أزمة غرداية الجزائرية: سلطة غائبة وحلول سطحية في مواجهة تحريض طائفي مدمر

حجم الخط
19

لحظات بعد مغادرة وزير الداخلية نور الدين بدوي ومرافقيه من قادة أمنيين برتب عالية لمطار مفدي زكريا في محافظة غرداية (600 كلم جنوب العاصمة الجزائر) حتى اندلعت مناوشات دامية في عدة أحياء أسفرت عن مقتل نحو 25 شخصا، وتسجيل مئات الجرحى في هذه المدينة التي تشهد منذ مدة طويلة انفلاتا أمنيا وعاش أهلها المسالمون أحداثا مأسوية متواصلة نسفت أملا بعيد المنال في التعايش والوئام.
أزمة غرداية ذات الموقع الاستراتيجي في عمق الجزائر والتي كانت دوما مضرب المثل في التعايش بين سكانها الذين طوعوا الصحراء وحولوها إلى واحة خضراء، تفاقمت وتعقدت أكثر بسبب صمت السلطة التي لم تكن في عجالة من أمرها لتجد لها حلا نهائيا وشاملا لإخماد نار الفتنة المستعرة هناك واقتلاع جذورها والضرب بيد من حديد لكل من قام بترويع الناس.
لم يكن وزير الداخلية وهو أحد المقربين من محيط الرئيس، الأول ولا الأخير الذي تلي زيارته لـ(تغردايت) مثلما ينطق اسمها سكانها الأصليون، نشوب الأحداث فيها. سبقه إلى ذلك دحو ولد قابلية وزير الداخلية السابق وأحد أركان عبد العزيز بوتفليقة، وقبله أيضا الطيب بلعيز الذي شغل المنصب ذاته من بعده.
وادي ميزاب الذي تأسست الحياة فيه منذ أزيد من عشرة قرون سجل انفلاتا أمنيا مماثلا لما يحدث الآن، عقب زيارة خاطفة لرئيس الوزراء عبد المالك سلال الذي تحدث بلغة الواثق أمام السكان عن حل أزمتهم في ساعات قليلة بمجرد أن يعاد انتخاب عبد العزيز بوتفليقة رئيسا للبلاد لعهدة رابعة. لم تكن هذه الحالة الوحيدة التي يقترن فيها اندلاع المواجهات مع توالي زيارات مسؤولين محددين جلهم من المقربين للجناح الرئاسي بوصف المعارضة. صورة نمطية واضحة وجلية تحولت إلى لازمة، معارك طاحنة في الأحياء المتجاورة عقب أي زيارة لشخص مقرب من دوائر العصبة الحاكمة. توقيت الزيارة الأخيرة لوزير الداخلية والتي أعقبتها أزمة ذات ارتدادات تدميرية لا تزال تداعياتها مستمرة إلى الآن ما جعل سكان غرداية يتوجسون خيفة من كل وفد يحل على أرضهم.
هذه التحولات وفق القراءات التحليلية للأزمة تأتي في سياق الترتيبات الجارية لخلافة بوتفليقة في الانتخابات الرئاسية المرتقبة في 2019 توازيا مع المعلومات الرائجة عن محاولات تموقع لجناحي السلطة المتصارعين على الحكم، ومعارك ليّ الأذرع والمواجهات الخفية والمستترة على توازن القوى. ولتفكيك المعادلة بشكل أوضح فإن التفاعلات الحالية على الساحة السياسية في الجزائر تشير إلى أن السكاكين بدأت تشحذ استعدادا للانتخابات الرئاسية المقبلة بين تيار بوتفليقة ومن حوله، وبين مناوئيه الراغبين في إزاحة من يسمى إعلاميا مجموعة وجدة وكل من يسبح في فلكها من المنتفعين بريع مرحلة امتدت من 1999. هذه التفاعلات بكل أبعادها تقودنا إلى هذه الخلاصة التي يمكن الوقوف مطولا عندها في قراءة مشهد الأزمة التي ظلت عصية على الفهم لأي متابع لشؤون المنطقة. هذه الأحداث إذا تأملنا في تعايش الجميع مع بعض عقود مستمرة، تجعل من الصعب تصنيفها بشكل سطحي في دائرة صراع طائفي، أمازيغي عربي، أو مذهبي، إباضي مالكي.
الانتخابات الرئاسية ورهاناتها
لتوضيح أعمق لمسار الأزمة نعود قليلا إلى الوراء، تحديدا إلى عشية الانتخابات الرئاسية التي جرت نيسان/أبريل 2014 وتوجت إثرها عبد العزيز بوتفليقة رئيسا للبلاد لولاية رابعة على قصر المرادية. طائرة خاصة تحمل على متنها شقيق الرئيس ومستشاره الشخصي، السعيد الرجل النافذ والمسيطر على مقاليد حكم البلاد، وكان برفقة رجالات الظل للنظام المستأثر بزمام الأمور حطت في مطار غرداية (600 كلم جنوب العاصمة). استقل الوفد سريعا سيارات مصفحة شقت وسط تعزيزات أمنية مشددة طريقها نحو وسط المدينة التي تشهد منذ نهاية سنة 2013 اضطرابات دموية. راح ضحية الأزمة المفتعلة العشرات من الأبرياء الذين أزهقت أرواحهم من دون وجه حق، ومئات الجرحى، مع خسائر مادية تقدر بالمليارات، وآلاف المنازل والمحلات التي أحرقت ونهبت وسرقت، وسط أحياء مغلقة تَحرس مداخلها ومخارجها قوات الأمن الرابضة على مدار ساعات اليوم (ليستتب الأمن وعلى غير العادة كلية يوم الاقتراع). لم تفلح المهدئات والحلول الترقيعية التي جربها مندوبو السلطة الموفدين إلى المدينة منذ نشبت أحداثها وأتت على الأخضر واليابس، ولم تشكل هذه النقطة في أواخر سنة 2013 حينما سقطت فيها أول ضحية سوى بؤرة توتر محدودة يمكن إخمادها بسرعة متى كانت الحاجة لذلك. الوفد الرئاسي التقى بأعيان المنطقة، ويقطع لهؤلاء الرجال الذين طالما ساندوا السلطة في كل مواقفها وخياراتها ورافقوها في جل الاستحقاقات الانتخابية، وعدا بالتحكم في الوضع وإخماد هذه النار. الحل وفق ما تُلِيّ على الأعيان مقترن بتصويتهم على الشقيق وبتوجههم بكثافة إلى صناديق الاقتراع. الأعين كلها كانت يوم إعلان نتائج الرئاسيات متوجهة إلى هذه المنطقة العامرة التي تضم أمازيغ مسلمين على المذهب الإباضي وعربا أغلبهم من عرش الشعانبة ومن قبائل وافدة من مناطق أخرى، مسلمين على المذهب المالكي. كم كانت المفاجأة مذهلة وغير متوقعة للنتيجة الخيالية التي حصل عليها بوتفليقة في غرداية ونيله العلامة الكاملة، رغم أن التوقعات الأكثر تفاؤلا تشير إلى بلوغها 50 ٪. وحسب قراءات المتابعين للمف لم تعلن السلطة عن نية حقيقية لتصحيح الانحرافات التي حدثت على امتداد عشرات الأسابيع ولم تعمل على استئصال بؤر التوتر أو تزيل مسببات الاحتقان. ويؤكد النشطاء الميدانيون الذين سعوا طيلة أشهر لصلح ذات البين أنه لم تكن هناك خطوات عملية لاجتثاث مصادر التحريض على كافة المستويات بدءا من المناهج التعليمية باعتماد مقررات تكون أكثر تسامحا وتقبلا لكل مكونات المجتمع الجزائري، وتحترم خصوصيات كل طرف حتى لا تتكرر حملات منظمة على هدم المقابر أو إزالة الشواهد التاريخية وبتواطؤ أمني.
وفي رسائل وجهها أعيان المنطقة إلى الجهات المعنية طالبوا بضرورة محاسبة المتسببين في الأزمة وتوقيف جميع الرؤوس المدبرة التي كانت تحرك الشارع في الكواليس، وكل المحرضين العنصريين الطائفيين الذين ساهموا في تأجيج الأزمة وتأليب الشباب في المساجد وعلى المنابر أو الذين ساروا في مظاهرات تدعو إلى قتل فئة لأنها ليست على مذهبهم. كثيرون يرون أن الأجهزة الأمنية المعروفة في الجزائر بشراستها لم تقم بملاحقة جدية لمسيري صفحات التواصل الاجتماعي المليئة بمنشورات دنيئة تدعو إلى القتل والتهجير وتخرج الناس عن الملة. جهاز الاستعلامات الذي يديره الجنرال الأسطورة توفيق والذي يلم بأدق تفاصيل حياة الناس لم يسلم بدوره من النقد كونه لم يؤد دوره في دحر مئات الصفحات الخاصة في مواقع التواصل الاجتماعي وشل المجموعات التي تعمل جهارا وبشكل علني وتحولت إلى غرف عمليات حقيقية توجه أتباعها بشكل دقيق لأهداف مدروسة وكانت أحدى القوى التي ساهمت في سقوط الضحايا في مدينة القرارة مؤخرا. وتساءل البعض كيف أن الدولة بكل أجهزتها الأمنية وترسانتها الاستخبارية الماسكة بمقاليد الأمور في البلاد بقبضتها الحديدية هل يعقل أن تمر عليها هذه الكمية من الأسلحة التي تم الترويج لها في أحياء عدة وصور لها نشرت علنا استخدمت في الأحداث الأخيرة وكان تأثيرها فعالا في ازهاق أرواح الناس في هذا الشهر الحرام واستباحة أبرياء. ولا يزال سكان غرداية يطالبون السلطة بضرورة تعويض المتضررين وهم بالآلاف عما أصابهم من حرق ونهب وسرقة لبيوتهم أو محلاتهم ومنع عشرات التجار من العودة إلى متاجرهم في الأحياء التي أصبحت مقسمة بشكل عرقي وطائفي وتمنع فيها الحركة أو التجول حتى أن بعضها لاتزال تحمل شعارات عنصرية تدعو إلى تهجير السكان إلى سلطنة عمان حيث لهم أناس من المذهب ذاته.
الإنزال الذي قام به الجيش الجزائري الآن في غرداية بأمر من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي يعيب عليه السكان أنه لم يُسجل له أي دور علني فاعل في إخماد نار الفتنة لن يكون له تأثير يذكر على الأقل في المديين المتوسط والبعيد ما لم تتبعه حسبهم سلسلة إجراءات ملموسة وعملية. وتؤكد قراءة الفاعلين المحليين أن الاعتقالات التي تمت في الساعات القليلة الماضية لبعض النشطاء لو لم تصحبها خطة متكاملة واضحة المعالم لنزع فتيل الأزمة لن يكون لها دور فعال لأن الحل الأمني لن يكون مجديا لوحده من دون وصفات أخرى، ولن يعود الاستقرار إلى غرداية طالما هناك دوائر تنقل إليها صراعاتها الخفية وتتغاضى عما يحدث في أرض الميدان لتجعل منها مجرد أزمة يمكن التحكم فيها لما لها من مفعول سحري في تحويل الأنظار عن القضايا الكبرى.
نافلة القول أن الذي لا يفقهه من يسيّر أزمة غرداية أيا كان مستواه، أن الأمر ليس لعبة (بلايستايشان) يمكن وقف المعركة الدائرة في أي جولة بكبسة زر ومحو كل ما سبق، فهي فتنة يمكن أن تلتهب وتطال ألسنتها مناطق عدة وقد تصل حتى أسوار قصر المرادية حيث الرئيس وأركان وأعمدة ورجالات السلطة.

سليمان حاج إبراهيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية