بيروت ـ «القدس العربي»:لا تحتاج الحياة الزوجية للكثير من الزمن حتى تنزاح الأحلام الوردية عن قلبي طرفيها، ويصبح الثنائي وجهاً لوجه مع الواقع وإيقاع الروتين. «بالحلال» فيلم لبناني يتغلغل عميقاً في ثنايا العلاقات الزوجية، يصل إلى خلاياها، ليقول وبـ»البونت» العريض كم تحتاج إلى التجديد. الحياة الحميمة جسر عبور إلى حياة أكثر سعادة، و«بالحلال»يغنجها مختصراً فتصبح «نونو« أو «هداك الشي» في لفظ التحفظ. ثلاثة نماذج من الحياة الزوجية يتناولها «بالحلال» سيناريو وإخراج أسد فولادكار في توقيعه السينمائي الثاني بعد باكورته «لما حكيت مريم» 2002. في التوقعين معاً رصد فولادكار إنعكاسات الدين والمجتمع على حياة النساء. هو الحلال بالزواج الثاني، المتعة وكذلك الطلاق الثالث ومفاعيله. غالبية نساء الفيلم محجبات. بتعدد أطرافه الدرامية يمكن وصف الـ134 دقيقة وهي زمن الفيلم، بأنه حقيقي جداً. كافة الممثلين أبطال. جميعهم مأزوم وإن بتفاوت. والطفلتان اللتان ارعبتهما «الدودة اللي بتطلع من الزلمي وبتفوت بالمرا وبيجي الطفل». فهكذا قالت المعلمة «الفهيمة». صور من الحياة نقلتها الكاميرا، أحياء شعبية، تشابك في أشرطة الكهرباء، ستائر على جميع الشرفات دون استثناء. هي الحياة تتشابك كما خيوط العنكبوت وتختفي في آن. هو لقاء الأحبة المطلقين فوق السطوح وتحت الشماسي، مشهد جمع بين الطرافة والدراما، والعشق الممنوع، فالعنوان «بالحلال» وبالضرورة احترامه. مشاهد تتوالى لتفضي إلى اعتراف أن الممثلين الذين وقع الاختيار عليهم ذابوا بحدود كبيرة في أدوارهم وهم: دارين حمزة، رودريغ سليمان، زينب هند خضرا، حسين مقدم، ميرنا مكرزل وعلي سموري. في السيرة المهنية لأسد فولادكار «لما حكيت مريم» وستة أجزاء من مسلسل «راجل وست ستات» والآن «بالحلال» وهو لا يجد في ذلك تخصصاً في الحياة الأسرية. وعند توجيه سؤال التخصص له يضحك ملياً ويقول: «رغم اختلاف خط التلفزيون عن السينما، موضوعات العائلة موجودة نعم. هي الحياة التي نعيشها تمنح الأفكار بالخطوط العريضة والتفاصيل أيضاً. بيتي هو أساس حياتي وفيه أمضي معظم وقتي، وليس لي وصف ما لا أعرفه. نعم ارتاح بخوض هذا الجو«. رغم تلك الإجابة نسأل عن كيفية تجميع كل تلك التفاصيل من حياة الأزواج؟ «البحث ضروري إنما ليس من الصفر. هذا إذا لم إن لم يكن الموضوع في الأساس جزءا مني، وتفاصيله جزءا من حياتي وكذلك من حياة المحيطين بي، بغير ذلك لن يكون هدفاً لي. بحثت نعم، وفي الجانب الديني من الفيلم، وكانت اسئلة لمعنيين في هذا الشأن خاصة موضوع الطلاق».
في كامل مسار الفيلم يشعر المتابع وكأن الكاتب والمخرج استعانا بآلة تسجيل لرصد حوارات الأزواج. جواب فولادكار:»أمس ُعرض الفيلم في الأردن قال لي أحدهم أن أحد حواراته يشبه ما يدور بينه وبين زوجته. السبب في ذلك أن المشاكل الإنسانية هي نفسها. وبالدخول إلى التفاصيل تتضح الحكايات أكثر. هي إذاً الحالة عينها حتى وإن تبدلت الكلمات». عن تكرار تقديم صورة الأحياء الشعبية عن قرب أو بانورامياً يقول المخرج: «تلك الأحياء تشبه ناسها. أبنية تغطيها ستائر الشرفات. منازلنا محجبة. النساء ينظرن للخارج بعين واحدة من خلف الستائر. خلف حجاب الأبنية تظهر الناس، وحيث لكل عائلة قصتها. تلك المنازل المتلاصقة، المحجبة، حيث القصص خاصة بأصحابها، تشبه أسلاك الكهرباء المتشابكة. مشهد يوحي بالإنفجار، لكن الأمور تسير صح، وبأمان». رغم الأمان الذي أشار إليه فولادكار، ورغم الكوميديا الغالبة على لغة الفيلم البصرية والناطقة ايضاً، نسأله عن الأزمة التي نلمسها هل هي دينية أم نسائية أم علاقات زوجية؟ «ليس لي الحديث في الدين ولا أسمح لذاتي. أتحدث عن أناس يعيشون ضمن قيود وضعها الدين والمجتمع، وهم يسعون لحلول. ثمة أمور سوريالية وغريبة في المجتمع، نضعها قيوداً وتستمر معنا. في الفيلم شخصيات تعمل لمغادرة واقعها، والابتعاد عن قرارات خاصة بحياتهم اتخذها آخرون كالزواج. هم يبحثون عن طريق وضمن المساحة المتاحة لهم للخروج».
ولج أسد فولادكار إلى صلب الحياة العائلية والزواج المرتبط بقيود دينية. وفي هكذا مقاربة لا ينفي وجود محاذير كان دقيقاً في التعاطي معها. يقول: «المحاذير موجودة وكثيرة أكيد. أعدت كتابة القصص والحوارات، المشاكل والحلول مرارا وتكرارا. لم يكن الارتجال مسموحاً مطلقاً. نحن حيال موضوع حساس جدا والغلط ممنوع. كل كلمة في السيناريو مقصودة. رغم حرية السُباب في السينما، في هذا الفيلم كانت محظورة. لم يكن مطلوبا أن يفلت اللسان سوى في المكان الصحيح. حرصت على كل تعبير، وحرصت على التزام المكتوب على الورق، لأننا حيال موضوع حساس ولا أرغب أن يُفهم غلط. لذلك فضلته فيلما مهذبا».
حظي فيلم «بالحلال» بترحيب كبير في الجانب النقدي خاصة لإنحيازه إلى معالجة كوميدية لأزمات تعصف بغالبية الزيجات. في رأي الكاتب والمخرج: «هناك قضايا مؤثرة في الحياة ومن الأسلم والأسلس قولها بقالب مازح منها بقالب جاد. قصدت أن تصل الرسالة بهدوء. كما أن مضمون الفيلم فرض طريقة معالجته. الكوميديا ضرورة للقصص الثلاث. مع العلم أن كل منها تصلح لفيلم تراجيدي طويل. الحالة الكوميدية موجودة فقط في صلب قضية عواطف الباحثة عن عروس لزوجها، والتي يجب أن تنتهي بدراما نظراً للنهاية التي وصلتها العروس الجديدة. القصص مجبولة بالدراما. حاولت قولبتها بهذه الطريقة لتسهيل هضمها من قبل الناس وبغير ذلك يكون الفيلم ثقيلاً ومرهقاً».
ضرورة الثناء على اختيارات الممثلين في كونهم يشبهون البشر العاديين يفترض أن لا تمر. فماذا عنهم؟ يبدأ أسد فولادكار من:»علي سموري الزوج المغروم مطابق لدوره. وزوجته ميرنا مكزل كذلك. كنت في بحث عن ممثلة ممتلئة جداً، بعد قبولها صارحتني مكرزل بأنها ترغب في إنقاص وزنها، لكني تمنيت لو تزيده أكثر». هل من مفاجآت إيجابية على صعيد الممثلين؟: «دون شك وهي زينب هند خضرا أجادت في حضورها الأول أمام الكاميرا». فيلم دون دور بطولة مطلقة هل شكل جاذباً للممثلين؟ يقول فولادكار:»بالأصل لم أقل لأحدهم بأنه حيال دور بطولة. قرأوا السيناريو. جرى الكاستينغ، وكل ممثل كان له الدور الذي يليق به. الممثلون أظهروا تعاوناً إلى أقصى الحدود، وجميعهم».
هل سيمنح الفيلم المشاهدين من الأزواج فرصة لبعض التغيير الحيوي في حياتهم خاصة ما يتعلق بـ«نونو«؟ رداً على السؤال يتريث أسد فولادكار ويقول:»البيت مملكة كل إنسان. ليس لي توجيه رسالة تعليمية. البيت مملكة نعم، بعضنا يهدمه بيده. وآخرون يعيشون حياة منتظمة. في الفيلم حكاية بتول التي تزوجت مختار الشاب المؤمن، لديه عمله ومنزله لكنه هدم حياته بغيرته القاتلة. ولم تكن بتول في منأى عن (الحركشة). كانت عفريتة وتدفعه للغيرة، بحثاً عن ارضاء ذاتها عبر غيرة زوجها، واثبات قدرتها على اشعاله ومن ثم اطفائه».
إذا كان مشاهدو الأفلام اللبنانية والعربية في لبنان قلة فماذا عن حال «بالحلال» في الدول العربية؟ متى سيعرض عربياً؟ يقول فولادكار:»الموعد عربياً في الخريف المقبل. ليل الثلاثاء الماضي تمّ عرضه في الأردن ـ عمّان، الواقفون أكثر بكثير من الجالسين. العرض كان جميلاً، والنقاش كان رائعاً. أظن بوجود جمهور للأفلام العربية في كافة الدول العربية، وأظن كذلك أن كل جمهور عربي يفضل السينما الخاصة به. الجيد أن الفيلم يُعرض منذ ثلاثة أسابيع في كافة المدن الألمانية وبنجاح».
حصدت عشرات الجوائز عن فيلم «لما حكيت مريم» فماذا عن «بالحلال»؟ يجيب:»جال الفيلم في الكثير من المهرجانات العالمية والعربية. لا جوائز حتى الآن. يبدو أن حظ الفيلم الكوميدي من الجوائز أقل. الظاهر أن الناس تفضل البكاء على الضحك. وفي كافة نتائج المهرجانات الكبيرة تذهب الجوائز إلى الأفلام الدرامية. لكنهم بعد سنوات يقدرون مخرج الفيلم الكوميدي، كمثل ودي آلن أو سواه. لجان التحكيم ضعيفة تجاه المواضيع التي تدفع للبكاء».
زهرة مرعي