أزمة قطر تلقي بظلالها على حريات الإعلام في الأردن: إغلاق مكاتب ومنع نشر مقالات

حجم الخط
2

عمان ـ «القدس العربي»: ألقت الأزمة الخليجية الأخيرة مع دولة قطر بظلالها على حرية الإعلام في الأردن خلال شهر حزيران/يونيو الماضي، حيث وثق التقرير الرصدي الشهري لحالة الحريات الإعلامية في الأردن حالتين فرديتين تضمنتا 11 انتهاكا ماساً بحرية الإعلام.
والحالتان تمثلتا في قرار الحكومة إغلاق مكتب قناة «الجزيرة» في الأردن ووقف اعتمادها، إضافة إلى الرقابة المسبقة ومنع النشر لخمسة مقالات رأي للكاتب عريب الرنتاوي في صحيفة «الدستور» اليومية من دون إبداء الأسباب، وجميعها تناولت موضوع الأزمة في الخليج مع دولة قطر.
ويبين التقرير الذي يعمل على إعداده فريق برنامج رصد وتوثيق الانتهاكات الواقعة على حرية الإعلام في الأردن «عين» والتابع لمركز حماية وحرية الصحافيين نوع الانتهاكات التي تضمنتها الحالتين ونوع الحقوق الإنسانية المعتدى عليها والجهات المنتهكة.

إغلاق مكتب قناة «الجزيرة»
وسحب ترخيصها

بتاريخ 6/6/2017 قررت الحكومة إغلاق مكتب قناة «الجزيرة» القطرية في الأردن إضافة إلى وقف اعتمادها، وذلك بعد تصريح وزير الدولة لشؤون الإعلام محمد المومني لوكالة الأنباء الأردنية «بترا» أن هذا القرار أتى بعد دراسة أسباب الأزمة القائمة بين السعودية ومصر ودول أخرى من جهة ودولة قطر من جهة ثانية، بحيث ترافق القرار مع إعلان الحكومة تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي مع قطر.
وفي اتصال هاتفي أجراه فريق برنامج رصد وتوثيق الانتهاكات الواقعة على حرية الإعلام في الأردن «عين» مع مدير مكتب قناة «الجزيرة» في الأردن حسن الشوبكي لسؤاله عن أبعاد هذا القرار وحيثياته، قال: «لم نتلق أي كتاب رسمي من الحكومة ولم تردنا أي معلومات بشكل مسبق عن الموضوع».
وأضاف: «بعد صدور القرار وتداوله عبر الوسائل الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي، تلقينا اتصالاً من مدير هيئة الإعلام ليعلمنا بسحب اعتماداتنا كقناة عاملة في الأردن».
وعند سؤاله عن مصير العاملين في القناة بعد صدور القرار المذكور، أجاب: «قناة الجزيرة ملتزمة تجاه العاملين في إطار كادرها في الأردن على اختلاف مواقعهم الوظيفية والبالغ عددهم 11 شخصاً».
وأجرى الراصدون في برنامج «عين» اتصالاً هاتفياً مع مدير هيئة الإعلام محمد قطيشات من أجل معرفة موقف الهيئة من القرار المذكور، فرد القطيشات بالقول: «الهيئة جهة تنفيذية ليس لها إلا الالتزام بقرارات الحكومة ولا توجد أي تعليقات أخرى حول تفاصيل القرار وحيثياته سوى تصريح وزير الدولة لشؤون الإعلام».
وكان مركز حماية وحرية الصحافيين قد أعلن في بيان صادر عنه بتاريخ 7/6/2017 معارضته للقرار الحكومي بإغلاق مكاتب قناة «الجزيرة» في الأردن وسحب ترخيصها، وأتى في البيان ما يلي: «قرار الحكومة بإلغاء تراخيص قناة الجزيرة غير معلل ولا يوضح إن كانت قد ارتكبت أية مخالفات، ولذلك نعتبره تضييقاً على حرية عمل وسائل الإعلام».
وعن رأي المركز بفاعلية القرار الحكومي في الحد من قدرة قناة «الجزيرة» على الاستمرار في عملها الإعلامي، قال البيان: «أن سحب تراخيص قناة الجزيرة لن ينهي قدرتها على تغطية ما يحدث في الأردن بعد أن أصبح كل الناس في زمن وسائل التواصل الاجتماعي منتجين ومزودين للمحتوى».
وفي بيان لها نشر بتاريخ 14/6/2017 أدانت منظمة «هيومن رايتس ووتش» القرار الحكومي، من خلال اعتبارها أن إغلاق المنافذ الإعلامية القطرية أو المتعاطفة معها يعتبر انتهاكا لحرية التعبير.
وصرحت المنظمة على لسان مديرة قسم الشرق الأوسط فيها سارة ليا ويتسن بالقول: «لا يحق للحكومات إغلاق المنافذ الإعلامية وتجريم التعبير، بقصد إخماد الانتقادات التي تعتبرها مُزعجة». وأضافت «يحتاج الإعلام للحماية من التدخلات السياسية، لا للتكميم من طرف السلطات. على الحكومات المخالفة أن تُظهر فهمها واحترامها لدور وسائل الإعلام، حتى وإن لم تتفق معها».
ويعتقد الباحثون في برنامج «عين» أن إغلاق قناة «الجزيرة» وسحب ترخيص عملها في الأردن من قبل الحكومة يتضمن تعدياً على الحق في حرية الرأي والتعبير والإعلام وحق المجتمع في المعرفة.
والجدير بالذكر أن سحب اعتماد القناة في الأردن، يحول دون ممارسة الإعلاميين لعملهم الصحافي باسم «الجزيرة» أو البث أو اجراء المقابلات أو اللقاء أو التصوير في الأماكن العامة والخاصة.

منع نشر 5 مقالات رأي

وقامت إدارة تحرير جريدة «الدستور» بمنع نشر خمسة مقالات للكاتب الصحافي عريب الرنتاوي خلال شهر حزيران/يونيو من دون وجود أسباب واضحة وصريحة جرى تقديمها بشكل مباشر إلى الرنتاوي.
وتناولت كل مقالة من المقالات الخمسة جزئية وحيثية معينة من الأزمة الخليجية القائمة بين عدد من الدول العربية ودولة قطر، وذلك من خلال مواكبة الكاتب للأحداث الطارئة على هذه الأزمة والأخبار المتسارعة المحيطة بها، وجاء منع المقالات حسب التسلسل التالي:
بتاريخ 7/6/2017 منع نشر المقال الأول «الأردن والأزمة الخليجية» الذي جاء في الدرجة الأولى احتجاجا على القرار الحكومي بتخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي مع قطر إلى جانب اغلاق مكاتب قناة «الجزيرة» وسحب تراخيصها في البلاد، ودعا المقال صناع القرار إلى أن تنأى بنفسها عن الخلاف الخليجي ـ الخليجي، وألا تتخذ موقفا إلى جانب طرف ضد طرف، مشيرا إلى أن الأردن غير قادر على لعب دور الوسيط في هذه الأزمة بحكم علاقته الفاترة مع قطر، وعدم القدرة على التأثير على الرياض بحكم التبعية الاقتصادية في الأساس.
وفي اليوم الثاني على التوالي بتاريخ 8/6/2017 منع المقال الثاني المعنون «لماذا الزج بحماس في الأزمة الخليجية الراهنة؟!» من النشر والذي تناول مطلب الدول المقاطعة لقطر بالكف عن دعم حركة المقاومة الإسلامية «حماس» وطرد قادتها من الدوحة على وجه السرعة، كما جاء فيه أن حجة الأنظمة السياسية الساعية إلى ربط حماس بجماعة الإخوان المسلمين غير منطقية لأن الشارع العربي في الدرجة الأولى اعتاد على التمييز بين التنظيمين، بحسب المقال.
أما عن المقالة التي أتت تحت عنوان «أقلمة الأزمة الخليجية» والتي منعت بتاريخ 20/6/2017، والتي أشار فيها الكاتب إلى الأزمة الخليجية غير مقتصرة على الدول الخليجية فقط، بل أنها مرتبطة في أغلب دول الإقليم الشرق أوسطي، وهذا بحكم التشابك المصلحي بين الدول الرئيسية في الأزمة والدول الثانوية، كما تطرق المقال إلى تبيان موقف تركيا وإيران والمغرب والسودان من الأزمة.
وبتاريخ 23/6/2017 منع المقال الرابع للرنتاوي الذي أتى تحت عنوان «زلزال بن سلمان وارتداداته» والذي استعرض فيه حدث تنصيب الأمير محمد بن سلمان وليا للعهد بدلا من الأمير محمد بن نايف في سابقة تاريخية تنقل الحكم في المملكة العربية السعودية من شكله الأفقي بين الأشقاء والأخوة، إلى الشكل العمودي بين الأب وابن، بحسب المقال. كما أشار الرنتاوي في مقاله هذا إلى توجهات «الأمير الشاب» التي يعتبرها ساعية إلى الانفتاح المجتمعي الداخلي في مجال الحريات العامة، ونقل السعودية من الاعتمادية الاقتصادية الكاملة على النفط إلى التنويع الاقتصادي الإنتاجي في مختلف المجالات، وهذا ما «تضمنته رؤية السعودية 2030» التي أشرف عليها الأمير المذكور بنفسه.
المقال الأخير الممنوع من النشر بتاريخ 24/6/2017 عنوانه «قائمة الشروط المستحيلة» والتي افتتحها الرنتاوي بوصف الثلاثة عشر شرطا المقدمة من الدول المقاطعة لقطر مقابل عودتها إلى البيت الخليجي بالقاسية والمجحفة، معتبرا أنه في حال رضخت قطر لهذه الطالب أو الشروط ستفقد استقلاليتها وستتحول إلى ولاية خليجية أو بحسب تعبير الرنتاوي إلى «نمر من ورق»، وأن هذه المطالب التعجيزية ستطيل أمد الأزمة إلى جانب تعقيدها بشكل كبير.
وقام الراصدون في برنامج «عين» بإجراء اتصال هاتفي مع الرنتاوي لسؤاله عن تفاصيل منع مقالاته من النشر، فقال: «على الرغم من اتصالي بأحد أفراد جهاز التحرير في جريدة الدستور للاستفسار عن أسباب المنع إلا أنه لم يتم تقديم أي مبررات»، وأضاف: «أردت التوصل إلى صيغة من أجل مقالاتي المقبلة إلا أنني لا أعتقد أنه سيتم التوصل لهذه الصيغة، لأن منع مقالاتي من النشر ليس بالأمر الجديد».
وعند سؤاله عن سبب منع مقالاته المتعلقة بموضوع الأزمة الخليجية وأبعادها وحيثياتها خلال شهر حزيران/يونيو قال الرنتاوي: «أنا ابن المنطقة العربية، ولا أستطيع كباحث سياسي في الدرجة الأولى أن أتغاضى عن هذا الموضوع الذي يمس المجتمع الأردني إلى هذا الحد أو ذاك، كما أنني لا أستطيع أيضا أن أكتب في موضوع الأزمة الخليجية تبعا للخطاب الرسمي».
واختتم بالقول: «أمارس رقابة ذاتية على بعض المقالات التي أقوم بكتابتها بهدف نشرها، مع أنني لست مجبرا على ذلك».
ويعتقد فريق برنامج «عين» أن الضغوطات التي قد تتعرض لها المؤسسات الإعلامية من الحكومات أو الأجهزة الأمنية عند نشر ما يتعلق بقضايا الشأن الداخلي أو العربي والدولي لها الأثر في منع نشر جملة من مقالات الرأي ما ينعكس سلباً في تداول المعلومات والآراء وانسيابها في إطار حق الجمهور في المعرفة.
وبلغ عدد الانتهاكات التراكمية التي وثقها برنامج «عين» خلال النصف الأول من العام الحالي 2017 (كانون الثاني/يناير، وشباط/فبراير، واذار/مارس، زنيسان/أبريل، وايار/مايو وحزيران/يونيو) 82 انتهاكاً، تعرض لها 41 إعلامياً، و3 مؤسسات إعلامية، وجميعها وقعت في 16 حالة، منها 14 حالة فردية وحالتين جماعيتين، وتضمنت انتهاكات المنع من النشر والتوزيع، وحجب المواقع الإلكترونية، والرقابة المسبقة، والاعتداء الجسدي، والإصابة بجروح، والتهديد بالإيذاء، والمضايقة، والاعتداء على أدوات العمل وحجزها، والمنع من التغطية، وحجز الحرية التعسفي، والاعتقال التعسفي، والمعاملة المهينة وعدم منح ترخيص عمل.
ويؤكد مركز حماية وحرية الصحافيين على إصدار التقارير الشهرية، إضافة إلى عمله في رصد ومتابعة مواقف المنظمات الدولية المعنية بحرية الإعلام والمعترف بها في الأمم المتحدة، إلى جانب رصد ومتابعة مدى تنفيذ الحكومة لتوصيات الاستعراض الدوري الشامل المتعلقة بالإعلام، وتوصيات لجنة مناهضة التعذيب واللجنة المعنية بالحقوق المدنية والسياسية التي يعمل المركز على تقديم تقارير مختصة لها بما يتعرض له الإعلاميون من انتهاكات على حقوقهم الإنسانية.
ويعمل برنامج «عين» إلى جانب وحدة المساعدة القانونية للإعلاميين «ميلاد» التابعين لمركز حماية وحرية الصحافيين بشكل مشترك، أولاً لرصد وتوثيق الانتهاكات، وثانياً تقديم العون القانوني للإعلاميين إن احتاجوا لذلك.

أزمة قطر تلقي بظلالها على حريات الإعلام في الأردن: إغلاق مكاتب ومنع نشر مقالات

طارق الفايد

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية