القاهرة ـ «القدس العربي»: في الحديث عن أزمة السينما دائما ما يتم التناول من زاوية واحدة، وهي أزمة الإنتاج والتمويل وسوء التوزيع ولم يلتفت أحد إلى الأزمة الرئيسية المتمثلة في قلة دور العرض، وحتى لو جاءت عرضا في سياق الأسباب والنتائج غالبا ما ينصب الكلام عن الأزمة داخل القاهرة ودور العرض المعطلة والأخرى المهجورة وغيرها التي تم هدمها وصارت أثرا من بعد عين.
هذه هي أبعاد المشكلة الكبرى الظاهرة للعيان، أما الجزء الآخر وهو الأخطر فلا أحد يراه أو يسمع عنه، حيث المسؤولون مشغولون بالأزمة داخل العاصمة فقط، أما الأقاليم وما يحدث فيها فهو متوار وبعيد عن الأنظار، لذا فقد رأيت أن أزيح الستار لعلي أكشف جانبا منه، ربما يستجيب أحد وتنتبه الجهات المعنية لخطورة الخراب الزاحف على الثقافة السينمائية من كل صوب. ما أريد أن أوضحه أن هناك عدوانا وقع ويقع باستمرار على دور السينما في المحافظات، ففي زيارة قريبة لمدينة المنيا عرفت بمحض الصدفة أن أربعا من دور العرض الكبرى تمت إزالتها، وتحولت إلى مولات تجارية منذ سنوات، ولم تعد موجودة سوى دار سينمائية واحدة تشرف عليها جهة سيادية أملا في المحافظة عليها من الهدم والتحول إلى سوبر ماركت أو محل للملابس أو فرع ضمن سلسلة ماكدونالدز أو كنتاكي.
لقد تمت تصفية النشاط السينمائي الثقافي في غفلة من أصحاب القرار خلال العشر السنوات الماضية، وبقيت الدار الوحيدة اليتيمة تستقبل الناس على استحياء وبطاقة محدودة، إذ لا يمكنها استيعاب أكثر من 800 فرد فقط لا غير، ومن ثم فالنتيجة المتوقعة كانت الهجرة الجماعية للسينما والعزوف الكامل عن مشاهدة الأفلام، وليس ما حدث في المنيا استثناء، فهو نظام يطبق في كل المحافظات المصرية من الشمال إلى الجنوب، فعدد دور العرض تقلص بشكل ملحوظ وفي أغلب المدن تلاشي تماما وتكاد مدينة الإسكندرية هي الوحيدة التي لا تزال فيها بعض الدور السينمائية العاملة، أما أسيوط ومطروح والشرقية والبحيرة والمنوفية وسوهاج والوادي الجديد، فنسبة النشاط السينمائي فيها تتراوح ما بين واحد إلى ألف، وغير معلوم لدينا أن هناك دور عرض لا تزال على حالها اللهم إلا في أسيوط فقط، التي توجد فيها دار سينما شتوية تعمل بالقطاعي، وحسب الظروف، وهي السينما التي كانت تنافس دور العرض في القاهرة في الدخل السنوي من إيرادات شباك التذاكر.
ولو عددنا المدن الساحلية التي خلت من دور العرض وأصيبت بما أصاب غيرها من ركود وعطب في النشاط السينمائي، سنجد أن كلها متساوية في العطل وقد شملتها قرارات الغلق أو الإزالة، فلا توجد سينما درجة أولى في بورسعيد أو الإسماعيلية أو السويس أو دمياط ولا حتى درجة ثانية ولا ثالثة، لقد اقتصر عرض الأفلام على ما يسمح به في قصور الثقافة، وفق خطة نوادي السينما التي تسعى وزارة الثقافة من خلالها إلى تعويض القصور المتنامي والمتزايد في التثقيف السينمائي، الذي نتج عنه ظهور أفكار معادية للسينما إجمالا، من دون تفرقة بين أجناسها وأنواعها والجيد والرديء منها.
وتأتي النتائج والأسباب عاكسة لحالة الرفض الكامل من جانب البعض للإبداع عموما وعلى رأسه السينما، على اعتبار أنه نشاط محرم دينيا وأخلاقيا، ذلك أن إهمال العرض في الأقاليم لفترات طويلة على مدار سنوات خلق هذا الأثر وباعد بين عوام الناس والفن، وجعله في دائرة الاتهام، حيث صدرت الأحكام بناء على ما تعرضه القنوات الفضائية من دون النظر إلى طبيعة العمل الفني ومحاولة التعرف على المضمون والهدف، وهنا تظهر مشكلة أخرى وهي الذوق الخاص للفضائيات التي تفرض الجمهور نوعية معينة من الأفلام، يتسم اغلبها بالسطحية، فتكون النتيجة هي الرفض الكامل وإحداث بلبلة في المفاهيم والأفكار وتكريس النماذج السيئة كأدلة ضد السينما والفن عموما، في غياب التوعية المنوطة بالحركة النقدية للمتخصصين والمتذوقين والدارسين على السواء، على اعتبار أنها قضيتهم حتى لا يصبح فن السينما فنا مستهجنا لدى البعض وتنتقل العدوى شيئا فشيئا وتتسع دائرة الرفض والعزوف ونواجه أزمة أكبر من أزمة دور العرض وأزمة الأفلام التجارية، لأن ساعتها ستكون الصناعة كلها في خطر وإذا وقع الخطر جاءت التوابع القضية متصلة فلن يبقى لدينا فن ولا ثقافة طالما ذهب الجمهور في اتجاه آخر.
كمال القاضي