أزمة الثقة

حجم الخط
0

هل كان أم لم يكن أمر من رئيس الوزراء بالتنصت على رئيس الموساد ورئيس الاركان؟ هذا السؤال يعصف بالجمهور وبالساحة السياسية منذ نشر لأول مرة النبأ في برنامج «عوفدا» يوم الخميس الماضي.
بداية ينبغي القول لا توجد هنا قضية ووترغيت. فنتنياهو كرئيس وزراء مخوّل بأن يأمر بالتنصت على مواطنين إسرائيليين (تبعاً للتشاور مع المستشار القانوني للحكومة) لفترة بضعة أشهر، واستئناف الـمر في كل مرة من جديد.
في خلال سنتي 2012 و 2013 استعد جهاز الامن لمشروع كبير وسري تطلب استثماراً كبيراً في القوى البشرية والمال. وكان لبعض من هذا المشروع شركاء سر كثيرون، ولكن لكله ولمعانيه بضع عشرات فقط.
نتنياهو خشي جداً من كشف المشروع لدرجة أنه أخفاه حتى تقريبا عن كل وزراء الحكومة والنواب، بمن في ذلك معظم أعضاء اللجنة الفرعية للخدمات السرية، الذين يفترض بهم أن يطلعوا على كل مادة سرية في الدولة. ومن أجل نقل الميزانية عيّن عضوين كشريكي سر ومفوضاً عنه في وزارة المالية. ووفقاً لمصدر مطلع ـ ليس كل تحويل مالي كان يمكن أن يقر بهذه الطريقة ـ ولهذا فالامر الاول الذي فعله نتنياهو كوزير للمالية، بعد أن أقال لبيد واستلم منصب وزير المالية، هو التوقيع على تحويل الميزانية موضع الحديث.
بالتوازي مع هذه الامور، اشتد في 2013 خوف نتنياهو من التجسس الاجنبي في إسرائيل وبدأ يأمر باتخاذ وسائل متطرفة أكثر فأكثر لمنعه. وحسب مصدر عني بالحراسة حول رئيس الوزراء، أمر نتنياهو بقطع كل بيت رئيس الوزراء عن الربط بالكوابل في أثناء جلسات حساسة عنده، خشية أن تستخدم هذه لتسلل الكتروني أجنبي. اضافة إلى ذلك، أمر باقامة ستار مادي في مناطق هبطت فيها قافلته، كي لا تتمكن الاقمار الإصطناعية من معرفة أين يوجد. «لقد كان نتنياهو مقتنعاً بأنهم يتجسسون عليه بكل الوسائل وفي كل زاوية»، يقول مصدر كبير سابق في المخابرات.
لقد خشي نتنياهو جداً من التسريبات عن المشروع الخاص ولهذا فقد عقد في 2013 جلسة مع المستشار القانوني للحكومة، رئيس المخابرات وجهات أخرى، طلب فيها فحص إمكانية إصدار تعليمات بخطوات خطيرة على نحو خاص كي يتأكد من ألا يكون تسريباً للمعلومات من المشروع. وجاءت هذه الامور على خلفية أزمة ثقة خطيرة بين نتنياهو وبين محافل في جهاز الامن.
في هذا اللقاء طلب نتنياهو من رئيس المخابرات كوهن فرض رقابة ومتابعة، بما في ذلك التنصت، على كل مشاركي السر في المشروع. لم يقل صراحة انه يطلب متابعة رئيس الاركان غانتس ورئيس الموساد باردو، ولكنهما بالتأكيد كانا في رأس قائمة شركاء السر. ليس واضحا إذا كانت القائمة التي طلبها نتنياهو كأهداف للمتابعة والتنصت تضمنت ايضاً الوزراء الذين كانوا شركاء سر في المشروع. وعليه فهذا موضوع حساس ومركب جدا. كوهن أعرب عن معارضته للامور لاسباب مختلفة ولهذا فقد نقل الموضوع إلى عناية المسؤول عن الامن في جهاز الامن. في نهاية المطاف نال الموضوع عناية طفيفة للغاية إذا كان نالها على الاطلاق. ومن حيث جوهر الامر من المهم الملاحظة بأن وجود المشروع لم يتسرب أبداً.
في أعقاب العاصفة الكبرى نشر يوم الجمعة رئيس المخابرات في فترة القضية يورام كوهن بيانا جاء فيه ان «المنشورات في وسائل الاعلام عن تعليمات رئيس الوزراء التي يزعم أنها صدرت لي حين كنت رئيسا للمخابرات ـ في التنصت بشكل محدد على هواتف رئيس الاركان غانتس ورئيس الموساد باردو ـ ليست صحيحة».
يختلف هذا البيان عما اقتبس على لسان مقربي كوهن صباح يوم الجمعة، حيث جرى الحديث عن النفي التام. في البيان الثاني ينبغي الانتباه لما كتبه كوهن، الكلمة «بشكل محدد»، وكذا لما لم يكتبه بأنه تلقى أمراً من نتنياهو بالتنصت، وانه عارض تنفيذه.
تمير باردو قال لـ «يديعوت احرونوت» أمس أنه «على مدى خمس سنواته كرئيس للموساد، لم يبد رئيس الوزراء ولم يعرب في أي مرحلة عن عدم الثقة. بل العكس، تحدثت معه بانفتاح كامل عن كل شيء، أمامه وأمام الكابنت».
في كل الاحوال يدور الحديث عن حدث استثنائي: رئيس الوزراء يأمر بفرض رقابة على مجموعة اشخاص يحظون بالثقة الكبيرة من جهة اسرة الاستخبارات، جهاز الامن والقيادة السياسية. وهم لا يحظون بهذه الثقة بين الحين والآخر، بل كل يوم وكل ساعة، ولهم صلة بالامور الحساسة كل الوقت إذا كان نتنياهو لا يثق بهم فقد كان عليه أن يأمر بتحقيق عميق، فوري، ويبعثهم جميعا إلى آلة الكذب.
لم تحصل الامور هكذا عبثا في 2013 بل نبتت على أرض سامة جداً منذ بداية ولاية نتنياهو. في الخلفية كان الاخفاق الذي نسب للموساد في دبي واحتدام الخلاف بين نتنياهو ودغان بشأن امكانية الهجوم في إيران. وعلى المستوى الشخصي، فإن نتنياهو ودغان ببساطة لم ينسجما. كما أن علاقات رئيس الوزراء مع باقي رؤساء أسرة الاستخبارات كانت اشكالية. ويستعيد مستشار الامن القومي، عوزي أراد الذاكرة فيقول ان «نتنياهو لا يثق بأحد وبالتالي اتخذ خطوات دبلوماسية سرية ولم يبلغ رؤساء الأسرة. ومن لحظة إلى لحظة رأيت كيف تنفتح هوة عدم ثقه بينه وبينهم».
ليست هذه هي المرة الاولى في إسرائيل التي يؤمر فيها بالرقابة، التنصت ومحاولة العثور على المسربين. ولكن كل الأحداث السابقة تدنو في شدتها عن مستوى عدم الثقة التي طوّرها نتنياهو تجاه رؤساء أجهزته نفسه.

يديعوت 3/6/2018

أزمة الثقة
ليست هذه هي المرة الأولى في إسرائيل التي يؤمر فيها بالرقابة والتنصت
رونين بيرغمن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية