تونس ـ «القدس العربي»: روعة قاسم: يفرض إيقاع الحياة السريع نمطا متكاملا يؤثر بشكل مباشر على مستوى الخصوبة لدى النساء والرجال. وتشير آخر الإحصائيات الطبيبة إلى ان واحدا من أصل ست أزواج يجد صعوبة في الإنجاب حسب ما يؤكد الدكتور محمد خروف الاستاذ في كلية الطب في تونس واختصاصي طب النساء والمساعدة الطبية على الإنجاب. ويضيف انه كلما تم التوجه إلى الأطباء باكرا كلما زادت فرص التشخيص المبكر لأسباب تأخر الإنجاب أو العقم لدى الشريكين .
ويقول ان هناك ازديادا غير مسبوق في حالات صعوبة الإنجاب والعقم، وتركز المؤتمرات العلمية الدولية على البحث في أسباب هذه المشكلة التي تحولت إلى ظاهرة لافتة.
أسباب متعددة
ويقول الأخصائي، ان أهم سبب لتأخر الإنجاب يعود، إلى نقص الخصوبة لدى الرجال، وترتبط هذه المشكلة بأسباب صحية بحتة لكن نمط الحياة يؤثر أيضا بشكل غير مباشر مثل التلوث المتفشي في الهواء والطعام وسوء التغذية ونقص النوم وبعض العادات السيئة مثل التدخين وغيرها، وكلها عوامل تساهم في تراجع ونقص نسبة الخصوبة. ويوضح ان نقص الخصوبة هو مشكلة عالمية وليست مرتبطة ببلد معين أو بمجتمعاتنا العربية. فخلال العشرين سنة الماضية شهد العالم تزايدا كبيرا في حالات عدم الإنجاب حسب المنظمة الصحة العالمية.
وعن الأسباب النفسية وعلاقتها بالإنجاب يوضح: «كثيرا ما يتم الحديث عن تأثير كبير للضغوط النفسية على الإنجاب وهذا ما تتناقله وسائل التواصل الاجتماعي، لكن هذا لم يثبت علميا، فما يأخذ به الطب هو الأسباب الطبية البحتة». لكنه يؤكد ان هناك تأثيرا غير مباشر للظروف الاجتماعية التي يعيش فيها الزوجان مثل نمط الحياة وعدم ملاقاة الشريكين باستمرار ونقص النوم وهذا ما يؤدي إلى تراجع الخصوبة لدى الزوجين. ويوضح انه في مجتمعاتنا العربية تتعرض الزوجة إلى ضغوط كبيرة حيث يحملها الوسط العائلي في العادة مسؤولية عدم الإنجاب حتى لو كان السبب متأتيا من الرجل، هنا يؤدي تأخر الإنجاب إلى حدوث اضطرابات عصبية ونفسية عند المرأة قد تؤثر على نجاعة العلاج الطبي.
وعن مدى تأثير تناول المرأة وسائل منع الحمل في أول فترة من الزواج قال: «لا تؤثر وسائل منع الحمل على الإنجاب أو مستوى الخصوبة، ولكن تناول المرأة هذه الوسائل في عمر متأخر يؤدي إلى عدم الإنجاب خاصة إذا ما علمنا ان مستوى الخصوبة عند النساء يبدأ في الانخفاض بعد عمر 35 سنة». لذلك فإن الأطباء يجدون صعوبات أكثر في المساعدة على الإنجاب لدى النساء اللواتي تخطين عتبة الاربعين. ويضيف ان اضطراب الهورمونات عند النساء أيضا يلعب دورا كبيرا في تأخر الإنجاب، إضافة إلى أسباب أخرى تتعلق بتشوهات خلقية في الرحم.
ويعد العقم أو تأخر الإنجاب، من أقدم المشاكل الصحية لدى البشرية وتتحدث القصص الدينية عن تأخر الإنجاب مثل توجه النبي زكريا إلى ربه ليرزقه ولدا واستجاب ربه لدعائه فبشره بغلام اسمه يحيى ليرث النبوة ويواصل نهج تحقيق السلام والخلاص للبشرية. ويقف الطب عاجزا في أحيان كثيرة عن تفسير بعض الحالات التي يحدث فيها الحمل بشكل مفاجئ .
تقول ايمان خياري لـ «القدس العربي» انها اختارت مع شريكها تأجيل الإنجاب إلى حين تحقيق الاستقرار المادي الذي يهيئ الظروف الملائمة لولادة طفل بكل ما يحمله هذا الحدث الهام من مسؤوليات جسام. وقالت ان تربية طفل ليست بالمسؤولية السهلة وهي تتطلب قدرات وطاقات نفسية ومادية في آن معا.
ولكن عندما قررا الإنجاب بعد عامين من الزواج حصل ما لم يكن متوقعا ووجدا صعوبات في تحقيق هذا الحلم. وأوضحت انها خضعت لعلاج طويل على مدى ثلاث سنوات إلى ان تحقق الحمل وهي تنتظر ولادة مولودها الأول بكل شغف وترقب.
ويوضح الدكتور خروف انه بالرغم من ازدياد حالات العقم إلا ان طرق ووسائل المساعدة على الإنجاب شهدت تطورا ملحوظا وقد تم اكتشاف بعض الأسباب التي تؤدي إلى العقم والتي لم تكن معروفة في السابق مثل صعوبة التلقيح وبعض التشوهات في الحيوانات المنوية، ودخل الطب في مرحلة جديدة من تطور تكنولوجيات الإنجاب والتي تدور جميعها حول «طفل الأنبوب».
ويشار إلى ان مصطلح طفل الأنبوب تم اكتشافه أول مرة عام 1978 عندما ولدت الطفلة لويز براون. ويتعلق بعملية حقن البويضة بالحيوانات المنوية وقد مثلت هذه التقنية ثورة في عالم الإنجاب لأنها تسمح بتخطي بعض المشاكل العضوية المسببة لتأجر الإنجاب. وفي عام 2010 نال العالم البريطاني روبرت إدواردز الذي قام بتخصيب أول بويضة خارج رحم الأم جائزة نوبل في الطب. كما قامت مجموعة من العلماء في جامعة ستانفورد، في كاليفورنيا بتحسين طريقة التخصيب وزرع البويضة المخصبة في رحم المرأة.
ويشير محدثنا إلى ان تقنيات طفل الأنبوب تطورت بشكل ملحوظ إلى درجة يمكن فيها اختيار نوع الجنين ذكرا كان أم انثى. غير ان هذه التقنية ممنوعة في تونس والمفارقة ان هناك دولا مثل الأردن والمملكة العربية السعودية يسمح فيها باستخدام هذه التقنيات المكلفة جدا، على حد قوله، من أجل اختيار نوع المولود وفي الغالب يكون الطلب على الذكر نظرا إلى مفاهيم متأصلة في هذه المجتمعات.