أسباب الإرهاب

حجم الخط
0

الإسرائيليون، يقول ايال مجيد ردا على مقالات آفا ايلوز، لا ينفون احتلال الشعب الفلسطيني. فهم على وعي جيد بوجوده، ولكنهم يختارون مواصلة التعايش معه بسبب الخوف من الإرهاب الفلسطيني الاجرامي.
عند تشكيك مجيد بحجج ايلوز حول العمى الإسرائيلي عن الاحتلال، فانه يعرضها كمثقفة منقطعة عن احاسيس الجمهور الإسرائيلي، وتفضل ان تتخيل نفسها كامرأة تعيش «في العالم الكبير» العالمي بدلا من «الاتساخ بقاذورات البقاء» للقدس المتخلفة.
في ضوء الطبيعة القاطعة والجارفة لنفي نفي الاحتلال في إسرائيل من جانب مجيد، يمكن التساؤل فيما إذا كان هو نفسه داخل شعبه يجلس واذا كان، باستثناء «هآرتس»، يطلع بين الحين والاخر على وسائل إعلامية إسرائيلية اخرى. فمتى شاهد مؤخرا قنوات التلفزيون التجارية؟ هل سمع، مثلا، مقدمية الاخبار الوطنية في القناة 2 تتعاطى مع الوضع السياسي العسكري في الضفة الغربية وشرقي القدس في ظل استخدام كلمة «احتلال» ليس كاقتباس عن كارهي إسرائيل، اعضاء حركة بي.دي.أس بل كوصف موضوعي للوضع؟
مجيد محق، بالطبع، بقوله ان الجمهور الإسرائيلي يسلم باستمرار السيطرة العسكرية لدولته على الفلسطينيين لاعتبارات الامن. غير أن هذه الاعتبارات تستمد مفعولها من نفي الاحتلال. إذ انه إذا كان الاحتلال الإسرائيلي، كفعل عدواني، عنيف واجرامي في رده على المقاومة له، ليس موجودا في الواقع الإسرائيلي الخيالي، فواضح أن جذور الإرهاب الفلسطيني مغروسة ليس في جيلين من القمع والمذلة، بل في الكراهية الدينية الإسلامية للكفار اليهود. وحسب هذا المنطق الاشوه، فان حرمان الفلسطينيين من حقهم في تقرير المصير وسلب اراضيهم لغرض وجود مشروع الاستيطان يمكن ان يعرض كوسيلة دفاع عن النفس ضرورية وشرعية ضد الإسلام الاصولي المتعطش للدماء.
ان النفي الإسرائيلي لعناصر العدوان، العنف والاجرام الذي في مشروع الاحتلال والاستيطان ينسجم وتجاهل الغرب وجود تلك العناصر في سياسته في الشرق الاوسط الإسلامي منذ عشرات السنين.
مجيد معروف كانسان حساس، يبدي عطفا على معاناة الناس وهو يروج بثبات للنباتية، وذات مرة شبه، في هذه الصفحة، بين كارثة اليهود وابادة الحيوانات لغرض أكل لحومهم. ولكن مشكوك أن يكون نباتيا لو لم تحصل البقرات اللواتي توشكن على الموت في المسالخ على تواجد إعلامي. ففي الإعلام الغربي الراهن صرخة الحيوانات في المسالخ تسمع أكثر مثلا من اصوات ضحايا الحرب في العراق، الذين يموتون بجموعهم منذ قرر الازعر المسيحي من تكساس زرع الدمار بين المسلمين في ارضهم لغرض تقدم التنور والديمقراطية المزعومين.
فهل بُلغ ذات مرة في قنوات الإعلام الغربية كيف شعر قبل موتهم السنة في العراق ممن قتلوا في القصف الغربي؟ هل ابقى بعضهم بلاغات تمزق نياط القلب في السجلات الخلوية لاعزائهم والجديرة بان تسمع بالبث بقدر لا يقل عن بلاغات ضحايا عمليات 11 ايلول؟
لو كنا نستمع للقصص الشخصية لضحايا القصف في العراق او في افغانستان، بالضبط مثلما نتعرف على الاحلام المتحطمة للشباب الذين قتلوا في قاعة باتكلان، أفلا نكون حصلنا على صورة أكمل للعنف الاجرامي العالمي المتعاظم على خلفية التدخل العسكري العنيد من القوى العظمى في الرحاب الإسلامي الذي بين الهند وفلسطين؟ أولم يكن بوسعنا في حينه أن نقطع بسهولة بين كابول ونيويورك، بين بغداد وباريس وبين الخليل والقدس؟
سخيف هو التفكير بانه بالوقوف على الخلفية السببية الملموسة للإرهاب الفلسطيني او عمليات داعش ثمة ما هو مثابة اعطاء مبرر للإرهاب. فحتى من يرون في العدوان الغربي في العراق وفي سوريا عنصرا هاما في العملية التي أدت إلى صعود «الدولة الإسلامية» او من يقدرون بان استمرار الاحتلال هو احد الاسباب المركزية لاندلاع انتفاضة السكاكين الاخيرة، لا يمنحون خلافا لاقوال مجيد القريبة من التحريض أي شرعية لهذه الظواهر الاجرامية. الإرهاب في باريس وفي القدس يجب شجبه بكل حزم. ويجب مقاتلته بكل الوسائل القانونية. وفي نفس الوقت يجب العمل على اصلاح الواقع الذي يشجع انتشاره. المشكلة هي ان التغييرات اللازمة لهذا الغرض شفاء الغرب من الميل المريض لقصف الشرق الاوسط العربي صبح مساء «من اجل الديمقراطية»، وكبت الشهوة الإسرائيلية المسيحانية للاستيطان في الاراضي الفلسطينية معناها أن على الغرب وعلى إسرائيل أن يتغلبا على نزعة القوة والهيمنة.
هذه المهمة، كما ينبغي الاعتراف، صعبة بقدر لا يقل عن كبت الشهية السليمة لتبنيها، إذا سمح لنا أن نجري موازاة من هذا النوع ليس بالنسبة للإرهابيين المسلمين ولـ «مشرعي الإرهاب» اليساريين الهاذين، كما يقترح مجيد، بل بالنسبة لمقاتلين التنور الواقعيين من البيت الابيض ومن شارع بلفور.

هآرتس 24/11/2015

ديمتري شومسكي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية