أرمني وحيد في مدينة تركية

في الرابع والعشرين من شهر نيسان/إبريل من هذا العام، تكون قد مرت مائة سنة على الحروب والمجازر والإبادات التي ترتبت على الحرب العالمية الأولى، خصوصا في الدولة العثمانية، حيث ذهب ضحيتها مئات الآلاف من الشعب الأرمني، (تفيد بعض المصادر الأرمنية أن ضحايا الأرمن قدروا بنحو مليون ونصف المليون، في حين أن بعض المصادر التركية، تذكر أن نحو نصف مليون أرمني هم ضحايا الأحداث). وما زالت الرواية مختلفة حتى اليوم بين المصادر الأرمنية ومن تبناها من غير الأرمن، وبين المصادر العثمانية، وبالتالي التركية، حول حقيقة ما حدث في ذلك التاريخ: هل كانت محاولة لإبادة الأرمن، وبالتالي تهجير من يتبقى حيا من بينهم، خصوصا من كيليكيا والأناضول، أي ما يسمى بأرمينيا الغربية في المصادر الأرمنية في تلك المرحلة من التاريخ؟ أم أن الأمر بحسب تكييفات المصادر العثمانية، كان محاولة لقمع تمرد أرمني في الأراضي التي كانت خاضعة للعثمانيين؟
الجدير ذكره أن قبائل عدة من قوميات أخرى، ومن جنود عثمانيين ينتمون إلى قوميات أخرى، شاركوا في ارتكاب المجازر وطرد وتشريد مئات الآلاف من السكان، خصوصا من الأرمن، وما زالت التوصيفات مختلفة حتى اليوم حول حقيقة ما حدث في العام 1915، هل هي إبادة جماعية للأرمن، أم أن الأمر لا يعدو كونه قمعا دمويا شرسا، وتهجيرا من قبل سلطات ردت على تمردات وانحيازات (للروس على سبيل المثال من قبل الأرمن).
أثناء تجوالنا للوقوف على بعض المعالم، في إحدى المدن التركية، لكتابة استطلاع لمجلة «العربي» الكويتية في منتصف ثمانينات القرن الماضي، برز لنا رجل من إحدى الزوايا الخارجية، من مسجد كان في تلك الناحية، وكان عمره يتراوح ما بين الخمسين والستين، يتوكأ على عكاز، فما أن لمحنا حتى صاح بالتركية بكلام لم نفهم منه شيئا، إلا أن مرافقنا الكردي التركي، ذكر أنه يريد أن يحادثنا، فتحلقنا حوله، وأخذت كلمات تقطر ألما وتفجعا ومرارة وشكوى، تتوالى انهمارا على مسامعنا من فم الرجل، بل إن دموعا أخذت تتساقط من عينيه، وتختلط مع كلماته.
حينها قال مترجمنا إنه يتساءل بمرارة بعد هذا العمر: هل هو أرمني أم كردي أم تركي؟ أضاف والفجيعة ترتسم على تعابير وجهه ويديه: هل اسمه هو كريكور أم محمد أم فاضل؟ ثم أجاب على أسئلته المرة والمعذبة له: إنه من المؤكد إنني أرمني، على الرغم من أن بعضهم حاول إقناعي بأنني تركي.
أضاف : إن أما أو أبا أو أقارب لا يمكن أن يتركوا طفلا لهم، من دون أن يسألوا أو يبحثوا عنه، يبدو أنهم قتلوا جميعا في المأساة الرهيبة التي حدثت للشعب الأرمني. أضاف: لو كانت أمي تركية أو كردية، فإنها كانت ستأتي وستبحث عني، إنما يبدو أنني من عائلة أرمنية ذهبت ضحية المجزرة أو الإبادة التي يتحدثون عنها، لأنني ومنذ أن وعيت، فإنني لم أترك منظمة حقوقية محلية أو عالمية، إلا وطرقت بابها وطرحت عليها مشكلتي، إلا أن أحدا لم يفدني بشيء، كذلك راجعت رؤساء بلديات ومخاتير وموظفين كثر؛ مع ذلك فإن أحدا لم يدلني على من أكون.
لقد عشت وتربيت وكبرت في كنف عائلات عديدة في هذه المدينة، حيث رعوني وأكرموني، إلا أنني كنت أحس بأنني غريب، ولست ابنهم. وهكذا كبرت وعملت في عدة أشغال، إلا أن البحث المضني والمتعب والمؤلم عن أصلي واسمي ومن أكون، استمر هاجسا يوميا في حياتي وتساؤلاتي، إلى أن أخذت قواي يصيبها التعب والإرهاق والإجهاد، فلجأت إلى هذا المسجد، ولم ينسني المحسنون، فما زالوا يكرمونني، إلا أن شوقي وتوقي لحضن العائلة، ما زال يؤرقني وتلسعني سياطه، وحرقته تتوارد على ذهني في كل وقت.
فجأة انطلق صوته مشروخا ملتاعا متسائلا: بربكم من أكون، ساعدوني، هل يمكن أن تساعدوني أنا الذي فقدت آثار وأخبار أهلي؟
ذلك ما كان بعد أن أخذتنا الدهشة والاستغراب والتعاطف والتفاعل إلى حد البكاء والإحساس العميق بالمأساة الإنسانية المجسدة أمامنا. لم يكن فيما رويت أي تأليف أو توليف من الخيال، إنما كانت محاولة مني في صوغ بعض الجمل والكلمات وترتيبها وتنسيقها.
آه ما أبشع الحروب، وما أفظع الظلم والجور والطغيان، وها هي مأساة من مآسي عديدة علمت وتعلم وقائعها في تفاصيل التاريخ وأيامه السود. وكريكور أو كرابيت أو هاغوب لا فرق. ألا يذكرنا هذا بخلدون الذي أصبح دوف في رواية المبدع غسان كنفاني «عائد إلى حيفا»؟!.

٭ كاتب فلسطيني

سليمان الشيخ

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية