«لا يمكن تسليم مجتمع أو مصير أمة لإعتقاد شخص بنفسه، أو اعتقاد محبيه فيه- محمد مهدي شمس الدين»
إن الحديث عن دعوى ضرورة ولاية الفقيه في إدارة الحكم على أنها مسألة فقهية ــ كلامية مفروضة في الإسلام(عند الشيعة مسألة الحكم كلامية ـ فقهية ويراها أهل السنة أنها فقهية بحتة) إنه غزير الدلالة في مفهومي المستبد والاستبداد الديني(يقول النائيني وهو أول عالم شيعي يطلق مفهوم الاستبداد الديني للمرة الأولى في تاريخ إيران: شعبة الاستبداد الديني، ويعتبر علاج هذه القوة من أعسر الأمور وأصعبها، وذلك لشدة رسوخها بالأذهان والقلوب أولا، ولاعتبارها جزءا من أجزاء الدين ثانيا.. إنها عبارة عن الإرادات التحكمية لا غير. وقد أظهرها المنسلكون في زي الرياسة الروحانية بعنوان الدينية وخدعوا الشعب.
لا أريد التأكيد على أنني أنفي رؤى الإسلام في إدارة الملك فثمة فرق بين القول بوجوب الحكم بنظام معين لصيق بالإسلام وبين إمكان الحكم وفق شروط ومناطات يتفق فيها بين الملك والحاكم والرعية أو الحكم بالغلبة، وأساسا إدارة الملك تمشي وفق سيرة العقلاء ومنهج العقلانية والعرف السائد والقراءة المقبولة من السياسة وتعتمد شأنية الاختيار، لا النص ولا التنصيب أو تقع السلطة بالغلبة.
إن في هذه المجموعة من المصطلحات والمفاهيم التي أتيتُ بها لالفات النظر وأنا أحشدها كماً مكثفا تأكيدا عكسيا على أن الإسلام ليس له في السياسة نظام أوجبه على الرعية أو الإنسان، وإنما راعى في ذلك إقبال المصالح وتنحية المفاسد والحلول الفتن، والمهم أن المسألة فقهية اجتهادية فلذلك نجد من خلال استقراء الفكر الإسلامي ثلة من الآراء في الفقه والاجتماع والأخلاق والوعظ واردة علينا تؤكد ما ألمحتُ إليه، إلا أنها لا تُشخص لنا ماهية للحكم الإسلامي، وأنني سوف أوردها في الموضع المطلوب في البحث الفقهي وفلسفة السياسة لاحقا.
مهما يكن فالذي يلزم البحث فيه حاليا هو الاستبداد وضروبه، وعليه لا أجد تعريفا أهم من مما قاله أرنست بولك في المستبد والذي يعنى تعليق القانون(على عزت بيغوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب:331) بخاصة لو كان المفهوم مركبا مع ولاية الفقيه في إيران (ولاية الفقيه المستبدة) فإن الظلم باسم السماء أشد قبحاً من سائر الظلم(، لأسباب منها أن الرعية تجهل الدين قبل كل شيء، وهذا الجهل يشمل جوهر الإسلام عادة في الجانب العقائدي وكذا الحكم الوحياني، ويضاف إليه عدم المعرفة بالأخلاق التي ترتضيها الشريعة، والأزيد جهلا عند الرعية هو مفهوم السياسة ذو الطبيعة المشكّكة في الإسلام؛ ذلك لأنه مسألة خلافية عسيرة. وهذا الأمر ينطبق أيضا على عدم المعرفة بما يشهده علم الحقوق(تبرز فلسفة الحقوق في جانب مهم وهو حالما تصوغ الدولة دستورا أو الطاغية أوامر فينهض الحقوقي لبيان الحقيقة في التطبيق والنظر في شأن المجتمع) والتطور في حقوق الإنسان والسياسة وفلسفة السياسة وقيم الحرية والأخلاق ومفاهيم المساواة والتنمية والأصالة والتبعية.. ودور توظيفها في الحياة اليومية بغية نيل الحياة الكريمة بتمام المعنى.
بني البشر المنشغلين بأمر المعاش وأدواته وتحصيل حاجيّته لا يمكنهم فهم ما هو مطلوب للمطالبة به من الحاكم، ومن المعلوم أن الجهل في التصديق لـــ»جوهر الإسلام» و»فلسفة السياسة» و»حقوق الإنسان» لازمه فقدان التصور السليم. ومن هذا المنطلق يؤكد جلينك أن الإعلان عن حقوق الإنسان جاء نتيجة تلكم الحركة الإصلاحية التي شهدها جانب الدين والأمر لا يعود إلى الثورة الفرنسية أبدا(الإسلام بين الشرق والغرب .
في العودة إلى مفردة الاستبداد الديني في إيران يُشترط عليّ أن أعود إلى الوراء لإبراز تصور منقول عن طبيعة الاستبداد فيها قديماً لفهم الاستبداد الديني الحاضر عبر طورانية تاريخية؛ لأنها كانت موضع اهتمام علماء السياسة القدماء، وهكذا فلاسفة السياسة اليوم، وهذا الأمر في جانب الأهمية.
لقد كان أفلاطون يرى أن الحكم في فارس يتصف عن غيره بظاهرة الإفراط، وذلك بسبب دعاوى الملوك الذين يلقبون بالأكاسرة. ومن هذا المنطلق عبّر عن نوعية الحكم بما هو خليق في وصفه: الحكم الإفراطي، بمعنى أنه النظام الذي يبالغ في الدعوى إلى السلطة وضرورتها حسب ما يصوغه للرعية، ولم يغفل أيضا عن بلاده فحينما يصف أثينا يؤكد أنها قد أصيبت بالغلو في الحريةولا يلذ لي أن أنبري عاجلا دونما وقفة حسنة في الحديث عن فارس وطبيعة التي شهدتها هذه الأرض.
يؤكد الجابري أن الاستبداد يعود إلى ما شاع من طبيعة الحكم عند الأكاسرة الفرس في إدارة الملك في غابر الأزمنة وهذا ما يلجه ضمن عنوان القيم الكسروية تغزو الساحة! وفي هذا البحث المهم يكشف الجابري عن الثقافة السائدة عند الأكاسرة في أن الدين يعني طاعة الرجل! وكل شيء يدور حول الملك كسرى وأن كسرى صنم لا يغيّب عن أي شيء يحاكي حضوره في وجدان الفرد الفرسي: حضور الله! فإذا ما يراد تفسير هذه الظاهرة إنما المعنى أن (الدين) و(الملك) ليسا إلا توأمين. وهذا النوع من التصور يسري في النظام السياسي الاجتماعي للدولة الكسروية وقلوب رعاياها أيضا على حد سواء.
ومن هذا المنطلق فإن «طاعة الأكاسرة» و»طاعة الله» تعد من البديهيات ولا تقتبتل المناقشة. فمن هنا كان الخروج عن طاعة كسرى يبدأ بالخروج عن الدين السائد؛ وذلك لأن الثورة على حكم الأكاسرة كأنها إعلان حرب ثورية على الدين ذاته(نقد العقل العربي(والحقيقة أن التذرع بالدين لامطاء رقاب الرعية منذ أن وعى الإنسان بعثة الأنبياء أمر مشهود في تاريخ الإنسان).
كمال سلمان الأحوازي – أستاذ الفلسفة وعلوم الدين