خبران لفتا نظري في بداية الأسبوع: الأول تحدث عن أن المحكمة قررت ضد الدولة، وقضت بأن ورثة المحامي مردخاي بعهام من حقهم أن يبيعوا مسودات وثيقة الاستقلال التي كتبها أبوهم، والثانية ـ أن الصندوق القومي لإسرائيل نشر عطاء لتشغيل عامل مهمته العثور على أراض في يهودا والسامرة معني أصحابها العرب ببيعها.
المال هو القاسم المشترك السطحي والفوري في هذين الخبرين، ولكن في الشريحة الأعمق يوجد قاسم مشترك قيمي: موقفنا من الصهيونية وتاريخها. على المستوى السطحي حق الملكية، وحق الإنسان في بيع ملكه يفوق، ولا يمكن التقييد بالقانون أو بالأنظمة هوية المشترين. على المستوى القيمي الأعمق ـ الصهيونية ملزمة بأن تحظى بالتفوق حتى على حق الملكية.
في المؤتمر الصهيوني الخامس في 1905 تأسس الصندوق القومي الإسرائيلي، الذي استهدف جمع التبرعات من اليهود لشراء الأراضي في بلاد إسرائيل ونقلها إلى الأبد بملكية الشعب اليهودي. لا يحق للصندوق أن يبيع أراضيه بل أن يؤجرها فقط.
لهذا السبب بالذات باعت دولة إسرائيل في موعد قريب من قيامها للصندوق القومي لإسرائيل أراضي البلدات العربية التي هجرها سكانها في حرب الاستقلال: كي تستخدم هذه الأراضي للاستيطان اليهودي فقط. وفاقت الصهيونية «حق الملكية». وإذا كانت الديمقراطية لا يمكنها أن تميز بين مواطنيها، فإن الصندوق القومي للشعب اليهودي مأمور بأن يفعل ذلك. هكذا أيضا تقرر في قانون سنته الكنيست في 1953. وطلب من محكمة العدل العليا أن تتدخل وتجبر الصندوق القومي على أن يبيع الأراضي للعرب أيضا، والقضية معلقة من دون حسم منذ عشر سنوات.
عمليا، يعنى الصندوق القومي منذ سنوات عديدة بالتشجير، بالمياه، بالبيئة الخضراء ـ ولكن ليس في إنقاذ الأراضي. وفي يهودا والسامرة أيضا كفت الشركة الابنة للصندوق القومي، «هيمنوتا»، قبل أكثر من عقد عن شراء الأراضي من العرب. وعليه، فهام جدا القرار الجديد للصندوق القومي، الذي يعني إعادة الاهتمام بإنقاذ الأراضي. هذا قرار صهيوني صرف، ولهذا فطبيعي الاحتجاج المناهض للصهيونية من جانب حركة السلام الآن التي ردت بالقول: «مؤسف جدا أن يقرر الصندوق القومي العودة إلى المجال المشكوك فيه والغشاش لشراء الأراضي من الفلسطينيين في المناطق. هذه وصمة سوداء في السجل الفاخر للصندوق القومي… فشراء الأراضي للمستوطنات يمس باحتمال التوصل إلى سلام وحل الدولتين ويهدد الرؤيا الصهيونية».
مثلما لدى جوري اورويل: الحقيقة هي كذب. وثمة أيضا ما بعد الصهيونية ومناهضة الصهيونية في اليسار الإسرائيلي، ممن يتحدثون بازدواجيتهم الأخلاقية وسفالتهم (باسم الصهيونية) حين يعارضون ما سعى إليه وما فعله مؤسسو الصهيونية: إنقاذ أراضي إسرائيل من أيدي العرب من أجل إسكان اليهود فيها.
الخبر الثاني لا يُعنى ظاهرا إلا بقطع أوراق مصفرة. المحامي المقدسي مردخاي بعهام طُلب إليه في نهاية نيسان 1948 ممن كان سيصبح لاحقا وزير العدل الأول لدولة إسرائيل، بنحاس روزين، كتابة مسودة لوثيقة الاستقلال. وقد اجتازت هذه تغييرات جوهرية حتى صيغتها النهائية على أيدي بن غوريون. فإذا كان بعهام بدأ بكلمات: «لما كانت أرباب إسرائيل أعطت هذه البلاد لآبائنا وأجدادنا، لإبراهيم، اسحق ويعقوب، ولأبنائهم بعدهم لتكون ملكا أبديا»…، بدأ بن غوريون بكلمات: «في بلاد إسرائيل قام الشعب اليهودي»…. فقد تخلى عن أرباب إسرائيل (واكتفى بغموض «انطلاقا من الثقة بحق إسرائيل»…) ـ تماما مثلما تخلى عن تعبير «ديمقراطية»، وليس مصادفة أبناء بعهام يطلبون البيع بالمزاد العلني المسودات التي بقيت في يديه. يقدرون بأنها ستباع بمئات آلاف الدولارات، ربما بمليون.
الدولة عارضت. هذا تاريخنا، ادعت، وليس ملكا خاصا. على المستوى القانوني انتقل البحث إلى حق الملكية. في المستوى الأعمق، على مسألة إذا كان التاريخ هو ملك وطني أم هو ملك خاص يمكن أن يباع لمن يكثر في السعر؛ حتى لو كان، لغرض النقاش، لكاره إسرائيل الذي يرغب في إحراقها بالنار في طقس احتفالي. فقد قررت قاضية المحكمة المركزية في القدس، تمار بيزك ربوبورت بأن الأوراق تعود للورثة. حق الملكية الخاص يفوق حق شعب إسرائيل في أوراقه التاريخية.
تاريخنا لن يمحى حتى لو حاز الأجانب مسودات بعهام. ولكنه كتب ويكتب من أولئك الذين يحوزون الأرض والسلاح للدفاع عنها. بدونهم، تبقى مسودات بعهام على الورق فقط.
معاريف ـ 15/8/2017