أردوغان يهدد بصفع أمريكا

حجم الخط
0

الأسطورة تقول إن السلطان العثماني مراد الرابع الذي كان معروفا بقسوته قتل بصفعة جنديين هاجما الوزير الأعظم. هذه الحادثة التاريخية حدثت كما يبدو في 1634، وقدمت للعالم مصطلح «صفعة عثمانية»، التي على تنفيذها تم تأهيل مقاتلين عثمانيين كجزء من التدريبات العسكرية. هذه الصفعة، يقال، كان يمكنها أن تحطم جماجم الناس وحتى قتل خيول.
قبل نحو أسبوعين عادت الصفعة التاريخية إلى ساحة تركيا السياسية. بعد أن هددت الإدارة الأمريكية تركيا بأنه اذا هاجمت قواتها القوات الأمريكية التي تعمل في المنطقة الكردية في سوريا، فان الجيش الأمريكي سيرد بإطلاق النار. وقد رد أردوغان بالتهديد الأصلي له «الذين يقولون إنهم سيردون اذا هوجموا لم يذوقوا طعم الصفعة العثمانية»، حذر. وقبل ذلك حذر وزير الخارجية التركي من أن العلاقة مع الولايات المتحدة وصلت إلى مرحلة «إما أن تتحسن أو أن تتحطم نهائيا». بعد يومين من خطاب الصفعة وصل وزير الخارجية الأمريكي للقاء مدته ثلاث ساعات ونصف مع الرئيس.
مشكوك فيه أن تيلرسون فهم مصطلح الصفعة العثمانية، لأنه خلافا للبروتوكول فانه تحدث مع أردوغان دون مترجم خاص به وبدون مستشارين سياسيين، المترجم كان وزير الخارجية التركي نفسه. المؤتمر الصحافي الذي عقد بعد اللقاء لم يكن بإمكانه بث روح متفائلة. الولايات المتحدة وتركيا وافقتا على إنشاء ثلاث لجان تنسيق مشتركة لبحث الخلافات بينهما. الأولى ستجتمع في يوم الجمعة المقبل. لجان تنسيق كهذه شكلت بصورة عامة بين أعداء، الحلفاء ليسوا بحاجة إليها، حيث يمكنهم رفع الهواتف والتحدث. ولكن العداء بين أنقرة وواشنطن شديد حيث أنه في هذا الأسبوع أشار أردوغان بأصبعه إلى الإدارة الأمريكية وحذر من أنه يتوقع من الولايات المتحدة أفعالا وليس أقوالا. وكأنه رئيس دولة عظمى يأمر دولة برعايته بكيفية التصرف.
في نفس الوقت هناك عاصفة في الكونغرس الأمريكي حول النية لفرض عقوبات على تركيا بسبب سياستها تجاه الولايات المتحدة. وفي تلة الكابتول يتحدثون عن ضم شخصيات تركية رفيعة المستوى إلى قائمة مرفوضي تأشيرة الدخول، ومنع استيراد المسدسات من تركيا، وهي التجارة التي تدر على تركيا 100 مليون دولار تقريبا. ولكن هذه المبادرة تتسبب بالقشعريرة لوزارة الخارجية الأمريكية التي تعتقد أنه رغم وقاحة تركيا، فإن التعاون معها ضروري للسياسة الأمريكية المشوشة في سوريا، وفي الأساس العقوبات من شأنها أن تتسبب باقتراب تركيا أكثر إلى روسيا وربما الانسحاب من عضويتها في الناتو.
أردوغان يفهم المعضلة الأمريكية وهو لا يتوقف عن الضرب. في هذا الأسبوع بعد اتخاذ قرار مجلس الأمن بفرض وقف لإطلاق النار مدة ثلاثة أشهر في سوريا، في الأساس من أجل مساعدة حوالي 300 ألف شخص من سكان منطقة الغوطة الشرقية الواقعين تحت القصف السوري الشديد، أوضح أردوغان أن هذا القرار لا يشمل القتال التركي في منطقة عفرين التي تقع تحت سيطرة الأكراد. المتحدثة بلسان وزارة الخارجية الأمريكية اقترحت على أردوغان أن يقرأ مرة أخرى القرار من أجل أن يفهم أنه يشمل أيضا عفرين.
يبدو أن أردوغان فقط كان يتوقع أي ملاحظة أمريكية من أجل أن يطلق تصريحا شديدا. «ملاحظات المتحدثة بلسان وزارة الخارجية الأمريكية لا أساس لها وهي تشير إلى أنها لم تستطع فهم صيغة القرار أو أنها تريد تشويهه. تركيا تعمل في عفرين وفقا لحقها في الدفاع عن نفسها كما جاء في البند 51 في ميثاق الامم المتحدة»، قال المتحدث بلسان وزارة الخارجية التركية.

محور روسيا ـــــ تركيا

إن غزو عفرين ليس فقط معركة عسكرية تركية تحمل الاسم المتهكم «غصن الزيتون»، التي هدفت إلى تطهير الوجود العسكري الكردي في منطقة الحدود بين تركيا وسوريا. هذا الغزو يضع واشنطن أمام معضلة صعبة بحسبها يجب عليها أن تقرر هل هي تفضل التحالف مع تركيا أو أن في نيتها مواصلة دعمها للقوات الكردية التي أثبتت نجاعتها ضد قوات داعش. تركيا تطالب الولايات المتحدة ليس فقط بقطع علاقتها مع الوحدات الكردية، بل أيضا جمع السلاح الثقيل الذي زودتها به، كما تعهدت بذلك بعد الحرب ضد داعش. تركيا تعتقد أنها تستطيع تقديم هذا الطلب للإدارة الأمريكية التي لم تقرر بعد بشأن سياسة واضحة لمواصلة وجودها في سوريا، وفي الأساس بسبب تحالف تركيا مع روسيا، التي هي بدورها تستخدم تركيا من أجل دفع القوات الأمريكية إلى الخارج. ولكن روسيا أيضا لا تسارع إلى دعم تركيا بصورة كاملة، سواء بسبب أن الوجود التركي في سوريا يعيق خلق دولة موحدة تحت حكم نظام الأسد، أو بسبب أن روسيا تعطي أهمية كبيرة لإشراك الأكراد في العملية السياسية التي تديرها لحل الأزمة في سوريا. الرد الروسي يوضح جيدا التخبطات الروسية.
لقد سمحت للأسد بأن يرسل إلى عفرين مليشيات مؤيدة للنظام من أجل مساعدة الأكراد، وبشكل لا يقبل التأويل، أوضح وزير الخارجية الروسي لافروف بأن «تركيا تستطيع الدفاع عن أمنها من خلال حوار مباشر مع الأسد.
تركيا التي ترفض بشدة إجراء مفاوضات مع الأسد، تراجعت مقابل موقف روسيا، فهي لا تستطيع السماح لنفسها بمواجهة مباشرة مع روسيا كونها جزءا من المحور الروسي ـ الإيراني ـ التركي الذي يدير تطبيق القرار باقامة منطقة أمنية، وشريكة في المحادثات السياسية حول مستقبل سوريا. من أجل تهدئة الروس اختار المستشار الأعلى لأردوغان، إبراهيم كالين، صياغة رد ملتو يقول «عند الحاجة يستطيع عملاء المخابرات التركية ان يجروا مع النظام السوري اتصالات مباشرة أو غير مباشرة». ليس اعترافا بالأسد، وأيضا ليس تجاهل مطلق.
في هذا التانغو السياسي تحاول أيضا روسيا عدم الدوس على الجرح التركي. فهي تعتقد أن قرار الأمم المتحدة يشمل العملية في عفرين، لكن في هذه المرحلة ما زالت لا تزيد الضغط على تركيا. أول أمس قال مساعد السكرتير العام للمجلس الروسي للأمن القومي بأن «الولايات المتحدة هي التي دفعت تركيا لتنفيذ غزو عفرين لأنها زودت الأكراد بسلاح متقدم». هذه الصيغة لا تلقي المسؤولية على أردوغان، لكنها أيضا لا تؤيد العملية.

قمع متواصل

العمليات التركية في سوريا مفصولة عن الاستراتيجية التي توجه في الأسابيع الأخيرة أردوغان.
التقديرات في تركيا هي أنه يتوقع الإعلان عن انتخابات مبكرة للرئاسة والبرلمان ربما في شهر تموز القادم، أي قبل سنة ونصف من الموعد الرسمي، هذا التقدير يستند إلى الحلف الذي عقده مع زعامة الحزب الوطني برئاسة دولت بهتشيلي، الذي أعلن في هذا الأسبوع أنه سيكون مستعدا للتضحية بنفسه في عملية «غصن الزيتون» اذا احتاج الأمر ذلك، ومحتاج إلى دعم أردوغان ليس أقل من حاجة أردوغان لدعم الوطنيين اذا كان في نيته الحصول على أغلبية في الانتخابات.
في حالة واحدة فقط تراجع أردوغان، عندما هددت أنغيلا ميركل بإلغاء صفقة تحسين دبابات «ليوبارد» في تركيا اذا لم يقم بإطلاق سراح الصحافي الألماني دنيس يوغال، الذي قدمت ضده لائحة اتهام لتورطه في الإرهاب. في حين أن تهمته الحقيقية كانت إهانة النظام. وبدون إجراء استئناف قانوني، تم إطلاق سراح الصحافي قبل أسبوعين.
مقابل يوغال، القس الأمريكي اندرو برونسون، يواصل المكوث في السجن التركي منذ تشرين الأول 2016 بتهمة المشاركة في الانقلاب. أردوغان أعلن أنه كان مستعدا لعملية تبادل فيها يتم إطلاق سراح برونسون مقابل تسليم فتح الله غولن، خصم أردوغان المتهم من قبله بمحاولة الانقلاب. يبدو أن ميركل مستعدة للعمل أكثر بكثير من أجل مواطنيها من الرئيس الأمريكي ترامب، أو أنها تعرف كيفية التهديد بلسان واضح وأكثر دقة. على كل الأحوال، الساحة الداخلية في تركيا متأججة من العمليات العسكرية في سوريا، ومستعدة للانتخابات المبكرة التي ستعطي لأردوغان فترة ولاية لا تكون أقل من ولاية أتاتورك.

تسفي برئيل
هآرتس 2/3/2018

أردوغان يهدد بصفع أمريكا
العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة تزداد توترا على خلفية المعركة في عفرين
صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية