أسئلة مهمة إلى اللاجئ السوري

حجم الخط
2

لم يعد في أي بقعة في سوريا مكان آمن. فقد تكالبت على شعبها قوى الاستبداد وقوى التخلف القادمة من القرون الوسطى. لم يعد هناك قرية آمنة ولا بيت آمن إذ لا تميز آلة القتل الأسدية الإيرانية الروسية بين طفل ومقاتل، أو امرأة ورجل. مئات الآلاف فقدوا أرواحهم، وآلاف البيوت دُمرت، حقول القمح والزيتون حُرقت، وآثار أجدادنا وتاريخنا هُدمت، وصرخة الحرية التي انطلقت من حناجر أطفال درعا ووجهت بجحيم من النار.
أين نحن في بلادنا العربية من كل ذلك، ننظر إلى سفن الغرق المتوسطية ومئات آلاف اللاجئين، بعد أن امتلأت بهم دول الجوار؟ أين نحن من استقبال هؤلاء المهجرين من بلاد العرب، ونحن نغني «بلاد العرب أوطاني من الشام لتطوان»؟ لم تُفتح أبواب دول شمال أفريقيا إلا لآلاف قليلة تُعد على أصابع اليد الواحدة، وأُغلقت تماماً أبواب الخليج (وبشهادة المنظمات الإنسانية الدولية)، والتي لا تستقدم اللاجئ السوري إلا للعمل، كأي عمالة أخرى بالعالم؟
حق اللجوء حق إنساني طبيعي، كفلته المواثيق الدولية، وواجب استقبال هؤلاء المُهجرين كذلك. الاستقبال الألماني الحافل لمئات الآلاف، والذي تبعته الدول الأوروبية الغربية الأخرى، هو النموذج الذي يجب أن يُحتذى بدل أن يُنتقد. ولتعرف عزيزي القارئ، الجواب على الأسئلة التي تُراود خُلدك، اطرحها فقط على اللاجئ السوري، أو ضع نفسك مكانه لحظة واحدة. اسأله عن رأيه باستقبال إخوته العرب، بمصر وليبيا وتونس ودول الخليج، وعن ظروفه المعيشية بدول الجوار.
في أوروبا الغربية الآن، يدخل اللاجئ من الباب الواسع، ويندمج في المجتمع الذي خرج بالآلاف لاستقباله، له حق العمل والإقامة، والتنقل والمساعدة المالية، والضمان الصحي والاجتماعي، له حق السكن وتعليم أطفاله بأحسن المدارس فوراً، والمئات فُتحت لهم خصيصاً بألمانيا.
اسأل هذا اللاجئ عن وضعه بلبنان، وعيشه بخيام تخلعها الريح، أو تحرقها شمس الصيف، أو تُدفن تحت الثلج، اسأل هذا اللاجئ عن فرص العمل التي وُفرت له، ومساواته بأخيه العربي الآخر.
اسأل اللاجئ الفلسطيني في مخيم عين الحلوة، فهو هناك منذ سبعة وستين عاماً، لماذا يُمنع من العمل في ثمانين مهنة، بما فيها الطب والهندسة، ولا يُسمح له بالبناء والتوريث والعلاج؟ اسأل اللاجئ الفلسطيني إن كان مخيم عين الحلوة، هو بالنسبة له الأفضل والأقرب والأنسب، لتحضير عودته إلى فلسطين، وهو المخيم المُحاصر ويعيش أهله على الكفاف؟ هل اللاجئ الفلسطيني هو النموذج الذي تعطيه الدول العربية للاجئ السوري الجديد؟
فإذا كان الدين المُعاملة، كما يقول المثل، فأين نحن من حُسن استقبال اللاجئ مهما كان؟ أين حقوقه ببلادنا؟ حكومات الدول العربية لم تر باللاجئ الفلسطيني إلا كونه واحدا من الأخطار التي تحدق بها، وما قد يدفع تضامن شعبها معه، إلى اضطرابات داخلية، واستقبال اللاجئ السوري قد يُهدد أمن البلاد، وثبات الحكم. هذه هي المحاور الحقيقية للسياسات العربية تجاه اللاجئين، أبناء الوطن نفسه والأمة نفسها واللغة نفسها، وفي كثير من الأحيان الدين نفسه.
انتقدنا أوروبا عندما أغلقت أبوابها لسنوات بوجههم، ونحن كذلك. أما الآن فلا يحق لنا أن ننتقد استقبالهم الحافل الإنساني، عندما نرى بيئتنا العربية. نموذج اللجوء الفلسطيني التاريخي، منذ سبعة وستين عاماً، ونموذج اللجوء السوري الآن يُحتم علينا أن ننظر أولاً إلى أنفسنا، وان نقومها ونحن دول غنية بمساحتها وثرواتها الهائلة.
اللاجئون الفلسطينيون أو السوريون بالغرب هم سند لشعبهم، والدعم الذي يؤمنه هؤلاء، على المستوى المادي والسياسي لأوطانهم، وتأثيرهم الحالي والمستقبلي على السياسة الغربية، لصالح قضايا فلسطين وحرية سوريا، هو ما يُخيف اسرائيل ويدفعها لدعم مواقف دول شرق أوروبا العنصرية، مثل بلغاريا والمجر ومساعدتهم ببناء أسوارهم العنصرية، على غرار ما تعمل بفلسطين، لأنها تخاف من هؤلاء بأوروبا، أكثر بكثير من خوفها منهم في مخيمات اللجوء بالدول العربية المجاورة، الأكثر قرباً لفلسطين جغرافياً، ولكن الأقل تأثيراً وخطراً عليها.
مئات الآلاف الذين ذهبوا لأوروبا الغربية، قد يكونون خسارة للشعب السوري، لبناء وطنهم بعد سقوط النظام، ولكنهم أيضاً قد يكونون مصدر قوة ودعم له، كما هو اللاجئ الفلسطيني في أوروبا، بينما الخسارة الحقيقية التي لا تُعوض والكارثة التي لا تُقاس، هي مقتل مئات الآلاف من السوريين تحت براميل بشار المُتفجرة. هؤلاء ذهبوا ولن يعودوا، مهندسين وأطباء وعمال ومهنيين، أطفال المستقبل وشابات وشباب الشعب، هؤلاء ذهبوا برضاء إسرائيل، وهم حقا خسارة لا تُقدر بثمن.
إن اندماج اللاجئين بدول أوروبا الغربية، سيُزود هذه الدول بقوة عمل جديدة، وألمانيا لها تجربة كبيرة. فقد استوعبت شعب دولة كاملة، سبعة عشر مليون مواطن من ألمانيا الشرقية عام 1989 بعد سقوط الجدار. وكلفها ذلك مئات المليارات، ولكنها أصبحت أكثر قوة على كل المستويات. لم يكن لتُفتح الأبواب الأوروبية بهذا الحجم، لو لم تتحرك الشعوب الأوروبية، وتُظهر انتماءها أولاً للإنسانية وترحب باللاجئين، مما أجبر الحكام على إعادة النظر بسياساتهم تجاه استقبال هؤلاء.
حان الوقت لوضع حد لنزيف هذا الجرح الدامي، وتضافر كل جهود أبناء الأمة، لنصرة إخوتهم بسوريا. فقد فتح استشهاد الطفل السوري، إيلان، أعين الغربيين على إنسانيتهم، فهل سيفتح أيضاً عيوننا على إنسانيتنا وعروبتنا؟

نزار بدران

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية