973 ليكون معبراً جديدا عن الحركة الإسلامية التركية بدل حزب «الوطن الأم» هذه الحكمة للحركة الإسلامية مكنتها من ان تكسب الشارع التركي أكثر، لأنها احتمت بالديمقراطية التي يعلنها الدستور التركي، وإن كان استبدادياً وعلمانياً متطرفاً في الواقع السياسي.
وفي إنتخابات 1974 تمكن حزب «السلامة الوطني» عن طريق الإنتخابات الديمقراطية من الفوز بعدد من مقاعد البرلمان التركي تقدر بـ (38) والمشاركة في تشكيل الحكومة مع رئيس الوزراء بولاند أجاويد ممثل حزب «الشعب الجمهوري» العدو اللدود للحركة الإسلامية التركية، وهكذا استطاعت الحركة كسب موقف جديد لها مع الشعب، وان تفرض تصوراً جديدا على الأحزاب السياسية، فالشعب التركي مكنها ان تكون في الحكومة، وأصبح نجم الدين أربكان نائباً لرئيس الوزراء، وتمكن حينها من إتخاذ أهم قرار عسكري في التاريخ التركي المعاصر بالتدخل العسكري في قبرص لحماية القبارصة الأتراك من الإنقلاب العسكري الذي قامت به حكومة اليونان في قبرص عام 1974.
وبالرغم من هذا النصر للحركة الإسلامية وحزب «السلامة الوطني» الذي كان رجب طيب أردوغان عضوا فيه ورئيساً لشبيبته فرع الحزب في اسطنبول، إلا ان الإنقلاب العسكري عام 1980 أسقط الحكومة المدنية التركية وأمر بحل حزب «السلامة الوطني» ومع ذلك لم تناضل الحركة الإسلامية عسكرياً ضد الإنقلاب العسكري العلماني المتطرف، بل واصلت مسيرتها الديمقراطية. وعندما توفرت ظروف ديمقراطية أفضل شكلت الحركة حزب «الفضيلة» وبعد حله من العسكر شكلت حزب «الرفاه» وكلها أحزاب تعبر عن وجهة النظر الإسلامية التركية، والملاحظ على هذا الصعود في الحركة انها كانت ديمقراطية اولاً، وتعاملت مع الدستور التركي بحسب قوانينه ثانياً، وأنها راهنت على الإرادة الشعبية ثالثاً، وأنها لم تستعمل العنف ولا مواجهة الدولة العسكرية الانقلابية رابعاً، وأنها لم تدافع عن اسمها السياسي خامساً.
إن البند الخامس الأخير مهم جداً، فلم تدافع الحركة الإسلامية عن اسمها الأول حزب «الوطن الأم» ولا الاسم الثاني حزب «السلامة الوطني» ولا اسمها الثالث «حزب الفضيلة» ولا اسمها الرابع حزب «الرفاه» لأنها لم تجعل الاسم السياسي لحركتها مقدساً، ولم تجعل شخصية نجم الدين أربكان مقدسة وإنما تعاملت معه على انه مجتهد يصيب ويخطىء في العمل السياسي. ولذلك وبعد ان وصلت الحركة الإسلامية إلى طريق ضيق مع شخصية أربكان رحمه الله، وأصبح شخصية صدامية مع الحكومات التركية المتعاقبة لأكثر من ثلاثة عقود، كان لا بد من أن تبحث الحركة عن مخارج لها تستطيع من خلالها مواصلة عملها وعدم الوقوف عند شخصية بطولية كبيرة مثل نجم الدين أربكان، من هنا جاءت فكرة تأسيس حزب «العدالة والتنمية» بزعامة رجب طيب أردوغان عام 2001، وهو ابن الحركة الإسلامية التركية في حزب «السلامة الوطني» و»حزب الفضيلة» وحزب «الرفاه» والبقية الباقية من حزب «الرفاه» أسست حزب «السعادة» بزعامة نجم الدين أربكان.
فلما جاءت الإنتخابات البرلمانية عام 2002 حقق حزب «العدالة والتنمية» بقيادة أردوغان تفوقاً كبيراً على كافة الأحزاب بما فيها حزب «السعادة» بزعامة أربكان. ومنذ ذلك التاريخ والحركة الإسلامية التركية تزيد من قوتها ونجاحها بقوة فكرتها الحضارية، ونهجها الديمقراطي، ونجاحها الاقتصادي، فكان فوز أردوغان بمنصب رئاسة الوزراء لثلاث دورات إنتخابية متوالية 2002 و2006 و2011 دليلاً على ان حزب «العدالة والتنمية» نجح في إقناع الشعب التركي بجدارته في قيادة المرحلة، وبالأخص انه حقق نجاحاً اقتصادياً منقطع النظير داخلياً وخارجيا، وفي أحلك الظروف السياسية العالمية بسبب الهجمة الهمجية الأمريكية على حركات الإسلام السياسي منذ عام 2001، وبالرغم من الأزمة الاقتصادية العالمية التي تعرض لها العالم عام 2008، فإن النهج الديمقراطي داخل تركيا كان كفيلاً بأن يؤدي إلى النجاح الاقتصادي، وهكذا أثبتت التجربة التركية لحزب العدالة والتنمية بان العلاقة بين الديمقراطية والاقتصاد علاقة طردية حتماً، فزيادة الديمقراطية تعني زيادة النجاح الاقتصادي، وزيــادة النجاح الاقتصادي لا يمكن ان تتم إلا في ظل الديمقراطية، وأن محاربة الديمقراطية تعني تدمير الاقتصاد الوطني قبل ان تكون تدميرا للحريات، وقبل ان تكون قتلا للإرادة الشعبية. إن فوز أردوغان رئيسا للجمهورية التركية في 10/8/2014 هو دليل على ان الحركة الإسلامية التركية نجحت في مسارها النهضوي لأنها استثمرت بيئتها السياسية جيداً، حتى وهي في أحلك ظروفها الإستبدادية والعلمانية المتطرفة والإنقلابات العسكرية، فإنحنت للعاصفة الهائجة، وانزوت الى جانب الطريق أحياناً في لحظات انفلات الحيوانات الضارية، فلم تراهن على قوة مادية تمكن الوحوش من الإنقضاض عليها، وأستثمرت الديمقراطية التي هي التعبير الحقيـــقي عن الإرادة الشعبية بكل مقوماتها الفكرية والدينية والفلسفية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأعطت لكل الشعوب الإسلامية وأحزابها الفكرية والسياسية نموذجاً في التعامل مع الواقع وعدم التعالي عليه، ولا الصدام معه، ولا أن تكون ضحيته.

محمد زاهد غول

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية