عمان- «القدس العربي» : لا تميل نخب القرار المركزي في الحالة الأردنية إلى التحدث بصراحة عن المعطيات ومسار الأحداث. الميل يصبح عنيفاً في الاتجاه المعاكس عندما يتعلق الأمر حصرياً بقضية أمنية حيث عادات وتقاليد مستقرة في الإدارة والقرار تتحفظ على الشفافية وترتاب بتداعياتها خصوصاً وسط شارع متقلب في مزاجه ويعبر بصفة مستمرة عن أزمة مصداقية الخطاب الرسمي.
ففي المسألة الأمنية الأخيرة تغيرت الأحوال. وهنا تقر بصيغة ضمنية وزيرة الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة جمانة غنيمات ويقر معها خبراء ومراقبون بان ارتفاع منسوب الشفافية في التعاطي مع الحادث الأمني الأخير في مدينتي الفحيص والسلط قدم مساهمة فعالة في احتواء الرواية السلبية وتحشيد الجمهور وراء حالة تدين اي محاول للمساس بالأجهزة الأمنية.
لذلك يلاحظ الدكتور عمر الدبعي الخبير في قياس اتجاهات الرأي العام وباحث استطلاعات أن نمو فتح السلطة لصنبور المعلومات يساهم في تعزيز مصداقية الخطاب الرسمي. ويقر رئيس الوزراء شخصياً الدكتور عمر الرزاز وفي اجتماعات التقييم خلف الستارة أن حكومته توفقت في تقديم الرسالة التي تريد توجيهها لجميع الأطراف وعنوانها التقدم برواية فيها قدر غير ضار من الحقيقة والمعلومات أفضل بكثير منتج وطنياً أكثر من الاحتجاب المعلوماتي والخوف او الرهبة من انفتاح المعلومات. فكثيرون في السلطة لا يشترون هذه الرواية لأن احد التقاليد الراسخة في الإدارة الأردنية تلك التي المح لها بإسقاط سياسي في الماضي مخضرم من وزن الرئيس عبد الرؤوف الروابدة على هامش نقاش مع «القدس العربي» عندما تحدث عن صعوبة تحدث الإدارة عن مشكلاتها خصوصاً في السياق العلني.
في كل حال دلالات عميقة برزت على هامش التفاعل مع البعد الاجتماعي والوطني في الأزمة الأمنية الأخيرة خصوصاً وأن مراكز الثقل الأمني في الدولة لا تنفي لا هي ولا المؤسسة السياسية تلك الاحتمالات المتعلقة باستهداف الأمن الداخلي الأردني مجدداً وتكراراً بعد محاولات المساس الأخيرة ضمن معطيات لا تزال غامضة.
وهي معطيات لها علاقة اولاً بتداعيات ما يحدث في الإقليم خصوصاً بعد اقتراب اغلاق صفحة تنظيم داعش في سوريا وإسدال الستارة عن مسرحيتها في العراق في رسالة ترتاب بان ثمة اجندات مشبوهة تسعى للتأزيم في الأردن بصيغة لا يتحدث عنها ساسة عمان لكنها تكاد تكون بمثابة سؤال المليون والمرحلة في هذه اللحظة.
وثانياً لها علاقة مباشرة تدلل عليها بعض خفايا وخلفيات احداث مدينة السلط والفحيص الأخيرة وتتعلق بصعوبة احتمال قوانين الفراغ الفيزيائية في الواقع السياسي حيث حواضن موجودة أصلاً في سياق التشدد والتطرف الديني والتكفيري. وحيث مقلدون لداعش وشقيقاتها ومتقمصون وأدلة على احباط الأمن لأكثر من 55 مشروع ذئب منفرد وطاقة كبيرة تبذلها تحديداً إدارة المخابرات العامة وهي تجمع وتراقب باحتراف وخبرة عميقة في الوقت الذي تزداد فيه التحديات الأمنية تعقيداً.
ثمة في الأفق المحلي «ذئاب نائمة».. هذا تعبير امني جديد في الواقع يقفز إلى الذهن عند التدقيق ببعض معطيات ما يسمى بعملية الفحيص وخلية السلط حيث ووفقا للبيانات الرسمية التي لا تفصح عن الهويات والأسماء مجموعة ارهابيين شباب من السياق التكفيري نامت في الظل واستيقظت فجأة تحت ضغط مجهول وقررت التحرك ضد المجتمع والدولة واستهداف البنية الأمنية للنظام وليس الخاصرة الشعبية.
الأخطر حسب البيانات نفسها في الصف الرسمي هو عدم وجود سجل إرهابي لأولئك الشباب الذين تحاكمهم اليوم محكمة أمن الدولة معروف سابقاً. ويحتفظ الأمن بالمعلومات الأدسم لأغراض التحقيق والوزيرة غنيمات تعلن أن سرية التحقيقات اساسية لإكمالها حتى وهي تعرض فوائد ومكتسبات الشفافية الحكومية. فلافت جداً هنا ان الشارع ولأول مرة يظهر تفهماً كبيراً لجزئيات الجانب السري في التحقيق الأمني، الأمر الذي لم يكن يحصل في الماضي. بمعنى أن اتجاه الشارع الأردني بمختلف تكويناته وتلاوينه بما فيه تلك التي تخاصم الدولة او تعارضها او تلاحظ عليها يتفهم سرية التحقيق لإكمال مسيرته ونجاحه ويتعاطف وبشدة مع الضحايا من رجال الأمن وهو يزف الشهداء منهم في حالة ادانة اجتماعية ملموسة وفي الواقع غير مسبوقة لكل ناشط تكفيري او ذئب منفرد يخرج عن القانون أو ينام ويقرر الاستيقاظ فجأة. ولا يريد الأردنيون إظهار أي تفهم من أي نوع لأي عملية اجرامية تستهدف بنية الأمن في الدولة. والخصومات السياسية بما فيها تلك العنيفة مع الدولة تم إرجاؤها وتأجيلها بوضوح حيث إدانة جماعية وبتوافق وطني قل نظيره لفكرة زرع عبوة ناسفة تحت سيارة درك أو تفخيخ مبنى أو حتى لفكرة العمل الجهادي الذي ينتهي بإيذاء أصغر رجل أمن أردني.
تلك رسالة شعبية بامتياز قفزت خلال تداعيات الأزمة الأمنية الأخيرة وفي اليوم التالي لما حصل في الفحيص والسلط وعلى الدولة ان تقرأها جيدًا في المقابل وتبني عليها إذا ما استيقظت خلايا القرار فجأة من سباتها البحثي والعميق وقررت مساعدة الأجهزة الأمنية على القيام بواجبها في حماية الدولة والمجتمع بتأطير الواجب البيروقراطي والسياسي والاجتماعي عبر استراتيجيات حقيقية ضد التطرف والغلو.
مثل هذا التوافق من الصعب إنكاره ليس فقط لأن معارضاً بارزاً ومن الطراز الشرس مثل ليث شبيلات تلتقط له الصور مع أقطاب من المعارضين والملاحظين على الدولة في بيوت العزاء التي أقيمت لشهداء الأمن. ولكن ايضاً لأن أكبر حزب معارض مثل جبهة العمل الإسلامي يدين ويستنكر وبشدة أي محاولة إرهابية للمساس بالأمن الداخلي وينعى شهداء الأمن.
الخلاصة واضحة هنا في اليوم التالي لأحداث الفحيص والسلط وعنوانها أن الأردني مع مؤسسته الأمنية وبدون تحفظ في المفاصل المتعلقة باستقرار المجتمع بالرغم من حصول قصور تكتيكي وميداني وطرح أسئلة لا تزال عالقة وبالرغم من غياب الاستراتيجيات الوقائية الحقيقية ضد التطرف والتشدد والعنف الإرهابي خلافاً لغياب المؤسسة السياسية عن التفاصيل.