في يوم الجمعة الأسود، بعد الساعة الثانية ظهرًا بقليل، أنهى براك البيرق، وزير المالية والاقتصاد الجديد في تركيا (صهر أردوغان)، الحديث في المؤتمر الصحافي الذي دعا إليه رجال أعمال. البيرق وعد الحضور بأنه ينوي تطبيق خطة اقتصادية جديدة، وإبقاء استقلالية البيت المركزي على حالها، وتقوية الليرة التركية. البيرق لا يمتاز بالخطابة الحماسية مثل صهره. رجال الأعمال هزوا رؤوسهم قليلًا، لكن كان يبدو أن الليرة التركية كانت مستعدة لإعطائه فرصة عندما ارتفعت قليلامن الحضيض الذي هبطت إليه. ولكن في حينه وبتزامن غير صدفي أرسل دونالد ترامب تغريدته القاسية التي أعلن فيها عن مضاعفة الضرائب على استيراد الحديد والألمنيوم من تركيا إلى نسبة تصل إلى 50 و20 في المئة على التوالي. لم تستطع الليرة الصمود في وجه الضغط الجديد، الذي كما يبدو استهدف أن يناسب الضرائب الأمريكية مع سعر الليرة مقابل الدولار. وهبطت إلى مستوى 6 ليرات للدولار ومعها هبطت الأسواق العالمية أيضًا.
قبل يومين فقط حاول أردوغان تشجيع المواطنين المذعورين في تركيا الذين اشتروا الدولارات بقدر ما استطاعوا عندما قال: «ثمة دولارات لهم، لكن الله يقف إلى جانبنا». الله، هكذا بدا، كان منشغلافي أماكن أخرى. بعد خطاب حماسي آخر في يوم الجمعة وبعد تغريدة ترامب، سارع أردوغان إلى الاتصال هاتفيًا مع عنوان وحيد ربما يحظى منه بالمساعدة، وهو الرئيس بوتين. المكالمة الهاتفية التي راجت على الفور في كل وسائل الإعلام لم تستهدف أن تضخ لخزينة تركيا روبيلات أو دولارات، بل إظهار تصميم أردوغان على تنفيذ تهديده بـ «البحث عن حلفاء وأصدقاء جدد» إذا واصلت الولايات المتحدة سياستها بعدم «احترام صديقاتها القديمة»، كما كتب في مقال له في «نيويورك تايمز».
في الوقت نفسه، ثمة وفد تركي رفيع المستوى حاول في واشنطن رأب الصدع السياسي الذي يهدد بتدمير التحالف بين الدولتين، والذي تلقى قبل نحو أسبوع ضربة تاريخية عندما فرضت إدارة ترامب عقوبات شخصية على وزير العدل ووزير الداخلية المسؤولين حسب رأيه عن اعتقال الأمريكي اندرو برونسون. هذه العقوبات أوضحت للوفد التركي بأن الولايات المتحدة لا تنوي إطلاقًا التفاوض على شروط إطلاق سراح برونسون الذي اعتقل قبل سنتين بتهمة التعاون مع المخططين للانقلاب الفاشل الذي جرى في تموز 2016. من ناحية واشنطن، يجب على تركيا إطلاق سراحه بدون شروط، وعلى الفور بصحبة معتقلين آخرين يحملون الجنسية الأمريكية. الإدارة ذكرت 15 آب موعدًا ينتهي فيه الإنذار الأمريكي الذي يتوقع بعده أن تفرض الولايات المتحدة المزيد من العقوبات على تركيا.
ولكن قضية برونسون التي أثارت عاصفة ضد الرئيس ترامب على عدم حيلته، هي قمة جبل الجليد في شبكة العلاقات المسمومة التي تطورت في السنوات الأخيرة بين تركيا وأمريكا. بطن تركيا مليئة على الإدارة الأمريكية منذ عهد أوباما، التي حسب رأي أردوغان لم تسارع إلى إدانة محاولة الانقلاب العسكري ورفضت تسليم تركيا رجل الدين فتح الله غولن الذي يقيم في بنسلفإنيا ويتهمه أردوغان بالتخطيط للانقلاب والمبادرة إليه.
كان أردوغان على يقين من أن ترامب الذي سارع إلى تهنئته بالفوز سيعطيه ما يريد، ولكن هذا لم يحدث. الشرخ بينهما تعمق عندما تبنى ترامب المليشيات الكردية التي أنشئت في شمال سوريا واعتبرها وبحق قوة ضرورية لمحاربة داعش. كل طلبات أردوغان وتهديداته لم تساعد، وواصلت المليشيات أن تكون المرساة العسكرية الرئيسية للسياسة الأمريكية في سوريا. وخلال ذلك كانت تحظى بدعم مالي وعسكري، في الوقت الذي اعتبرها فيه أردوغان قوات إرهابية تنتمي لحزب العمال الكردستاني، الذي يعدّ حزبًا إرهابيًا في تركيا. بعد أن غزت تركيا سوريا واحتلت محافظة عفرين الكردية، توصلت تركيا وأمريكا إلى تفاهمات على السيطرة في مدينة منبج التي انسحبت منها القوات الكردية ونقلوا السيطرة لمجلس محلي تحت سيطرة الجيش السوري الحر الذي يعمل برعاية تركيا.
في الوقت الذي ما زالت فيه هذه القضية تلقي بظلها الثقيل على علاقات الدولتين، أعلنت تركيا أنها ستقوم بشراء صواريخ أرض ـ جو روسية من نوع اس400. وحسب تقارير استندت إلى مصادر أمريكية وتركية، فإن تركيا قد وقعت على الاتفاق الذي يصل حجمه إلى أكثر من 2.5 مليار دولار، والنظام الأول منها يتوقع تسليمه في 2020. أكثر من كون هذا القرار قرارًا استراتيجيًا، فإنه يشكل رسالة سياسية مهمة جدًا تقضي بأن تركيا، العضوة في الناتو، ستكون الدولة الأولى التي ستدخل إلى منظومة قواتها نظام سلاح روسي. وبذلك من شأنها المس بقدرة التنسيق العسكري مع باقي دول الناتو. إن الضغط الأمريكي على تركيا لإلغاء الصفقة مقابل بيع صواريخ باتريوت لتركيا، لم يساعد حتى الآن. تركيا التي ترغب في إدارة لعبة مزدوجة غير معنية بالانسحاب من الناتو ـ وإن كان هذا أيضًا سيناريو محتملا ـ بل تطمح إلى الإثبات بأنها ليست في جيب أي دولة عظمى، لا الأمريكية ولا الروسية، ولا في جيب الاتحاد الأوروبي.
إلى كل ذلك، تنضم الضربة السياسية الأخيرة التي نفذها أردوغان ضد سياسة ترامب. مع انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، والإعلان عن فرض العقوبات الاقتصادية الجديدة، التي بدأت من هذا الشهر، أعلن أردوغان بأن تركيا لن تنضم إلى هذه العقوبات. «نحن نقوم بشراء النفط من إيران بشروط سهلة وليست هناك خيارات أخرى»، أوضح وزير الخارجية التركي مبلوط تشاوشولو. تركيا تشتري حقًا من إيران حوالي 50 في المئة من النفط الذي تستهلكه، ووقف الشراء سيجبر تركيا على زيادة كميات النفط التي تشتريها من روسيا التي يمكنها أن تسيطر على حوالي 60 في المئة من إجمالي النفط الذي تستورده تركيا. تركيا تحرص حقًا على تحسين علاقتها مع روسيا، ولا سيما بعد أن تلقت منها عقوبات مؤلمة خلال 18 شهرًا تقريبًا على خلفية إسقاط الطائرة الروسية في سماء تركيا في 2015. ولكن اعتمادًا كبيرًا جدًا على النفط الروسي ليس هو غاية أردوغان. ولكن أردوغان الآن وإزاء أصوات التفجيرات التي تحدثها العلاقات مع الولايات المتحدة فإن من شأنه أن يرجح الكفة أكثر في الاعتماد على روسيا.
شبكة العلاقات هذه ربما تذكر بلعبة الشطرنج، لكن اللاعبين الرئيسيين، ترامب وأردوغان، ينقصهما الصبر و«الأنا» والمزاج المطلوبين من لاعبي الشطرنج. في الوقت نفسه فإن لهما (حتى الآن) مصالح مشتركة مهمة من شأنها في نهاية الأمر أن تؤدي إلى مصالحة.
لقد سبق لأردوغان وأثبت في قضية علاقاته مع روسيا أنه في وقت الضائقة يعرف كيف يعتذر ويستأنف العلاقات، مثلما أن ترامب معروف بقدرته الاستثنائية على التراجع خلال أيام عن السياسة التي قررها. ولكن المصالحة مع الولايات المتحدة ليست بديلالخطة اقتصادية، فتركيا يمكنها إنقاذ الاقتصاد التركي من الأزمة. لأردوغان كامل الصلاحية والدعم السياسي المطلوب من أجل الإعلان عن حالة طوارئ اقتصادية أو رفع سعر الفائدة كما يريد البنك المركزي. السؤال هو: إلى أي درجة يمكنه الاعتماد على دعم الجمهور إزاء فقدان الثقة العميق تجاه الليرة، الذي يعبر عن عدم الثقة بقدرة النظام على علاج السوق؟
تركيا ليست إيران حقًا، لكن رؤية التظاهرات في أرجاء إيران على خلفية انخفاض سعر الريال يجب أن تقض مضاجع الرئيس الذي أراد أن يكون ملكًا.
هآرتس 12/8/2018