أسباب ومعطيات تجعل من تفجير أنقرة حدثا فاصلا في تركيا داخلياً وخارجياً

حجم الخط
2

إسطنبول ـ «القدس العربي»: الوقت الذي وقع فيه التفجير، والمكان الأمني الحساس الذي استهدفه، وجنسية الانتحاري، والجهات المتهمة بالوقوف خلفه، بالإضافة إلى السياق العام للأحداث في المنطقة، هذه الأسباب وأخرى تجعل من التفجير الانتحاري الذي استهدف حافلات لنقل جنود من الجيش التركي أمام هيئة الأركان في العاصمة أنقرة حدثاً مفصلياً على الصعيد السياسي والأمني في تركيا داخلياً وخارجياً.
وبحسب رئاسة الأركان التركية فإن هجوماً إرهابياً استهدف عربات نقل لعناصر القوات المسلحة لدى وقوفها عند إشارة مرورية في شارع إينونو في العاصمة أنقرة في الساعة 18.31، مساء الأربعاء، بينما أعلن المتحدث باسم الحكومة التركية نائب رئيس الوزراء نعمان قورطولموش، أن حصيلة التفجير في أنقرة بلغت 28 قتيلاً، فيما أصيب 61 آخرين بجروح.
التفجير جاء في وقت تتصاعد فيه التكهنات حول تحركات تركية فعلية لبدء عملية برية ضد مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» ومسلحي الوحدات الكردية في سوريا، وبعد أيام فقط من بدء المدفعية التركية الثقيلة بقصف مسلحي وحدات حماية الشعب التي تحاول السيطرة على مزيد من المناطق في شمال سوريا وهي المناطق التي تعتبرها «مناطق محرمة» على الحزب.
كما أن التفجير وقع في أكثر الأماكن حساسية في تركيا، فبالإضافة إلى انه استهدف وسط العاصمة، فانه جاء في داخل المنطقة الأمنية الأهم في البلاد وعلى بعد أمتار من مبنى هيئة أركان الجيش ورئاسات القوات المسلحة واستهدف حافلات نقل الجنود. هذه المعطيات، ستؤدي بحسب مراقبين إلى أن تدفع بأحد الاتجاهين التاليين، إمام بث الخوف لدى الجيش وقيادته ودفعه لإعادة حساباته وتأجيل أي عملية عسكرية مقررة في سوريا خوفا من ازدياد الضربات ضد الداخل التركي، أو دفع الجيش لتسريع مخططاته على الحدود مع سوريا والبدء الفوري بتنفيذها.
وبجانب الزمان والمكان، تبدو الاتهامات الموجهة لمسلحي حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري وحزب العمال الكردستاني كأنها ترسم ملامح الرد التركي على الهجوم. فتركيا التي تواجه صعوبة كبيرة في إقناع الولايات المتحدة الأمريكية والعديد من الدول الأوروبية بأن «الاتحاد الديمقراطي» منظمة إرهابية ستعمل على استغلال ذلك بكل قوة من أجل وقف الضغوط الأمريكية والأوروبية عليها بوقف استهداف الحزب، ودعم توجهها أو تفهم موقفها ـ بالحد الأدنى ـ حيال استهدافها للحزب.
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، شدد الخميس، على وجود علاقة لحزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي بالهجوم، قائلاً: «يقول قادة البي كا كا وحزب الاتحاد الديمقراطي إنه ليست لهم علاقة بهجوم أنقرة، إلا أن المعلومات التي توصلت إليها وزارة الداخلية التركية وأجهزة مخابراتنا تظهر ارتباطهم بالهجوم». بينما قال رئيس الوزراء التركي، أحمد داود أوغلو، إن منفذ التفجير سوري الجنسية من مدينة الحسكة يدعى «صالح نجار» وهو على علاقة بوحدات حماية الشعب الكردية.
داخلياً، سيفتح التفجير مجدداً ملف الاختراق الأمني الداخلي، والاتهامات المتكررة من أطراف داخلية بوجود قيادات في الجيش والاستخبارات تتعامل مع جهات خارجية لزعزعة الاستقرار في البلاد، ولا سيما المتهمون بالولاء لرجل الدين فتح الله غولن الذي أعلنت الحكومة الحرب على أنصاره منذ سنوات ووضعته على لائحة المنظمات الإرهابية بعد فصل ونقل الآلاف من الموالين له من دوائر الدولة الحساسة.
ومن غير المعروف بعد إلى أي مدى يمكن أن يساهم التفجير في دعم خطط أردوغان وحكومة داود أوغلو عند قيادة الجيش وأحزاب المعارضة، فالبعض تحدث في السابق عن تململ لدى قيادة الجيش في الاستجابة لتوجهات التدخل في سوريا، ورفض أحزاب المعارضة لعملية غير محسوبة هناك، لكن التفجير ربما يساعد أردوغان في إقناعهم بضرورة التحرك ومواجهة الإرهاب خارج حدود البلاد قبل الاضطرار لمواجهته في شوارع اسطنبول وأنقرة.
ومع تأكيد العديد من المسؤولين والكتاب الأتراك على أن الاستهداف يحمل ملامح أجهزة مخابرات دولية، لا سيما أنه كان محكم التخطيط وتم بعد الحصول على معلومات دقيقه عن مواعيد خروج حافلات الجيش والطريق الذي تسلكه، فإن كل ذلك سيعيد إلى الواجهة الاتهامات التي وجهت سابقاً لأطراف دولية بتقديم معلومات استخبارية للمنظمات الإرهابية.
حيث اتهمت تركيا سابقاً النظام السوري بتحريك منظمات إرهابية ودعمها بمعلومات استخبارية من أجل تنفيذ هجمات داخل تركيا، كما اتهم مسؤولين أتراك في وقت سابق استخبارات دولية بتقديم الدعم المعلوماتي لحزب العمال الكردستاني عن تحركات الجيش التركي شرق البلاد، وهو ما عاد أردوغان إلى التلميح له في تصريحاته، الخميس، بالقول: «أوقفنا 14 شخصاً وأنا على ثقة أن الأمر لن يقتصر على هؤلاء فقط، فقد بدأنا بفك هذه السلسلة، يبدو أن هذا الفعل له امتدادات داخل البلاد وخارجها».
جنسية منفذ التفجير، الذي أكدت مصادر أمنية تركية أنه سوري ودخل ضمن اللاجئين من الممكن أن تستغلها الحكومة التركية التي فشلت على مدار سنوات في إقناع المجتمع الدولي بإقامة منطقة آمنة للاجئين داخل سوريا، حيث ستعمل على التأكيد على أن دخول اللاجئين إلى أراضيها بات يشكل تهديداً أمنياً عليها وأنه لا بد من إيجاد حل لهم داخل الأراضي السورية، وهو التوجه الذي تطبقه بالفعل السلطات التركية منذ أسابيع حيث عملت على إغاثة اللاجئين في موجات الهجرة الأخيرة على الجانب السوري من الحدود ولم تسمح لهم بالدخول لأراضيها، في محاولة للضغط على المجتمع الدولي لإقامة المنطقة الآمنة التي أيدتها ألمانيا بعد ذلك.
هذه المعطيات وغيرها لا شك أنها ستعمل على رسم ملامح المرحلة المقبلة، وستكشف ما إن كانت تركيا ستنجح في تسخير الهجوم لخدمة مخططاتها وستأخذ زمام المبادرة، أم أنها ستبقى تنتظر تغير الموقف الأمريكي والدولي اتجاه مقترحاتها بالتدخل البري ضد تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» في سوريا وإقامة منطقة آمنة للاجئين هناك.

إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية