ان بناء الاساسات لنظام عالمي جديد، ولا سيما في الشرق الاوسط، والذي يتصدره الرئيس ترامب منذ بداية ولايته، آخذ في الاكتمال هذه الايام. فنقل السفارة إلى القدس، بل وأكثر من ذلك ـ الاعلان عن الخروج من الاتفاق النووي مع إيران، هما من الحجارة الاساس لهذا النظام، الذي في مركزه الايمان بقوة الولايات المتحدة لتغيير الواقع بحكم مكانتها كقوة عظمى.
اوباما لم يؤمن بأن الولايات المتحدة هي قوة عظمى. واعتقد بان إيران هي قوة كفيلة بأن تساهم في الاستقرار ولهذا فليس فظيعا اذا كان بوسعها ان تنتج سلاحا نوويا في غضون 15 سنة. رأى في عناصر الإسلام المتطرف الواقعيين، مثل «الاخوان المسلمين» وتيار روحاني في إيران عناصر من المناسب تعزيزهم للتضييق على خطى عناصر الإرهاب الإسلامي، وقد تبنى نهجا امتنع عن الصدام مع الرواية الفلسطينية، وهكذا خلق توترا في العلاقات مع اسرائيل. اما الصفقة مع إيران والامتناع عن استخدام الفيتو على قرار مجلس الامن في موضوع المناطق (2334) فكانا درة التاج في هذا النهج.
لقد أسقط ترامب كل هذه العناصر. الولايات المتحدة في نظره هي قوة عظمى يمكنها أن تستخدم قوتها الاقتصادية، السياسية والعسكرية لتصميم واقع يسهل عليها الدفاع عن مصالحها. المعسكر السنّي المعتدل واسرائيل هما حليفاها الطبيعيان، وإيران يجب لجمها والتأكد من أنها لن تتمكن من الوصول إلى سلاح نووي. وفي السياق الفلسطيني ايضا تجده يرفض الرواية الزائفة لجيراننا ويتبنى الاعتراف بالحقيقة وبالواقع، وفي ضوء ذلك نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وقلص المساعدة للسلطة الفلسطينية، طالما كانت تتمسك بالنظام الفاسد لدفع الرواتب للمخربين. ولم تردعه نزعة المصالحة من جانب الاوروبيين ومن المعارضة الروسية (مثلما اثبت في الهجوم في سوريا ايضا).
بينما في الخلفية نجد التصميم الأمريكي والاسرائيلي، فان الكرة تنتقل الان إلى ملعب الخصوم الذين استفادوا من الضعف الأمريكي في عهد اوباما. الإيرانيون غاضبون، بالطبع، لان ترامب سلب من أيديهم الهدية الرائعة التي منحهم اياها اوباما ـ مسار آمن إلى سلاح وحرية عمل لخلف هيمنة إيرانية في اجزاء واسعة من الشرق الاوسط، يمكن منها التهديد المباشر لاسرائيل ايضا. وهم يتطلعون إلى أن يردوا بقوة ولكنهم يفهمون موازين القوى الحقيقية، بما في ذلك ضعفهم الاقتصادي، الذي من شأنه ان يحتد الآن جداً. وبالتالي متوقع الان نقاش في القيادة الإيرانية. وحتى لو كانت الاصوات التي تؤيد الحذر ستزداد وستحاول التمسك بالتزام باقي القوى العظمى في الاتفاق لتبرير النهج الحذر، فان العناصر المتطرفة أكثر من شأنها أن تضع كل المنظومة في خطر التصعيد من خلال خطوة ذات نزعة قوة.
سينفس الفلسطينيون غضبهم في الايام القريبة القادمة في مظاهرات عنف ومحاولات لتنفيذ عمليات، ولكن عنما سيتبدد الدخان سيتعين عليهم ان يسألوا انفسهم إذا لم يحن الوقت لحساب النفس. تطلق حماس أصواتا أولية وغير كافية تشير إلى الاعتراف بضعفها وفي المستقبل يحتمل أن تضطر السلطة الفلسطينية ايضا إلى التصدي إلى آثار الاصرار على التمسك بمكافحةة الصهيونية والاعتراف بأن الواقع قد تغير. يخيل أن كيم بيونغ اون يري الجميع الطريق.
اسرائيل، بطبيعة الاحوال راضية جدا من خطى ترامب، التي تخلق وحدة في الرأي بينها وبين الولايات المتحدة وتعزز المصالح المشتركة بينها وبين الدول العربية البراغماتية. ومع ذلك، فإن التصدي المباشر لطهران حول مستقبل التواجد العسكري الإيراني في سوريا يتبقى مهمة ملقاة حصريا على كاهل القدس، وليس واضحا اذا كان الموقف الأمريكي في المسألة الفلسطينية متماثلا تماما مع الموقف الاسرائيلي.
معاريف 14/5/2018