اسطنبول ـ «القدس العربي»: يعطي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في السنوات الأخيرة أولوية كبيرة لإعادة إحياء الاحتفالات بالعديد من المناسبات التاريخية المرتبطة بالتاريخ الإسلامي والدولة العثمانية بعد أن غالبها النسيات لعقود طويلة قبيل وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا، وذلك في إطار سياسته القائمة على تعزيز المشاعر الدينية والقومية لدى الشعب التركي لمواجهة التحديات السياسية والاقتصادية ومنها الأزمة الأخيرة مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وبفعاليات متعددة وغير مسبوقة، يحيي الشعب التركي هذه الأيام بإشراف مباشر من الرئاسة التركية ذكرى معركة «ملاذكرد» التي يصفها الأتراك بـ«الانتصار العظيم» وذلك عندما هزمت القبائل السلجوقية التي كانت نواة تأسيس الدولة العثمانية، البيزنطيين عام 1071 وألحقت بهم هزيمة ساحقة.
وتقول الكتب التاريخية إن جيش صغير لا يتجاوز الـ15 ألف جندي من السلاجقة الأتراك بقيادة السلطان السلجوقي «ألب أرسلان» تمكن في السادس والعشرين من عام 1071 من الانتصار على جيش جرار بلغ تعداده أكثر من 200 ألف جندي من جيش الإمبراطورية البيزنطية
وخلال المعركة تمكن «ألب أرسلان» من أسر الإمبراطور البيزنطي، رومانوس ديجانوس، في المعركة التي تعتبر «من أهم معارك التاريخ الإسلامي»، ما فتح الطريق أمام الأتراك للانتشار في آسيا الصغرى، التي باتت تعرف حالياً باسم تركيا.
وبينما وضع أردوغان الذكرى المئوية الأولى لتأسيس الدولة التركية الحديثة في عام 2023 هدفاً لتحقيق رؤية تركيا المستقبلية حتى ذلك التاريخ، وضع الذكرى الألفية الأولى لانتصار «ملاذكرد» عام 2071 هدفاً جديداً لتحقيق ما يقول إنها أهداف عظيمة للجمهورية التركية تضمن ريادتها في الكثير من المجالات.
ويرى مراقبون أن أردوغان يُظهر من خلال هذه الإجراءات إلى إظهار ارتباطه القوي بالتاريخ الإسلامي وخاصة الدولة العثمانية، حيث سعى طوال السنوات الماضية إلى إحياء الكثير من المناسبات والتقاليد التاريخية التي اندثرت لعقود طويلة إبان سيطرة الجيش على حكم البلاد.
وخلال السنوات الأخيرة تحدث كبار مسؤولي حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا عن «محاولات لفصل الشعب التركي عن تاريخه»، وقال أردوغان: «من المؤسف، أننا أعددنا تاريخنا الرسمي لسنوات، بالشكل الذي أراده البريطانيون».
كما عمل أردوغان بقوة طوال السنوات الماضية على إحياء مناسبات تاريخية أخرى كان أبرزها معركة «كوت العمارة» التي انتصر فيها الجنود العرب والأتراك المنضوون تحت لواء الجيش العثماني آنذاك على القوات البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى في مدينة الكوت جنوب شرقي العاصمة العراقية بغداد، في معركة تعتبر ثاني أكبر نصر للقوات العثمانية في الحرب العالمية الأولى، بعد معركة جناق قلعة (1915)، حيث انتهى الحصار باستسلام الجيش البريطاني بالكامل.
وبات الشعب التركي يحتفل، في 29 نيسان/ أبريل من كل عام، بذكرى المعركة التي ألغي الاحتفال فيها بالمدارس التركية لعقود لكن أردوغان أعاد هذه الاحتفالات إلى المدارس تدريجياً في السنوات الأخيرة وقام بالفعل بإضافة دروس تتحدث عن «انتصارات الدولة العثمانية» وخاصة «معركة كوت العمارة»، على المناهج التعليمية.
وحث أردوغان في أكثر من مناسبة على «إظهار تاريخ الدولة العثمانية بشكل صحيح» من خلال التعليم والدراما والسينما، وانتقد على الدوام المناهج التعليمية التركية التي خاض جهوداً واسعة من أجل تعديلها، معتبراً أن العديد من الكتب والانتاجات الفنية تشوه التاريخ التركي وتحاول إظهار أنه يبدأ منذ تأسيس الجمهورية قبل قرابة الـ100 عام في تجاهل لمئات السنين من «أمجاد حكم العثمانيين»، على حد تعبيره، وعقب ذلك جرى انتاج مسلسلات تاريخية ضخمة عن «أرطغرل» و«السلطان عبد الحميد الثاني» و«انتصار كوت العمارة».
وفي رسالة له بمناسبة معركة «ملاذكرد»، قال أردوغان، الأحد، إن انتصار «ملاذكرد»، «وضع الأجداد من خلاله أسس حضارة مثّلت العدل والرحمة والسلام»، معتبراً أن «الجمهورية التركية هي ثمرة مقاومة ملحمية ضد أقوى دول العالم، وقامت على أسس متينة وضعت مع انتصار «ملاذكرد»، وقال: «تمسك الشعب التركي بهذه الأرض منذ نحو ألف عام، رغم جميع الهجمات الداخلية والخارجية، هو بفضل روح ملاذكر».
وفي إطار خطابه الذي يركز بشكل دائم على تعزيز الروابط الدينية والقومية للشعب التركي، اعتبر أردوغان أنه لا يمكن لأحد أن يمنع تركيا من تحقيق أهدافها بعيدة الأمد، ما دام صمود الروح الذي ساعد في كسب انتصار «ملاذكرد» ويدفع أفراد الشعب التركي للدفاع عن بعضهم البعض رغم الاختلافات، وذلك في إشارة إلى ما يعتبرها حرباً اقتصادية تخوضها الولايات المتحدة ضد تركيا هذه الأيام.
ومنذ أيام تبث وسائل الإعلام التركية لا سيما المقربة من الحكومة برامج وأفلام وثائقية وفواصل تاريخية عن انتصار «ملاذكرد»، وانعكس ذلك على كتابات الشارع التركي على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث كتب عشرات الاف الأتراك تغريدات على موقع تويتر تحيي روح الانتصار في هذه المعركة التاريخية وتدعو الشعب للصمود في وجه «الهجمة الأمريكية» على حد تعبيرهم.