يَخلُص الرئيس رجب طيب أردوغان إلى قناعة راسخة، مفادها أن تركيا بمكانتها وموقعها الجغرافي المتميز، لا تُعامل بالاحترام الذي تستحق، ولا يُثمّن دورها الإقليمي كما ينبغي، ويؤمن أن شعبه قادر على صنع إنجازات عظيمة تحاكي أمجاد السلطنة العثمانية، وقادر على الاضطلاع بدور ريادي، نظرا لما يمتلكه من مقدرات اقتصادية وسياسية وثقافية.
تستند قناعة أردوغان على موروث تركي يختزن تجربة سياسية تاريخية عمرها قرابة ألف عام، وعلى اعتزاز جمعي بالانتماء إلى أرض كانت حتى بداية القرن الماضي موطن إمبراطورية عظيمة.
قناعة أردوغان هذه، لم تعد على ما يبدو قناعة رئيس دولة وحسب، بل أصبحت حاضرة بقوة في الحياة اليومية التركية، وتلقي بظلالها على المشهد السياسي. فقد أحدث أردوغان تغييرات ملموسة في الثقافة السياسية السائدة، ونفض الغبار عن وجه تركيا القديم، فلم تعد تلك الدولة التابعة التي تستأذن منذ خمسين عاما للدخول إلى البيت الأوروبي، كما لم تعد دولة الائتلافات السياسية الهزيلة، ولا دولة الاقتصاد المتعثَّر، ولا دولة المتلقي للإملاءات الغربية بغية الحصول على شهادة حسن السلوك الديمقراطي.
تركيا اليوم تخوض بأردوغان، ويخوض بها أردوغان، معارك شرسة، وعلى مستويات عدة، ليضعها في الموقع الذي يليق بها والمكانة التي تستحقها، ولكي يتم هذا الأمر، فان الانتصار الأول الذي لا بد منه، كان في معركة الحفاظ على القرار السياسي التركي المستقل، والتي سطر فيها الأتراك أروع المشاهد المعبرة عن اعتزازهم بهويتهم الوطنية والإسلامية.
لقد تدفقت دماء الجندي في عروق التركي، فتجلت عبارة «يولد التركي جنديا» بأبهى صورها في ملحمة التصدي للانقلابيين، وتهافتت الأجساد العارية، والأفئدة العامرة بالإيمان على كل ميادين تركيا، لتجسد أروع البطولات الجماهيرية، وتحبط انقلابا عسكريا في غضون ساعات، في مشهد مهيب، أكد أن الشعب أقوى من مكائد الجنرالات المرتهنين للمصالح الأجنبية، وان إرادته لا تكسرها فوهات البنادق.
انتصر الشعب لنداء الرئيس، واندفعت جموع الجماهير الحاشدة، لا لتدافع عن أردوغان الشخص، إنما لحماية المنظومة القيمية التي أرساها، ورسَّخها كقواعد ثابتة لكيفية إدارة دفة الحكم، والتعامل مع الآخر. أنها منظومة العدل والنزاهة والإخلاص للوطن ونصرة المظلوم والدفاع عن الحق والتواضع للشعب والعمل لأجله، لهذه القيم النبيلة هب الأتراك على قلب رجل واحد، وافشلوا مخطط المتآمرين.
هي إذاً منظومة أخلاقية متساندة لا متعاندة، ولدت من رحم الدين الإسلامي، يشد بعضها ازر بعض، تجمع ولا تفرق، تُنجز ولا تُخفق، أركانها: أمة واحدة، علم واحد، وطن واحد، ودولة واحدة، جعلت من أردوغان أكثر من رئيس وأقل من سلطان، رسم بها أردوغان ملامح الرئيس الوقور، وجسد بها صورة الزعيم القوي، فاكتسحت شعبيته ساحات العالم العربي والإسلامي. وإذا كان لكل شيء ثمن، فان ثمن هذه النجاحات سيكون مزيدا من الاستعدادات لمواجهة تحديات جديدة، صعبة ومعقدة، على كافة المستويات، ستضع الرئيس تحت عبء ثقيل، وأمام استحقاقات جسام، تتطلب معالجتها مزيداً من الصبر، والحنكة السياسية، وقدرة بارعة على صياغة تحالفات سياسية دولية وإقليمية بديلة، أو رديفة، تحمي ظهر الرئيس من احتمالات التحولات السياسية في العالم، وتساعده في تحقيق رؤيته لنهضة تركيا عام 2023.
إن ملايين الأتراك الذين ملأوا ساحة «ياني كابي» شكلوا استفتاءً على محبة تركيا الوطن، والرئيس القائد، وأكدوا جميعاً على التمسك بالديمقراطية. وكان لحضور الأطياف السياسية المعارضة في المهرجان لفتة ذكية من حزب العدالة والتنمية ورسالة بالغة الوضوح للعالم الغربي الذي لا يكف عن توجيه سهام نقده اللاذع، بأن الحزب ليس إقصائياً وعلى استعداد دائم لإشراك الجميع في تحمل المسؤولية الوطنية.
تركيا بعد الانقلاب ضاعفت من مسؤوليات أردوغان كرئيس للجمهورية على نحو لم يعرفه النظام السياسي التركي من قبل، وألقت على عاتقه أعباءً ثقيلة، في مقدمتها تحقيق رؤيته لتركيا الغد في الموعد المحدد، وعليه أن يسابق الزمن لتنفيذ الاستحقاقات المتراكمة في ظل أجواء سياسية ضاغطة ومخاطر داخلية وخارجية. يدرك الرئيس التركي أن عليه زيادة معدلات النمو التي حققها الاقتصاد خلال العقد الماضي، وأن الأمر يتطلب استقراراً سياسياً في الدرجة الأولى، ومناخاً أمنياً مطمئناً للمستثمرين، مما يحتم الإسراع بإتمام عملية التطهير لأجهزة الدولة ومؤسساتها من أتباع الكيان الموازي، وتقليص فرص حصول انقلاب آخر إلى درجة صفر، وتقديم المتورطين في عملية الانقلاب الفاشلة للمحاكمة العادلة. كما يتوجب إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية بشكل يعزز من كفاءتها في محاربة الإرهاب بفعالية ويضمن قدرتها على صد التهديدات الداخلية.
إن اللحظة الراهنة تجعل من الحديث عن تغيير الدستور مسألة بالغة الحساسية تقتضي الحذر الشديد، فالبلاد لا تزال تعاني صدمة الانقلاب وما أعقبها من ردود أفعال إلا أن تعديلات دستورية وان كانت محدودة أصبحت امرأ ملحا يتوجب إنجازه كي يستطيع النظام السياسي الاستجابة بسرعة للمتغيرات المتلاحقة.
فعلاقة تركيا بالولايات المتحدة والدول الغربية يسودها التوتر، ومواقف هذه الدول من عملية الانقلاب الفاشل لا تدعوا للاطمئنان، فالطريق إلى أوروبا قد يطول أو ربما ينقطع، بينما الشرق لا يزال يفتح ذراعيه أمام الأتراك، لأنه وببساطة شديدة يشكل الحضن الدافئ والامتداد الطبيعي لبيئة تركيا الثقافية والدينية، لذلك فان تصويب العلاقة مع روسيا كان خطوة في غاية الأهمية ستعزز من قوة الاقتصاد التركي، وتساهم في بناء تفاهمات جديدة حول الأزمة السورية ومشكلة حزب العمال الكردستاني، ستزيد من قدرة أردوغان على المناورة السياسية، على أن لا يعني ذلك القطيعة مع الولايات المتحدة، فلا يزال أردوغان، ورغم الشعور بالمرارة من الموقف الأمريكي، يُصِر على هذا التحالف الاستراتيجي، لما له من أهمية حيوية في ظل النظام الدولي القائم.
لقد أصبح الرئيس التركي مؤتمنا على مستقبل تركيا، وليس على مدة ولايته الرئاسية فقط، ويقتضي هذا الأمر إدارة ملف العلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بحكمة وتأن، فمخالب الأعداء المتربصين بتركيا ما زالت حادة وسامة، وبما أن الغرب لم يقبل بحكم طالبان في أفغانستان ولا فوز جبهة الإنقاذ في الجزائر ولا حركة حماس في أراضي السلطة الفلسطينية ولا فوز حركة النهضة في تونس ولا فوز الدكتور محمد مرسي في مصر، فانه لن يقبل بنجاح كامل للنموذج التركي، ولن يقبل بنهضة تركيا الجديدة، وعليه فان سيادة الرئيس أردوغان في دائرة الخطر الدائم إلى أن يقضي الله أمراً كان مقضياً.
٭ كاتب فلسطيني
محمود احمد برغوت