أزمة سيولة مالية تفاقم معاناة الليبيين وسط الحرب

حجم الخط
3

تونس -«القدس العربي»: تعاني ليبيا من أزمة سيولة مالية بدأت مع انطلاقة العام الحالي واستفحلت في الآونة الأخيرة. ولا حلول تبدو في الأفق لتجاوز المشكلة التي صارت تؤرق مضاجع الليبيين وتضيق على معيشتهم، أمام غياب الدولة شبه التام في ظل الفوضى التي تعيشها البلاد التي ما زالت تبحث عن معادلة استقرارها.
فمع وجود أرصدة بأسماء الليبيين تشير إلى أن الشخص قد أودع في حسابه مبلغا ماليا، لكن لا توجد أوراق مالية في المصارف تعادل ما هو موجود من مبالغ في هذه الأرصدة. ولا يقتصر الأمر على العملة الصعبة التي يحتاجها المواطنون في ترحالهم، بل أن النقد المحلي بدوره غير متوفر في البنوك وهو ما يعطل قضاء الحاجيات اليومية للناس.

رواتب الموظفين

وحتى رواتب موظفي القطاع العام التي يتم تحويلها شهريا إلى المؤسسات البنكية لا يتمكن أصحابها من سحبها بسبب غياب السيولة المالية الكافية لدى المصارف الليبية. وهو ما ينعكس سلبا على القدرة الشرائية للمواطن ويعطل الحركة التجارية وعجلة الاقتصاد بشكل بسبب تراجع الاستهلاك والاقبال على البضائع المعروضة في الأسواق.
ويرجح البعض أن يكون السبب وراء هذه الأزمة هو عدم الثقة في البنوك عموما وفي الوضع الأمني في البلاد، من قبل رجال الأعمال وأصحاب الأرصدة الضخمة. حيث قام بعض هؤلاء بسحب مبالغ مالية هامة لتخزينها في البيوت خوفا من نهب المصارف في حال تدهورت الأوضاع الأمنية وهي مرشحة لذلك في أي حين.
ودفعت هذه الحالة المزرية الأسر الليبية إلى التداين من بعضها البعض بشكل مؤقت في انتظار الفرج الذي قد لا يأتي في ظل المشهد السياسي القاتم في البلاد. وبدأت الطبقة الوسطى التي كانت عماد الاقتصاد الليبي إلى وقت غير بعيد في «السير قدما» نحو الفقر والخصاصة وهو ما يمثل كارثة بكل المقاييس.
فوضى عارمة

وتشهد شوارع مختلف المدن الليبية نتيجة لهذه الأزمة حالة من الفوضى بسبب وقوف المواطنين في طوابير طويلة انتظارا لما تجود به البنوك من مبالغ زهيدة لا تسمن ولا تغني من جوع لدى البعض باعتبارها لا تتجاوز الثلاثمئة دينار ليبي. وأحيانا يزيد هذا المبلغ قليلا إذا كان المنتفع بالمال صديقا أو قريبا لأحد موظفي البنك أو كان من ذوي السطوة والنفوذ أو حتى من قطاع الطرق وحملة السلاح.
ويحصل أن ينتظر البعض لساعات طويلة في هذه الطوابير حتى يأتي الفرج، خاصة وأن هناك من يبيت ليلته قرب المصرف أو يأتيه فجرا، ثم يعود بخفي حنين لعدم وجود السيولة في ذلك اليوم. أو قد تنفد السيولة المتوفرة بالبنك قبل أن يأتي الدور على بعض هؤلاء الذين يضطرون في غالب الأحيان إلى الغياب عن العمل.
وشهدت البلاد حوادث كثيرة وعمليات اطلاق نار أمام المصارف تسببت في سقوط قتلى وجرحى في صفوف المواطنين. فالكل متوتر بسبب غياب المال وعدم القدرة على الايفاء بالالتزامات.
وفي هذا الإطار يعتبر هشام البوسيفي الإعلامي في قناة «ليبيا الاقتصادية» في حديثه لـ»القدس العربي» أنه وبقدر ما تبدو الأوضاع السياسية في ليبيا ظاهرة للجميع ويعلم تفاصيلها القاصي والداني، فإن الجوانب الإنسانية لم تحظ بالإهتمام منذ البداية. وهو يرى أنها أصبحت اليوم وبعد مرور خمس سنوات على «ثورة 17 فبراير» بادية للعيان خصوصا فيما يتعلق بالمعيشة اليومية والحصول على النقد المحلي في ظل غياب السيولة والتي تقدر بحوالي 24 مليار دينار والتي اختفت بقدرة قادر فجأة من خزائن المصارف، وانعكس الأمر على حياة المواطنين بشكل سلبي.
ويضيف الإعلامي الليبي: «هناك أيضا استمرار شح النقد الأجنبي من القطاع المصرفي وارتفاع أسعار العملات الأجنبية أمام الدينار الليبي في السوق الموازي الذي وصل فيه الدولار إلى أعلى مستوياته على مر تاريخ ليبيا. كل هذا الأمر تسبب في ارتفاع أسعار السلع الأساسية وفي مضاعفتها مقارنة بما كانت عليه في الماضي الذي ليس بالبعيد».
«للأسف الليبيون الآن يعانون معاناة حقيقية. المصارف حقيقة لا تمتنع عن مدنا بالمال الكافي إذا توفر لكن ليس لديها النقد المحلي من الدينار الليبي لان كبار المودعين لأموالهم قاموا بسحبها خوفا من تسرب سرية حساباتهم، بالاضافة إلى تدخل ديوان المحاسبة في عمل المصرف المركزي الأمر الذي أثر في ازدياد الأزمة. من ناحية أخرى، يشار إلى أن ليبيا دخلها الوحيد، والذي يمثل 97‎%‎ يأتي من النفط الذي كان متوقفا، وأمام انخفاض أسعاره العالمية لم تستطع توفير العملة الصعبة لاستيراد السلع من خلال منح التجار اعتمادات مستندية لجلب السلع الأساسية، ونقص المعروض منها في السوق، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعارها لأن التاجر قام بالحصول على العملة الصعبة من السوق الموازي وهذا دون أن ننسى الفساد الموجود في البنوك».

صعوبات معيشية

و حول سؤال «القدس العربي» عن كيفية تدبر المواطن لأموره المعيشية أجاب: «نعم لقد تسببت هذه الأزمة في مشاكل عديدة، فهناك مشاكل في الحصول على الرعاية الصحية التي تسجل مستويات متدنية جدا سببها عدم توفر الخدمات والمستلزمات الطبية الأولية بسبب غياب السيولة من العملة الصعبة. وهنا نتحدث عن المدن الكبرى فما بالك بمدن ومناطق الجنوب والقرى التي تنعدم فيها حتى الأدوية للأمراض المزمنة مثل القلب والسكري وضغط الدم والكلى».

نقص في كل شيء

من جانبها تعتبر الاكاديمية الليبية صفاء الرويمي أن من أسباب غياب السيولة المالية في البنوك هو هذا التناحر الحاصل في مختلف مدن البلاد بما في ذلك العاصمة. ففي ليبيا الآن، يغيب الحوار وتطغى لغة السلاح الذي يبقى الفيصل بنظر الفرقاء لحسم خلافاتهم.
وعن الحالة العامة مع غياب السيولة المالية تقول: «في الحقيقة فان رواتبنا يتم تحويلها من قبل الحكومة والقطاع الخاص إلى المصارف لكن لا توجد سيولة مالية لدى هذه الأخيرة. ونتج عن هذه الأزمة غلاء فاحش في المعيشة لم تعرفه ليبيا عبر تاريخها بما في ذلك خلال فترة ما قبل اكتشاف النفط، نحن نعيش فعلا كارثة بكل المقاييس».
وتضيف: «لقد نتج أيضا عن هذه الأزمة تدهور غير مسبوق للعملة المحلية بشكل مثير للقلق، فالدولار الواحد أصبح يصرف بخمسة دنانير ليبية، وهو الذي كان إلى وقت غير بعيد يصرف بـ 1.25 من العملة المحلية. كما أن المستشفيات خاوية على عروشها ولم يعد يرتادها المواطنون لأنها تشهد نقصا فادحا في الأدوية، بما في ذلك لقاح الرضع حديثي الولادة وذلك بسبب عدم توفر السيولة من العملة الصعبة لتوريدها من الخارج.
وتختم بالقول: «حتى العمل الحكومي أصبح لا معنى له ومجرد روتين يومي للحفاظ على الدولة لا غير، لأن الوزارات تشتغل من غير ميزانيات، وهو ما يعيق برامجها ومخططاتها للمستقبل. لكنها في المقابل تقوم بتحويل رواتب الموظفين التي تصطدم بدورها بالسيولة غير المتوفرة بالبنوك».

مشاركة المواطن

وللإشارة فإن سيولة مالية وصلت إلى ليبيا من الخارج للتخفيف من حدة الأزمة لكنها تبدو غير كافية في مجتمع ينتمي إلى محيط اعتاد على كثرة الاستهلاك. لذلك يتم تشجيع المواطنين على اقتناء حاجياتهم بالبطاقات البنكية مباشرة، ولكنه يصطدم بالبطء في إصدار هذه البطاقات التي لم يحل التعامل بها الأزمة.
ويطالب البعض، في إطار الحل، بالحد من نزيف إخراج العملة الصعبة أو منع ذلك تماما أسوة بكثير من البلدان المنتمية إلى ذات الإقليم. لكن هذا الحل يصطدم باضطرار الليبيين إلى السفر للخارج خصوصا للعمل أو للتداوي أو لزيارة الأقارب خصوصا في دول الجوار.
كما يبدو المواطن الليبي بحاجة إلى التأقلم مع الأوضاع الجديدة واعتماد سياسة التقشف والحد من الانفاق إلى حين الخروج من هذه الأزمة. لكن هذا الحل يصطدم بواقع مفاده ان الليبيين ضاقوا ذرعا بالأوضاع المعيشية المزرية وبحالة الفوضى التي يعيشها بلدهم ولا يبدو أن صبرهم سيطول على مختلف الفرقاء السياسيين.

أزمة سيولة مالية تفاقم معاناة الليبيين وسط الحرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية