أعاد تفجير الكنيسة البطرسية في العاصمة المصرية القاهرة الذي ذهب ضحيته 25 من المصلّين أغلبهم من النساء والأطفال الأذهان مجدداً إلى النار المعتملة في النسيج المصريَ وتمظهراتها العنيفة، ورغم موجة ردود الفعل المتعاطفة من الجمهور المصريّ العامّ، وأغلبيته المسلمة، فإن الحادثة أشعرت الأقباط المصريين، مجدّداً بأنهم مستهدفون كأقلية دينية، وهو ما عبّر عن نفسه بغضب شديد ضد الحكومة المصرية بسبب مسؤوليتها المفترضة عن حماية مواطنيها من هذه الهجمات، وباشتباكات مع الأمن واعتداء على إعلاميين عند اقترابهم من موقع الجريمة.
يعيد الحادث التذكير بحوادث سابقة كما حصل عام 2011 في عملية انتحارية استهدفت كنيسة في الإسكندرية، وبحسب مصادر فقد سجل منذ ذلك الوقت أكثر من 130 هجوماً على الكنائس والممتلكات القبطية بعد استلام الرئيس عبد الفتاح السيسي السلطة، يضاف إلى ذلك إعدام تنظيم «الدولة الإسلامية» في ليبيا 21 قبطياً العام الماضي.
ما تشير إليه الأحداث المذكورة هو ارتباط تزايد الهجمات على الأقباط المصريين بالحالة السياسية ـ الأمنية المتدهورة في البلاد، كما كشف الإعلام عام 2011 عن علاقة وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي بهجوم 2011 على كنيسة في الإسكندرية وجود سوابق عن إمكانية لجوء الأجهزة الأمنية لإشعال الفتنة الطائفية أو محاولة إرهاب الأقباط وتطويعهم للانتظام في سرديّة صلبة واحدة لتأييد النظام في كل ما يفعله، وبالتالي فإن تحميل المسؤولية عن الهجمات على الأقباط إلى «الإخوان المسلمين» أو حركة «حسم» التي راج صيتها مؤخراً، وهي الجهة المفضّلة لدى السلطات المصرية للاتهام، وليس تنظيم «الدولة الإسلامية» الذي أبدى أتباعه على وسائل التواصل الاجتماعي فرحتهم بالحادثة، هذا الإتهام يزيد الشكوك بنوايا الحكومة.
بسبب هذه الحمولة السياسية الفائضة المقصودة التي تلصق التهم أوتوماتيكياً بالإخوان فقد تداول المصريون بالنقد أخبار الحادثة كما نقلتها الرواية الرسمية والتي بدأت بالكلام عن تهريب المنفذ حقيبة مليئة بـ12 كلغ من المتفجرات وتفجيره نفسه رغم إمكان تركه الحقيبة وهربه، وبعد ذلك ترك بطاقته الشخصية لتسهيل مهمة التعرف عليه.
كما تداول ناشطون صورة للمنفذ محتجزا في 15/3/2014 وفي حوزته سلاح وقنبلة يدوية بحسب التقرير الذي سجل محضرا بالواقعة في قسم شرطة الفيوم، مع ذكر المحضر أن عمر محمود شفيق محمد احمد كان 16 عاماً، وبالتالي فإنه يوم الحادث بعمر 18 عاماً وليس 22 كما ذكرت السلطات، وهاتان الواقعتان تعكسان استعجالاً يبعث على الشكّ، فإذا كان المنفذ قد اعتقل بتهمة من هذا النوع الثقيل فهو يفترض أن يكون سجيناً وبالتالي غير قادر على تنفيذ الجريمة. وما يزيد من الشكوك هو إعلان عائلة «الانتحاري» أن الصورة ليست له، وأنه موجود في السودان.
أثار أيضاً تصريح الرئيس المصري الذي يطالب مواطنيه بعدم اعتبار ما حصل خللاً أمنيّاً الجدل بدوره، فإذا كان التسلل إلى كنيسة مليئة بالمصلّين ونقل كمية كبيرة من المتفجرات أدّت إلى مقتل كل هؤلاء الضحايا ليس خللا أمنيّاً فما هو التوصيف الصحيح له؟
غير أن أكثر ما يثير الارتياب في رد فعل السلطات المصرية على الحادثة هو إعلانها عن خطط جديدة «لتشديد القوانين» العسكرية والأمنية، كما لو أنها كانت تنتظر هذه الحادثة البشعة لزيادة المشهد المصري بشاعة، وكأنها لا ترى أن تشديد قمعها هو وجه العملة الآخر للتطرف وأنه لا يفعل غير أن يؤجج الأزمات التي تهدد مصر، وأن النظام بذلك يتحوّل إلى آلة استئصال واسعة لأي نأمة أو حركة صادرة ضده.
في تسرعه باكتشاف متهمين وأخطائه وتصريحاته العجيبة و»خططه» الجديدة (التي هي نسخ عن خططه القديمة) لا يتعلّم النظام في مصر من الماضي وبالتالي فهو بالتأكيد لا يفكر في المستقبل.
رأي القدس