إسطنبول ـ «القدس العربي»: يعزز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من النزعة القومية في خطاباته الجماهيرية منذ أسابيع بشكل غير مسبوق وذلك على حساب الخطاب الديني المعتاد في خطاب الرئيس الإسلامي المحافظ، في محاولة لكسب أوسع قاعدة جماهيرية تساعده على مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية المتلاحقة في البلاد.
وعقب محاولة الانقلاب الفاشلة منتصف تموز/ يوليو الماضي عمد أردوغان إلى استمالة فئات متعددة من الشعب التركي لاسيما العلمانيين الذين خاطبهم بعبارات مقتبسة من خطابات مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك والذي يعتبر بمثابة الزعيم الروحي لشريحة واسعة من الشعب. إلا أن هذا الخطاب لم يدم طويلا وتحول إلى الخطاب القومي في ظل التقارب التاريخي بين حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي أسسه الرئيس وحزب الحركة القومية المعارض الذي يبدي دعما كبيرا لسياسات أردوغان في إطار «صفقة سياسية» واسعة بين الحزبين، كما تقول أطراف أخرى من المعارضة التركية.
وعلى الرغم من أن حزب العدالة والتنمية الإسلامي وأردوغان يتمتعان بشعبية واسعة في المجتمع التركي إلا أن الأحداث الكبيرة التي مرت بها البلاد خلال الأشهر الأخيرة تطلبت محاولة كسب دعم فئات أخرى من المجتمع لا سيما القوميين المعروف عنهم تقليدياً بأنهم الأقرب لأردوغان والحزب الحاكم.
وعلى الرغم من أن حزب الحركة القومية لا يمتلك سوى 40 مقعدا ويحل في الترتيب الرابع بالبرلمان، إلا أن الشعب التركي بشكل عام تُحركه المشاعر القومية المتعلقة بوحدة الأراضي التركية وحماية العَلم ودعم تحركات الجيش وتضحياته على كافة الساحات.
وساهم الخطاب القومي الجديد لأردوغان في كسب قاعدة شعبية أكبر مؤيدة للحرب التي وسعها الجيش ضد مسلحي حزب العمال الكردستاني من خلال ترديد شعارات «وطن واحد. شعب واحد» وشعار «الأمة لن تهزم والوطن لن يُقسم» والتأكيد على ضرورة الإجماع على محاربة «خونة الوطن». وبالطريقة نفسها تمكن أردوغان من ضمان دعم شعبي واسع لعملية «درع الفرات» التي يخوضها الجيش التركي في شمال سوريا، وذلك من خلال التأكيد على ضرورة «حماية الحدود التركية من تنظيم داعش الإرهابي»، و«تدمير مخطط الممر الكردي الذي يعتبر بمثابة خطر كبير على الأمن القومي التركي ويهدد بتقسيم البلاد».
وفي مسعى لكسب مزيد من تأييد القوميين الأتراك، اعتبر أردوغان أن النظام الرئاسي سيكون وسيلة مهمة في حماية البلاد من خطر التقسيم أو منح الأكراد مناطق حكم ذاتي، حيث يتلقى الرئيس دعماً كبيراً من دولت بهتشيلي زعيم «الحركة القومية» في مسعاه لتغيير نظام الحكم في البلاد من برلماني إلى رئاسي. ومن المتوقع أن يعرض الحزب الحاكم مسودة التعديلات الدستورية الجديدة التي سيدعمها الحزب القومي على البرلمان قبيل نهاية الأسبوع الجاري.
وفي خضم الأزمة الاقتصادية التي بدأت مؤشراتها تظهر في البلاد، خاطب أردوغان الشعب التركي بضرورة إخراج مدخراتهم من الدولار الأمريكي من «تحت الوسائد» وتحويلها إلى الليرة التركية لدعم اقتصاد البلاد مستخدماً مصطلح «العملة الوطنية» أو «القومية»، وذلك بعدما اعتبرها محاولة «انقلاب اقتصادية» جديدة بعدما فشلت محاولة الانقلاب العسكرية السابقة، لافتاً إلى أنها «مدعومة من أطراف خارجية لا تريد لتركيا أن تنهض»، حيث لاقت هذه الدعوات استجابة واسعة من قبل الشعب التركي.
وفي خطاب جماهيري له، الأحد، دعا أردوغان مالكي المراكز التجارية إلى «جعل دفع الإيجارات بالليرة التركية بدل العملات الأجنبية» لإثبات «وطنيتهم».
ويرى مراقبون أن حملة التطهير الواسعة التي تشنها السلطات التركية ضد الإسلاميين من أتباع فتح الله غولن المتهم بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة في البلاد دفعت أردوغان للابتعاد قليلاً عن الخطاب الديني البحت كون القومية توفر له قاعدة أوسع من معارضي الانقلاب.
إسماعيل جمال