إسطنبول ـ «القدس العربي»: تُظهر التصريحات الرسمية الصادرة مؤخراً عن كبار المسؤولين الأتراك أن أنقرة حسمت قراراها بالوقوف إلى جانب السعودية في أزمة الحج المتصاعدة مع إيران، في توجه تدعمه العديد من الأسباب السياسية والدينية، الداخلية منها والخارجية.
وعلى الرغم من أن تركيا حاولت مراراً إظهار وقوفها على الحياد وعلى مسافة واحدة من الطرفين والوساطة بينهما، إلا أن الإشادات المتكررة بأداء السعودية في موسم الحج الحالي ورسائل الإشادة بالتنظيم والأمن تُظهر مستوى الدعم التركي للمملكة.
ولم يتمكن حجاج إيران من الذهاب إلى الديار المقدسة هذا العام بفعل الأزمة المتصاعدة مع الرياض على خلفية حادث التدافع الذي شهده موسم الحج العام الماضي وأدى إلى وفاة مئات الحجاج الإيرانيين ومطالبة طهران بسحب ملف تنظيم الحج من المملكة، الأمر الذي ترفضه الرياض بشدة وتتهم النظام الإيراني بمحاولة تسييس الحج وإثارة الفتن الطائفية ومنع حجاجها من أداء الحج.
والثلاثاء، أعلن العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز أن السعودية ترفض أي محاولة لاستخدام الحج لأغراض سياسية، بعد أيام من الهجوم غير المسبوق لمفتي المملكة على إيران عقب هجوم المرشد الإيراني علي خامنئي على السعودية والأسرة الحاكمة.
رئيس الشؤون الدينية التركي، محمد غورماز، قال الثلاثاء: «رأينا أن المملكة العربية السعودية اتخذت تدابير أكبر هذا العام، وشاهدنا الخدمات والجهود الكبيرة التي بذلتها من أجل تسهيل أداء فريضة الحج»، مقدما شكره للسلطات السعودية على ذلك.
وأضاف في كلمة له من مكة: «أدينا فريضة حج رائعة جدا، وقمنا بواجباتنا الدينية بشكل رائع، وعشنا فرحتين معا.. الفرحة الأولى هي التدابير الجديدة التي اتخذتها السعودية، عقب حادثة سقوط رافعة وحادثة تدافع منى الأليمتين، العام الماضي، وأما الفرحة الثانية فهي نجاح المؤسسة التي يرأسها في تنظيم شؤون الحجاج الأتراك».
من جهته، أكد فكرت أوزار القنصل العام التركي بمدينة جدة السعودية أن «الجميع مرتاحون، خلال أداء مناسك الحج.. كانت الإجراءات من المطار وحتى المشاعر المقدسة ميسرة وسهلة وأنجزت في وقت قاسي»، لافتاً إلى أنه «دائماً ما نقدم ملاحظات ونجد في العام القادم تم تصحيحها من قبل المملكة».
وفي السياق ذاته أشار محمد جيلان، نائب وزير البيئة والبلدية التركي، إلى أن السعودية بخبرتها الطويلة تقوم بتحسينات سنوياً يشعر بها جميع الحجاج بشكل واضح، لافتاً إلى أنه أدى الفريضة قبل خمس سنوات، ووجد اليوم تغييرات كبيرة جداً في البنية التحتية للمشاعر المقدسة سواء الطرقات أو الجسور أو القطارات، لافتاً إلى «تقدير تركيا للسعودية بعد أن حافظت على الرواق العثماني في الحرم المكي واهتمامها بالثقافة القديمة مع مزجها بالتطور الحديث».
أسباب سياسية
الموقف التركي الداعم للسعودية يأتي انطلاقاً من العديد من الأسباب السياسية، أبرزها التطور الكبير الذي شهدته العلاقات بين البلدين منذ وصول الملك سلمان إلى سدة الحكم، ورغبة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تطوير أكبر لهذه العلاقات التي وصلت إلى مستوى توقيع اتفاقية للتعاون الإستراتيجي، تشمل التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
هذا التقارب بين البلدين جسدته أيضاً اللقاءات والتصريحات التي تخللت زيارة وزير الخارجية السعودي عادل الجبير قبل أيام إلى أنقرة ولقاءه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس وزرائه بن علي يلدريم والخارجية مولود جاويش أوغلو.
حيث أعرب يلدريم عن شكره لتضامن السعودية مع بلاده إزاء المحاولة الانقلابية الفاشلة، مؤكداً على «العلاقات التاريخية والثقافية المتينة التي تربط بين السعودية وتركيا»، وأعرب عن رغبة بلاده في تطوير العلاقات مع المملكة في كافة المجالات. بينما جدد الجبير تضامن السعودية مع تركيا ضد محاولة الانقلاب، ودعمها لأنقرة في محاربة الإرهاب لا سيما عملية «درع الفرات» التي يخوضها الجيش التركي في سوريا.
كما أكد الجبير وجاويش أوغلو على تطابق وجهات نظر البلدين حول القضايا الإقليمية على رأسها اليمن والعراق وسوريا، إلى جانب مكافحة الإرهاب، بينما أشار الجبير إلى عمق العلاقات السعودية التركية على الصعيد الاستخباراتي والعسكري وتبادل المعلومات والتنسيق.
وعلى الرغم من أن أنقرة لا تتخذ موقفاً عدائياً من إيران إلا أن رؤية البلدين تتعارض بشكل حاد حول معظم ملفات الصراع في الشرق الأوسط، حيث تعارض تركيا الدعم السياسي والعسكري الذي تقدمه طهران للأسد في سوريا، والحوثيين في اليمن، والحشد الشعبي في العراق.
وتقوم العلاقات بين طهران وأنقرة على مبدأ تحييد الخلافات في مسعى للحفاظ على العلاقات الاقتصادية بين البلدين، حيث يصل مستوى التبادل التجاري بينهما إلى عشرات المليارات سنوياً، واعتمدت إيران طوال السنوات الماضية على تركيا في تعزيز انفتاحها الاقتصادي في ظل العقوبات الدولية، بينما ما زالت تركيا تعتمد عليها في توريد كميات كبيرة من الغاز الطبيعي.
أسباب دينية
ينتمي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الأغلبية السنية في الشعب التركي البالغ عدده 78 مليون نسمة، بينما تنتمي الأقلية الشيعية العلوية في البلاد إلى حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة والذي تربطه علاقات متينة بالنظام السوري ورئيسة بشار الأسد العدو اللدود لأردوغان.
وترى الحكومة التركية أن من شأن أي تعزيز جديد لنفوذ إيران الديني (الشيعي) أن يؤدي إلى انحسار نفوذ تركيا الديني (السني) والسياسي، وبالتالي تعزيز موقف المعارضة التركية ضد حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يضم الأغلبية السنية المحافظة في البلاد.
وعلى الرغم من أن الحكومة التركية تسعى على الدوام بأن يكون لها نفوذ ديني لدى المسلمين خاصة في الشرق الأوسط، إلا أنها ترى في السعودية خياراً أفضل من إيران التي تدعم الجماعات المسلحة المعادية لتركيا على حدودها في العراق وسوريا، إلى جانب مسلحي حزب العمال الكردستاني حسب اتهامات منسوبة لمسؤولين أتراك.
وسعت تركيا لإظهار نفوذها في المسجد الأقصى من خلال أعمال الدعم والترميم المتواصلة هناك، ودعمت الإصلاحات التي أجرتها السعودية في الحرم المكي للإبقاء على الرواق العثماني هناك، كما حاولت القيام بمشاريع لترميم الأزهر الشريف في مصر إبان حكم الرئيس المصري المعزول محمد مرسي، ويرى مراقبون أن أنقرة ستدعم مساعي تغيير آلية إدارة الحج لولا أن المستفيد منها سيكون إيران.
وعقب حادثة التدافع في موسم الحج الماضي طالب رئيس الشؤون الدينية التركي بإدارة تشاركية لموسم الحج، لكن ومع تصاعد الهجوم الإيراني على المملكة، خرج أردوغان خلال ساعات ليؤكد دعم بلاده للسعودية وجهودها في إدارة موسم الحج لجميع المسلمين.
إسماعيل جمال