أزمة النموذج الديمقراطي الفرنسي

حجم الخط
3

يقدم المفكر الفرنسي إيمانويل تود في كتابه: «ما بعد الديمقراطية»، الصادر عام 2008 عن دار النشر غاليمار، تشخيصا دقيقا لما وصل إليه النموذج الديمقراطي الفرنسي من أزمة، وخصص حيزا واسعا للدين في فرنسا، مستعرضا أسباب انزلاق فرنسا إلى صف «المعادين للإسلام». ونظرا لأهمية طروحاته في هذا الإطار، نلخصها للقارئ العربي.
يعتبر عام 1791 حاسما في تاريخ المسيحية في فرنسا في نظر تود. ففي هذه السنة ظهرت الملامح الأولى للخريطة الدينية ـ المسيحية الفرنسية بشكل لافت للنظر. وهي خريطة حددت البنية السياسية لهذا البلد وأثرت فيها على امتداد قرنين من الزمن إلى الآن. ومن المعلوم أن الشرخ في الكنيسة الفرنسية حدث سنة 1790 عندما طولب رجال الدين بالالتحاق بالثورة. بطبيعة الحال كان منهم من قبل وآخرون رفضوا، ومثّل الرافضون في ما بعد ثكنات أحزاب اليمين. ففي الوقت الذي تحررت فيه مناطق فرنسية بأكملها من جبروت الكنيسة، ظلت أخرى وفية لها. ولم تفرض الثورة التفريق بين الدين والدولة في فرنسا إلا عام 1905، كرد فعل على «الخطر» الذي مثله لها الدين والمناطق التي حافظت على المسيحية. ومنذ ذلك الوقت وفرنسا تعيش على إيقاع الأزمة الكنسية، وهذا شيء عادي إذا استحضرنا إلى الذهن تشجيع الناخب المسيحي الذي كان قد اختار عام 1790 الخضوع للثورة الجمهورية للحزب الاشتراكي، بينما استمر اليمين المسيحي في الاختفاء والضعف إلى أن «احتضر» عام 2002 بعد تأسيس حزب «الوحدة من أجل حركة شعبية». وظهور «الجبهة الوطنية»، وهو ظهور لا يعزى فقط لحضور المهاجرين، بل أيضا إلى نوع من «السأم» السياسي عند الإنسان الفرنسي العادي من الأحزاب، سواء اليمينية أو اليسارية.
أدى اختفاء الكنيسة، التي اقترحت على المستوى النفسي حلا لإشكالية الإشكاليات الوجودية للإنسان، يعني الموت، إلى نوع من الفراغ واللامعنى الوجودي، لأن الإنسان المتحرر من قيود الدين، خصوصا الإنسان الملحد، في حاجة إلى «عدو» بدونه تصبح الحياة من دون مذاق وتفتح أبواب العدم والموت في وجه الفرد. وفي بحر التسابق لإيجاد معنى جديد للحياة وبموت فكرة الفردوس الذي كان الدين يعد به، يُعَدُّ الفردوس الأرضي الذي وعد به اليمين واليسار على حد سواء مفقود كذلك. لم يبق أمام الإنسان إلا محاولة العثور على معنى جديد للحياة: المال/ الجنس/ العنف، أي ما كان الدين سابقا يراقبه، تماما كما وقع للفكر القديم قبل 2000 عام، عندما أفل نجم الاعتقاد في الآلهة الوثنية وكان من الضروري إيجاد معنى أرضي للحياة.
أكان المرء واعيا بذلك أم لا، فإن هناك أزمة دينية تجتاح مجموع أوروبا حاليا في نظر تود. فالتركيز السلبي للعشر سنوات الأخيرة على الإسلام في الغرب عموما من طرف النخبة السياسية والثقافية لا يمكن فهمه، حتى لو استحضرنا تجربة سابقة عليها ـ في فرنسا بالخصوص، أي حركات ضد العرب في ثمانينات القرن السابق، حتى لو كانت هذه الحركات قد قيدت من طرف أحزاب يمينية لاستقطاب الطبقات الشعبية في عز أزمة اقتصادية واستفحال العطالة والحضور القوي للعامل العربي.
ما يميز الحملات المعادية للإسلام الحالية هي أنها لم تعد حكرا على جزء كبير من الطبقات الشعبية، بل أصبحت نقطة اهتمام مجموعة من المفكرين والصحافيين، سواء أكانوا من الصفوة السياسية والاقتصادية أو «النخبة الشعبية». ولم يعد هذا الهجوم محصورا على بلد غربي بعينه، بل تعداه ليشمل كل هذه البلدان تقريبا. والواقع أن طرح صدام الحضارات هو تنظير إمبريالي لموازين القوى وتأكيد على تفوق أمريكا والغرب عموما على باقي الأمم وبالخصوص ضد العالم الإسلامي والصين. يتعلق الأمر إذن، حسب تود، بنوع جديد من النرجسية الثقافية الغربية، وهي تعبير واضح إلى حدود بعيدة عن الفراغ الروحي للغرب. إضافة إلى هذا فإن هناك نوعا من التصعيد النفسي للغرب حاليا، الذي يرفض مواجهة أزماته على اختلاف أنواعها، مشيرا بالأصابع إلى أزمات العالم الإسلامي الناتجة عن مروره بمرحلة انتقالية، حيث أصبحت الأمية شبه عامة فيه، وحيث غياب أي توجيه أيديولوجي وديني واضح، يُنتج بدوره القلق والبلبلة الاجتماعية، بل حتى العنف في صفوفه. أكثر من هذا فالإسلام كدين، في رأي تود، يعرف هو بدوره أزمة، لأن الاعتقاد فيه يتدهور رويدا رويدا بطريقة غير عيانية، وما تكثيف الممارسة الدينية في بعض الدول المسلمة إلا عربونا على نجاعة مفعول تأثير الحداثة، التي تبدأ بمثل هذه الدوخة الدينية لتنتهي بتحجيم هذا الأخير إلى حدوده الطبيعية كديكور ثقافي باستطاعته تقديم بعض الخدمات الاجتماعية المعينة والمحدودة. وإذا كان الكثير من المسلمين يهابون العلمانية، بل لم يكونوا يعيرون لها اهتماما يذكر في ربع القرن الماضي، لأنها كانت منشغلة بالمسيحية، فإنهم وجدوا أنفسهم، بعدما انتصرت اللائكية، وجها لوجه أمام هذه الأخيرة. من هذا المنطلق، فإن الإسلام كدين هو كبش الفداء الذي تقدمه اللائكية، أو كما يقول تود: «في أوروبا بداية الألفية الثالثة، يصبح (أي الإسلام) أضحية لحالتنا الميتافيزيقية المزرية، لصعوبة عيشنا من دون إله، مع تأكيدنا على أن حداثتنا هي الحداثة الوحيدة الممكنة والصالحة». إن العداوة التي يواجهها الإسلام من طرف الغرب، كما يؤكد على ذلك تود، هي تعبير واضح على الكساد الروحي والأيديولوجي للغرب، وهي تصعيد لجملة من النقائص التي يعيشها أي دين مغاير للدين الذي راج في الغرب لمدة قرون طويلة».
حال الديمقراطية، فيما يرى تود، ليس على ما يرام حاليا في البلدان التي طورت هذا النظام في الحكم منذ قرون كفرنسا وأنكلترا والولايات المتحدة الأمريكية. ويعتبر حال فرنسا أسوأ بكثير، إذا أخذ المرء بعين الاعتبار الجنوح عن التصويت منذ 1995 والحضور القوي لليمين المتطرف. ومن الأمثلة على النموذج الجديد للديمقراطية الفرنسية هناك إشكالية رفض الدستور الأوروبي في شهر فبراير/شباط 2008، وقرار مجلس النواب بغرفتيه بعد ذلك التصويت عليه. فبعدما طولب الشعب بالإدلاء برأيه في قضية مصيرية تهمه، يأتي الممثلون له ويلغون اختياره. ومن بين أسباب ذلك، حسب الكاتب، هو أن هناك نوعا من فرض الفهم التوكيفيلي للديمقراطية التي كان يعتبرها نسقا مغلقا في وعلى ذاته، يمتلك منطقا داخليا أتى من حيث لا ندري. ولهذا السبب لابد من قبوله كما هو، بمساوئه ومحاسنه. ويرجع سبب هذا الاهتمام الجديد بتوكوفيل إلى بعض طروحاته البسيطة حول الديمقراطية. أصبح توكوفيل، بعد الإشهار الرائع الذي قام به له رايمون أرون صورة طوطيمية في الأوساط الأكاديمية الفرنسية.
يعتبر المرء مفهوم العِرق race بمثابة مفهوم يفرق، لكنه مفهوم يلحم ويجمع كذلك. وإذا كان المرء يعتبر أن العنصرية هي عيب للديمقراطية، فإن الصحيح هو أن هذه الأخيرة هي أساس الديمقراطية، لأنها تعتبر في هذا النظام مبدأ إقصائيا وإدماجيا في الوقت نفسه. لا داعي للتذكير بأن العنصرية رافقت ميلاد الديمقراطية الغربية منذ اليونان، التي لم تكن تعترف لأحد بحق المواطنة إلا إذا كان ينحدر من والدين أثينيين قحين. وحتى إن اختفت العنصرية في التجارب الديمقراطية الغربية المعاصرة بعد انتهاء الأبرتايد في أفريقيا الجنوبية، فالواقع هو أننا نجدها حية في التجربة الإسرائيلية. فالثقافة اليهودية ليست ثقافة مساواة في أساسها العائلي، ومثال الإرث في التوراة شاهد على ذلك بتفضيله الرجال على النساء. أما على المستوى السياسي، فإن النظام الإسرائيلي أقرب إلى النظام الأمريكي أو الإنكليزي البدائي، وأكثر منه إلى النظام الأثيني القديم. فقد كان اليونانيون يعيشون بفضل الحرب من أجل الثقافة، تماما كما هو الشأن لإسرائيل مع العرب.
بعد هذه الإطلالة المركزة جدا على هذا الكتاب القيم، يبقى السؤال العالق هو: أي نتيجة لمحاولة «استيراد» النموذج الديقراطي الغربي من طرف النخب السياسية العربية عموما والمغربية بالخصوص؟ بأي استراتيجيات أيديولوجية وسياسية دخلت الأحزاب السياسية ذات التوجه الإسلامي أو المتأسلم، المنتخبة من طرف الشعوب العربية في تونس ومصر والمغرب، حلبة اللعبة الديمقراطية؟ أتعتبر النماذج الديمقراطية الغربية الحالية، بكل تلويناتها وخصوصياتها، نموذجا لأصحاب السلطة في العالم العربي، أم هناك إمكانيات لبناء نماذج مغايرة، مادام مثال مبدأ الديمقراطية يحمل في طياته مقوم الاختلاف والتعددية؟ وقد يكون السؤال الجذري الذي يمكن طرحه في نهاية هذه القراءة هو: ألم تصل النماذج الديمقراطية الغربية ذاتها إلى نوع خطير من «التوتاليرية» الكولونيانية ولم تتعد إلى حد الآن عتبة العقلية الاستعمارية التوسعية، عاملة بذلك ضد مبدأ حقوق الإنسان وحق الكل في العيش في سلام ورفاهية مادية واجتماعية ونفسية للجميع؟ ألا نلاحظ أعراض ما وصفه الكاتب في مؤلفه هذا في مجتمعاتنا العربية، حيث تقاد «الثورات» من دون توجهات أيديولوجية واضحة ومن دون تخطيط مسبق للأهداف التي تتوخى الوصول إليها، باستثناء المطالبة بـ»الديمقراطية» و»المساواة» و»الحق في العمل» إلخ، ومن دون أن تحدد مضمون هذه المطالب وأي نوع من الديمقراطية المتوخاة؟ ألم تكن جل حركات الغضب العربية الأخيرة تعبيرا صارخا على الشرخ الحاصل بين الشعوب ونخبها؟ وكيف يمكن أن نشرح «احتواء» نخب جديدة عن طريق «انتخابات نزيهة» وتجردها من كل مبادئها الأيديولوجية واستعدادها للغطس في أتون ديمقراطيات مزيفة بتزكية من الغرب، السابح بدوره في ديمقراطية دائخة تدور في حلقة تاريخية مغلقة، من دون أن تستطيع تطوير نماذجها الديمقراطية المحلية، بل بالضغط على الشعوب الأخرى لتُفَصِّل نماذجها الديمقراطية من الثوب نفسه الذي تستعمله في خياطة نماذجها؟

كاتب من المغرب

حميد لشهب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية