انطاكيا – «القدس العربي»: «أنتم المهاجرون ونحن الأنصار» عبارة رددها رئيس الحكومة التركية السابق ورئيس الجمهورية المنتخب رجب طيب أردوغان منذ وصول اول سوري لاجئ إلى تركيا، إذ لقي السوريون في تركيا البلد المجاور لشمال البلاد من جهة حلب وإدلب خير معاملة على الإطلاق بالمقارنة مع المعاملة التي تلقوها في دول اللجوء الأخرى كلبنان والأردن أو مصر، وبشــهادة كل سوري يقيم في تركيا فإن الحـــكــومة قدمت تسهيلات كثيرة تساعد الـلاجـــئ السوري على تجاوز معاناته التي عــاشها في سوريا قبل وصوله لتركيا.
شغلت مسألة انتخابات رئاسة الجمهورية التركية والتي فاز فيها المرشح رجب طيب أردوغان رئيس الحكومة السابق برئاسة الجمهورية وبجدارة كبيرة غالب السوريين على اختلاف توجهاتهم، بل كان السوريون من أكثر المتابعين لحملة أردوغان الانتخابية وكان لهم حضور كبير في معظم خطاباته التي ألقاها في العديد من الأقاليم التركية، حيث ركز أردوغان في كل خطاباته على ضرورة مساعدة السوريين وحسن استقبالهم من قبل المواطنين الأتراك، لدرجة أنه قال في أحد خطاباته قبل الإنتخابات بشهور في مدينة الريحانية الحدودية عندما بادر الحضور من الاتراك للتصفيق فرحاً واحتفالاً بوصوله إلى مدينتهم «من يحب أردوغان فليكرم السوريين».
جاءت الحملات الانتخابية المضادة للمرشحين الآخرين وبالاً على السوريين الذين شعروا بالخطر والخوف من مصيرهم في حال لم ينجح رجب طيب أردوغان في انتخابات الرئاسة، حيث طرح منافسو أردوغان مسألة السوريين وتواجدهم في تركيا على جدول أعمالهم الرئاسية إن نجحوا في الانتخابات، وأكدوا لأنصارهم أنهم سيسعون لتخفيف الوجود السوري في تركيا، حيث ينتمي أنصار أوغلو معظمهم للطائفية العلوية التي ساندت نظام بشار الأسد منذ انطلاق الثورة السورية في الأقوال والمواقف تارة وفي الأفعال الإجرامية تارة أخرى، كالمجزرة التي أشرف عليها مهراج أورال في بانياس والتي راح ضحيتها عشرات الأطفال والنساء ذبحاً بالسكاكين.
وشهدت العديد من المدن التركية توترات ما قبل الإنتخابات وما بعدها، إذ اعتمد معارضو أردوغان على اللعب على الموضوع السوري واقتناص كل جانب سلبي مهما كان ضئيل الأهمية ليستخدم ورقة ضد أردوغان في الإنتخابات، وحاول أولئك إشعال الفتن في مختلف المناطق كأنطاكية وعنتاب وكيليس وحتى العاصمة أنقرة أيضاً، ليثبتوا للناخب التركي أن هناك مصيبة تمر بها البلاد تسبب بها رجب طيب أردوغان هي استقبال السوريين واحتوائهم وتغلغلهم ضمن المجتمع التركي. وقد أدرك عقلاء كثر من السوريين خطورة هذه المرحلة وعملوا على الكثير من حملات التهدئة وشكر الشعب التركي على حسن استقباله حتى في بعض المناطق التي أسيء لهم فيها رغم قلتها.
ومع بدء الإنتخابات الرئاسية كان السوريون من المتابعين بكل اهتمام لسير الإنتخابات، وحاولوا الإلتزام بالقوانين التي فرضت بشكل مؤقت في يوم الإنتخابات وهي منع تجول السوريين حتى نهاية العملية، والتزامهم بهذه التعليمات رغبة منهم بسير الإنتخابات دون أية إشكالات، حتى أنهم اعتبروا أن التزامهم هو تعبير عن مساندتهم لمرشح حزب «العدالة والتنمية» أردوغان. ومع إعلان النتائج وفوز المرشح الذي أحب السوريين وأحبوه انطلقوا في الشوارع يعبرون عن فرحهم بفوزه، فجابت مظاهرات حاشدة شوارع أنطاكية ذات الغالبية العلوية المعارضة لأردوغان والمؤيدة لنظام لبشار الأسد، بدأ فيها المتظاهرون بترديد هتافات التهنئة للرئيس المنتخب الجديد كما رددوا شعارات الثورة السورية وإسقاط رأس نظامها بشار الأسد في جو مشحون بالطائفية والحقد على كل كلمة تقال في هذه التظاهرات، ورغم ذلك كان حزن الأنطاكيين عميقاً لنجاح أردوغان ويبدو أنه منعهم عن التعرض للمسيرات المهنئة تلك والتي لم تستمر طويلاً بكل حال.
نجاح رجب طيب أردوغان رئيساً للبلاد كان مبعث انفراج أسارير السوريين جميعاً في تركيا، إذ شعروا حينها انهم بخير لسنوات أخرى قادمة، فقد وثقوا بهذا القائد منذ بداية ثورتهم، كما انه لم يقم بأي تصرف ينقص الثقة تلك بل قام بكل ما يعززها ويزيدها، إذ منحت تركيا السوريين الكثير من الحقوق، منها حق العلاج والتداوي في المشافي التركية مجاناً رغم أن المواطن التركي يدفع رسوماً رمزية بسيطة جراء علاجه، كما تمكن كل سوري يحتاج أية عملية جراحية من إجرائها على نفقة الحكومة مهما كانت تكاليفها باهظة، هذا في حال توفرها في المشافي الحكومية، من جهة أخرى استقبلت تركيا كل الإصابات الآتية من الداخل السوري مهما كانت أسبابها فمن جرحى المعارك إلى مصابي القصف إلى أصحاب الأمراض المزمنة، كل هؤلاء تلقوا العلاج مجاناً في المشافي التركية.
كما سمحت الحكومة التركية بافتتاح مدارس للسوريين وبذلك حصل كل طفل سوري على حق التعليم، وأصدرت قرارات تسمح باستقبال الطلاب الجامعيين السوريين للتسجيل في الجامعات. وتميزت تركيا أنها أول دولة في العالم بل الوحيدة التي سمحت للسوريين بالدخول إلى أراضيها عبر المعابر الحدودية الرسمية رغم انتهاء مدة جوازات سفرهم، فلم يعد موضوع تجديد الجواز عائقاً أمام تنقل السوريين من وإلى تركيا، فضلاً عن امتيازات أخرى كحق العمل وممارسة المهن والحرف وافتتاح المحال والشركات التجارية وما إلى ذلك.
نجاح أردوغان في انتخابات الرئاسة يعتبره معظم السوريين انتصارا لقضيتهم وقد عبر أردوغان عن ذلك بخطابه في يوم الانتخابات «ما حدث ليس انتصاراً لتركيا فحسب، هو انتصار لدمشق وحماة وحلب وبغداد وغزة ورام الله» وهذا ما صدقه السوريون حتى قبل ان يقوله لأنهم لمسوه حقيقة، ويطمئن اليوم اللاجئون السوريون في تركيا على مستقبلهم القريب خلال السنوات المقبلة التي سيكون فيها أردوغان رئيساً للجمهورية التركية بل يتوقعون أن لا تبقى الميزات التي حصلوا عليها كما هي، بل يجدون أنهم سيحصلون عـلـى ميـــزات إضافية، وأن ظروفهم سوف تتحسن أكثر مما كانت عليه في السنوات السابقة التي قضوها في المدن التركية.
ويعاني سوريو الداخل أشد المعاناة تحت القصف، فضلاً عن ان آلافا من مقاتلي الجيش السوري الحر يطمحون أن يكون دعم أردوغان للقضية السورية أكبر من ذي قبل بعد توليه منصب الرئاسة، بل ويتوقعون ان يكون لانتخابه دوراً هاماً في ازدياد زخم الثورة السورية وتقوية شوكة مقاتلي الحر ضد نظام بشار الأسد، كما يأملون أن يلعب أردوغان دوراً كبيراً على الصعيد السياسي في المرحلة المقبلة من الثورة السورية، لاسيما أنه بفوزه هذا أثبت للعالم قوته السياسية ودوره الكبير في المنطـــقة، والذي سيجعل الدور التركي .. حســـب ناشـــطين، الأكبر في الأحـــداث المقـــبلة التي سيمر بها الشرق الأوســـط، ويتوقعــون أن يكون هذا الدور إيــجــابياً ولصالح شعوب المنطقة بأسرها، والأهم أن معظم المعارضين السوريين الذين تفرقهم الأيديولوجيا يجمعهم حب أردوغان ويطلقون عليه لقب (القائد).
محمد اقبال بلو