أسئلة الوجود والعدم في «قلب الثلج» للمغربي نور الدين الزويتني

حجم الخط
0

يحضر السؤال الوجودي بقوة في ديوان «قلب الثلج». وتهدف هذه الورقة إلى إبراز جانب من هذا السؤال المفترض من خلال التركيز على الرؤية القلقة التي تربط الذات الشاعرة مع العالم، ومن خلال البحث في هذا السؤال نَعْبر إلى اكتشاف الخلفية الثقافية لصوغ الإشكال الإبداعي عند الشاعر نورالدين الزويتني.
سؤال جدوى الوجود والكتابة
يحرك الإحساس بالخطر المطوق للذات الجماعية أسئلة القلق النابعة من إحساس بالفناء. ولا يتبقى أمام الشاعر أفق للمصير ولا دليل ولا علامة تقود إلى الخلاص، فلا جدوى للحكمة والمعرفة. ولم يتبق سوى إعلان القيامة والكشف عن هول المقبل. يقول الشاعر في قصيدة «ضفاف يحرثها الخطر»:
«آتون هكذا
في هيئة الشطار
والهكسوس
والبدائيين
كي نعلن القيامة
عن الذي يحاك بالجسد ضد الجسد،
وبالروح ضد الروح
والبشرية
ضد البشرية»
ومن سؤال جدوى الوجود الذي يحمل أسئلة مرعبة، يولد سؤال أكبر يتعلق بجدوى الشعر «في الشعر لا أمل لا طائل»، فصورة «رأس كافكا» يقابلها صوت جوزيف برودسكي في رسالة عن هذا الجنس المسمى بشريا.
«الرسالة نفسها
الممهورة بختم جوزيف بروديسكي
وسؤاله المرعب
«من حشرني ضمن الجنس البشري؟»
أما المرأة
فهي الهابطة الآن درج القصر
حاملة رأس كافكا»
تحمل هذه الأسئلة الوجودية القلقة اللاجدوى للشاعر:
«لا أمل لا طائل
أيها الشاعر»
ويحمل منها كيس خسارات وندوبا وتعبا طويلا، ويحمل الشعراء حتى بعد موتهم في صدورهم هذه الأسئلة نوبات سعال حادة. سؤال الكتابة يصبح سؤال وجع، فبالوجع يكتب الشعراء وإليه ينتهون، فالشاعر يرتكب في نفسه أكبر الفظاعات لينقد روحه التي تصطك بردا من فظاعات الوجود، فينتهي كـ»امرئ القيس، ومالرو، والحلاج، وشاترتن، وبايرون، وسيلفيا بلاث، والسياب…»، قائمة منذورة للانتحار والمرض والعشق والغرق والشنق.
سؤال الحقيقة والشبه:
ينتقل سؤال جدوى الكتابة إلى سؤال العالم الذي يتغير بقسوة، وأمامه يعيش الشاعر حاملا ألواح التيه، فتصبح الحقيقة صحراء بلا ملاذ.
يقول الشاعر:
أي إله حي
رضي أن يحشرك
في صحراء سموها
أرضا….؟
وفي تصادم الذات الشاعرة مع العالم يولد سؤال أكبر واستثنائي. يقول الشاعر: «لكن أن تكون هو السؤال!»
وهناك تتميز الرؤية التي لا ترتاح للمتشابهات، تنكر التماثل بين الواقع الأجوف والخيال الخلاق، فتشتغل لعبة النفي والسؤال في محاورة للذات والعالم. تختل صورة المدينة، يقول الشاعر «في هذه المدينة التي لا تشبه صورتها على الورق»، وصورة السماء «سماء لا تشبه السماء»، وصورة الحياة والموت «ليس عن حياة تشبه الحياة أو عن موت يشبه الموت». فينفجر الرأس «المحشو بخراطيش الأرق» أسئلة وجودية أكبر:
«هل المدن هي المدن؟»، «هل القلب هو القلب؟»، «هل المرأة هي المرأة؟»، «هل الطريق هو الطريق؟»، «هل الرغبة هي الرغبة؟»، «هل الأمم هي الأمم؟»، «هل القرى هي القرى؟».
كل هذه الأسئلة تتناثر على مدار الديوان حادة ومستفزة، صوت عمودي على صوت مختل، وكأن نبوءة بلانشو تتحقق: إلى أين يسير الأدب؟ إلى حتفه، إلى النهايات التي تنتظرنا مثلما انتظر الموت الخادم في قصة «سمراء» لغارسيا ماركيز.
القصيدة نفسها تلك الكبسولة التي يطلقها المبدع في وجه العالم، لم تعد تحولاتها قادرة على التشظي أكثر من عالم يتفتت في الخصوصيات ليتشكل كليا من جديد في إيقاع واحد يبعث على الضجر ويعمق الاغتراب حيال الذات والآخر والفضاء والأشياء المترامية على حافة القيامة- الموعد الذي يتأجل كل يوم في انتظار صيغة تجرب عليه «بعثا» منتظرا.
هي إذن إشكالات الإبداع الذي لم يعد مطالبا بإعادة تشكيل العالم، أو بالبحث عن الممكنات من خلال الكائنات، ولم يعد يبحث عن نبتة «الخلود»، بل أصبحنا ملزمين بتأمله ككائنات ثقافية تحتضر وتتحول إلى تماثيل.
إسمحوا لي أيها السادة أن نزور «سمراء» قبل أن نطرح سؤال عن قصة الكائنات التي تسكن «قلب الثلج»، في قصة للكاتب الكبير غارسيا ماركيز تحمل عنوان «الموت في سامراء»:
وصلَ الخادمُ مرعوباً إلى بيت سيده.
– قالَ. سيدي. لقد رأيتُ الموتَ في السوق وأشارَ إليَّ بإشارةِ تهديد.
أعطاهُ السيدُ فَرَساً ومالاً، وقالَ له:
– إهرُب إلى سامراء.
هربَ الخادمُ.
في بدايات المساء، التقى السيدُ الموتَ في السوق، فقال له:
ـ أشرتَ هذا الصباح إلى خادمي بإشارة تهديد.
– لم تكن إشارة تهديد ردَّ الموتُ؛ بل إشارة اندهاش، لأنني رأيتهُ
هنا بينما كان عَليَّ أن آخذهُ هناك بسامراء، هذا المساء بالذات»
ألسنا من يعيش عالما يتكّونُ من مجموعة تناقضات وجبريات، وعلينا، على قاعدة شروط الجبر والحتميّة إيّاهما في قصة ماركيز، أن نتعايشَ معهما بتوازنٍ يّجنبنا خسارتنا لأنفسنا، ولأننا، هنا والآن، بصدد الحديث عن قواعد «بما تعنيه من ضوابط رابطة، ومحدِدِة، وشارطة، ومتحكمّة، ولازمة، إلخ» بالتجاور مع الفن «بما يشيرُ إليه من انعتاقٍ، وانطلاقٍ، وانفساحٍ، وفضاءات مفتوحة، وتَوقٍ للخروج، إلخ».
سؤال «قلب الثلج» سؤال وجودي وثقافي
قصائد ديوان «قلب الثلج» مثقلة برمزية تمتح من عوالم الحكي الإنساني العابر للثقافات، يمتد من العصر اليوناني إلى الروماني إلى عصر النهضة… ويسافر في قيامة المسلمين و«أبوكليبس» اليهود… يحمل خيبة أمل «العقيد أورليانوس» الذي عاش عزلته لوحده وأرسل لعنة لعزلة العالم، ويعيد بعث قصة «أهل دابلن» أشباحا يرميها جويس في وجه كل عابري سبيل هذا العالم…
يقول الشاعر:
أنا عرفت
بندبة في الخد أفلاطون
بالشعر المرجل
شيشرون،
بنجمة دانتي
جوزيف بودسكي وشكسبير والمجنون وديك الجن وليلى الأخيلية وصمويل بيكيت وجيمس جويس وبو ورامبو وامرؤ القيس ومارلو والحلاج وبايرون وسيلفيا بلاث والسياب … يبعثون بعيدا عن ضوضاء المدينة … يسافرون مع المرض والموت والقسوة والتعصب والكراهية… ويصبحون شهودا على أسئلة «معلقة» حبلى بالشك والاتهام… لا تنحو إليهم القصيدة إلا لتعبر صرختهم بالتجاور إلى صرخة أخرى، متعمدة خرق حدود الرمز إلى بناء مقولي يستند إلى لعبة تجريب ما يمكن أن يولد المعنى اللانهائي للإبداع.
من هنا يدرك قارئ الديوان خصوصية المشروع الذي انتدب الشاعر الزويتني نفسه لتحقيقه في «فضاء نصي» مطبوع بالاقتصاد والإضمار، فضاء تتجاور فيه أقنعــــة الوعـــي وصور الآخر وشظايا الذوات وانهيارها، وتغمرنا جدلية الاستهواء بما هي اشتباك شرس لنوايانا ومقاصدنا ومعاكسات للعالم.
إن قصائد الديوان تبدو طاعنة في الوعي الفني والجمالي، ومنها تبدو الرموز حاذقة في الإشارة إلى الموت، موت النظام والمتوقع والمألوف. وبالمقابل ولادة السؤال الوجودي من تجربة الثقافة المنفتحة على عوالم الأسطورة والرمز والتناصات المحفزة على الحفر في ثنايا الوجود البشري الذي أصبح يعيش في المقابل الآخر للثقافة.

٭ باحث من المغرب

أسئلة الوجود والعدم في «قلب الثلج» للمغربي نور الدين الزويتني

إبراهيم العدراوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية