تونس ـ «القدس العربي»: صنفت المدينة العتيقة في تونس العاصمة منذ عام 1979 لدى منظمة اليونيسكو بصفتها تراثا ثقافيا للإنسانية. فهي حافظت على طابعها الحضاري منذ تأسيسها عام 698 ميلادية حول جامع الزيتونة. وتحوي المدينة العديد من المساجد والأسواق والمقامات والقصور والبيوت والمدارس التي تروي لزائريها قصة مدينة يعود تاريخها إلى ما قبل ثلاثة عشر قرنا. هنا لهذه المعالم والقصور ذاكرة لا تنطفئ وتفوح منها عطور المغرب القديم الذي سحر كل من مر من هذه المنطقة.
الباحث في التراث عبد الستار عمامو هو من القلائل في تونس الذين يمتلكون مفاتيح وأسرار هذه الأمكنه والمعالم، ويروي لـ«القدس العربي» قصة مدينة سحرت زائريها على مر العصور.
أصل الحكاية
يقول محدثنا ان مدينة تونس وان كانت في شكلها الحالي مدينة إسلامية لكن هناك أدلة على وجوها على الأقل في القرن الخامس قبل الميلاد. فالثابت من الناحية الأثرية، وجود قطع ترجع على الأقل للقرن الخامس قبل السيد المسيح وتضم أجزاء من الفسيفساء وبعض التوابيت والقبور المنحوتة في الرخام. كذلك ذكرت المدينة في النصوص القديمة كما في نص المؤرخ الروماني بوليب باعتبار ان مديـنــة تونــس أخــذت موقفا ضد قرطاج أثناء الحروب البونيــقية قبل الحضور الإسلامي في البلاد التونسية.
اما عن اسم تونس، فيقول انه مشتق عن اسمها القديم «تيناست» وهو اسم ذو أصول أمازيغية. وفي هذا دليل على ان المدينة قديمة. واختار حسان بن النعمان فاتح قرطاج ان يتخذ الموقع القديم لتيناست لإقامة مدينة جديدة إسلامية وأصبحت تعرف بتونس، وجاء هذا الاسم صدفة شبيها إلى حد بعيد بكلمة الأنس في العربية الفصيحة. وفيما يخص أصل المدينة الموجودة حاليا فهي ترجع إلى الفترة الإسلامية، حيث ان حسان بن النعمان اختار إقامة الجامع الأعظم الزيتونة المعمور على سفح هضبة تعرف الآن بهضبة القصبة وكانت تتمركز عليها في القديم المدينة الفينيقية والبربرية القديمة. واختار موقع الجامع الأعظم وجعل من المكان محطة لجيوش الفتح الإسلامي وأقام دارا لصناعة السفن الحربية بهدف اجتياح الجزر المتوسطية القريبة. فكانت تونس محطة بحرية هامة لما يعرف بفتوحات الجزر المتوسطية بما فيها جزيرة صقلية.
أسواق المدينة
وبنى حسان بن النعمان أيضا ميناء تونس القديم من أجل ايجاد منفذ على البحر المتوسطي الذي كان في ذلك الزمان يعرف ببحر الروم. ثم تطورت المدينة مع الزمن بقلبها النابض وهو الجامع الأعظم الزيتونة وحوله شيدت أسواق المهن والحرف. ويلفت عمامو النظر إلى انه كان هناك حكمة في تشييد الأسواق، اذ جعلت الأسواق النظيفة في المحيط المباشر لجامع الزيتونة في حين تم ابعاد الأسواق «الملوثة» عن الجامع سواء أكانت ملوثة للطبيعة أو مسببة للضجيج. ويضيف قائلا : «فنجد سوق العطارين وسوق الصوف وسوق القماش وسوق الفكة وفي القديم كان هناك سوق الرياحين الذي تباع فيه الزهور في محيط الجامع الأعظم، ثم حينما نبعد عن الجامع نجد سوق الحرايرية (نساجي الحرير) وسوق الصاغة وأبعد من ذلك نجد سوق النحاس وصولا إلى الأسواق «الوسخة» مثل سوق الحدادين والنجارين والدباغين وسوق الصباغين وهكذا كانت الأوساخ تجد طريقها بسهولة إلى خارج المدينة، لذلك فان مدينة تونس تعتبر نظيفة بالمقارنة مع المدن القديمة والقروسطية.
معمار خاص وأصيل
يشير محدثنا إلى انه بين الأسواق النظيفة أو النبيلة وبين الجامع الأعظم وبين الأسوار والأسواق الوسخة تأسست الأحياء السكنية التي يقطن فيها سكان المدينة على اختلاف أنواعهم، سواء من الطبقات الراقية أو المتوسطة أو الفقيرة.
ومن خاصيات مدينة تونس العاصمة أنها محاطة بسورين. السور الداخلي أو ما يعرف في التقاليد التونسية بالسوق المحرزي، نسبة إلى «حامي تونس» ووليها الصالح سيدي محرز بن خلف المتوفى سنة 122 هـ. وهذا السور يرجع بناؤه إلى القرن التاسع ميلادي. وهناك أيضا سور ثان يعرف بالسور «الحفي» أقيم في القرن الثالث عشر ويحيط بربطين: الربط الشمالي باب السويقة، وربط باب الجزيرة. وكلمة الربط تعني الحي السكني خارج الأسوار، هذا إضافة إلى جزء آخر رابع يتمثل في القصبة الملكية التي هي مقر الملك منذ القديم وكانت محاطة بأسوار خاصة بها. وكلمة قصبة هي كلمة عربية تفيد القصب الذي كان الملوك يمسكونه بأيديهم كشعار للملك، ففي كل مدينة هامة هناك حامية عسكرية وقصبة وهي تنتشر في المشرق وفي المغرب العربي أيضا. وكان حكام البلاد التونسية منذ القدم يتخذون من القصبة الملكية مكانا لإقامتهم واليوم أيضا القصبة هي مقر رئاسة الحكومة.
هذه الأجزاء الأربعة، تشكل المدينة العتيقة التي تمتد على مساحة تقدر بحوالي 300 هكتار..وهي أكبر مدينة في البلاد التونسية. وتأتي بعدها في الترتيب مدينة القيروان بـ 54 هكتارا فقط ثم الكاف بـ 47 هكتارا.
حماة تونس وأولياؤها
تضم المدينة العتيقة أكثر من 850 معلما تاريخيا موزعة بين معالم دينية ومدنية ومعالم عسكرية. فهناك مساجد مثل جامع الزيتونة المعمور وجامع حمودة باشا وجامع يوسف خوجة صاحب الطابع وجامع القصبة أو الجامع الموحدي وجامع القصر وجامع الخطبة إضافة إلى عدد كبير جدا من المساجد الصغيرة في الأحياء لاقامة الصلوات الخمس وتعرف بـ»المسجد».
إضافة إلى ذلك نجد المدارس لطلبة العلم باعتبار ان جامع الزيتونة كان مكان تدريس أيضا وهناك الزوايا والأضرحة التي أقيمت للأولياء الصالحين من المتصوفة، مثل زاوية سيدي بن عروس وسيدي محرز وزاوية سيدي ابراهيم الرياحي وغيرها من الزوايا. وهم كانوا من سكان المدينة العتيقة ودفنوا داخلها وأقيمت على أضرحتهم مقامات ومزارات وباتت أمكنة يقصدها الزائرون للتبرك وتقام فيها مدائح. وهناك ايضا العلماء مثل ابراهيم الرياحي الذي كان يحمل 7 خطط ووظائف معا بين دينية ومدنية. فكان شيخ الإسلام وكبير أهل الشورى المالكية ورئيس الفتوى وشيخ التدريس بجامع الزيتونة المعمور. وإلى جانب ذلك كان سفيرا لتونس لدى الاستانة وسفيرا لتونس لدى السلطنة الشريفة في المغرب ومستشارا خاصا لملك البلاد.
هناك أيضا معالم عسكرية منها الثكنات التي بينت في العصر الحسيني وكانت ثكنات لسكن الجيش الانكشاري مثل ثكنة العقارين « قشلة» بالتونسي وهي كلمة تركية. وثكنة سيدي مرجاني وثكنة عامر البطاش وكذلك نجد أبراجا للدفاع والحماية مثل برج البصيلي وبرج القنديل. ونجد كذلك معالم خاصة من قصور ودور من أشهرها قصر خير الدين وقصر آل الأصرم وهو اليوم مقر جمعية مدينة تونس. ونجد قصر آل بن عاشور وهو الآن مقر مكتبة مدينة تونس . وهناك قصور حولت إلى محلات عمومية في حين ان هناك مجموعة من القصور التي تعود إلى ملك خاص وما زال سكان المدينة يقطنون فيها. واللافت ان عدد سكان المدينة حوالي 100 ألف وهذا العدد لم يتغير وبقي هو نفسه منذ دولة بني حفص مع تغييرات طفيفة زيادة أو نقصانا.
ويتطرق عبد الستار عمامو إلى مميزات مدينة تونس فيذكر انها بنيت على غير ماء ..فقد اختار حسان النعماني بناء مدينة استراتيجية على البحر لكن بطريقة غير مباشرة لحمايتها من العدو ..لذلك لجأ السكان إلى بناء صهاريج أو مواجل تستعمل لجمع مياه الأمطار الصالحة للشراب، فكان لكل بيت صهريجه الخاص. وهذا الأمر ـ بحسب عمامو ـ ولد علاقة خاصة بين سكان المدينة والماء، ففي الوقت الذي يتم فيه الحلف والقسم على العيش والملح لدى اشقائنا في الدول العربية الأخرى فان القسم في تونس يكون على الماء والملح، لأن القمح متوفر جدا في بلادنا في حين ان الماء نادر في مدينة تونس العتيقة.
حارة اليهود
يعتبر عمامو أن ما يميز مدينة تونس العتيقة أنها كانت أولى المدن الإسلامية التي أسكنت الطائفة اليهودية داخل الأسوار وأعطت اليهود حيا خاصا بهم. فمنذ غزوة الخندق وخيانة اليهود للعهد الذي ربط بينهم وبين الرسول (ص) أجلاهم الرسول من حصونهم. واعتبر المسلمون بعد ذلك هذه الخطوة بمثابة حكم وأنه لا يجوز إسكان اليهود داخل الأسوار مع المسلمين.
وفي تونس كان اليهود يقيمون خارج الأسوار ويغادرون المدينة العتيقة قبل غلق الأسوار ليلا ليعودوا إلى الأحياء الخاصة بهم في حي يسمى «الملاسين» وفي سنة 991 م قرر الولي الصالح سيدي محرز حامي مدينة تونس جلب اليهود من حي الملاسين واعطاءهم حيا داخل الأسوار كان يعرف بالحارة أو حارة اليهود، وأقيم الحي قرب مسكنه الذي أصبح لاحقا زاوية سيدي محرز. وقد تعايش المسلمون واليهود التوانسة بشكل لافت وكان اليهود تجارا ويمتهنون الصناعات اليدوية مثل الحدادة والنجارة. ويتابع محدثنا قائلا: «الطريف في الأمر أنه في القرن السابع عشر وقع طرد اليهود من مدينة ايفورنو الايطالية من قبل بابا روما فجاء اليهود إلى تونس باعتبار ان أبناء عمومتهم يتعايشون بسلام مع المسلمين، فقوبلوا بالرفض من اليهود التوانسة لأنهم اعتبروهم أوروبيين وليسوا يهودا حقيقين. فهم يلبسون ويصلون بطريقة مختلفة وكانوا يسمون بيهود الغرانة. ولم يكن هناك اختلاط بينهم وبين اليهود التوانسة حتى في المدافن. إذ خصصت أماكن خاصة لدفن اليهود التوانسة واليهود الايطاليين الذين عاشوا في منطقة الغرانة ويعملون في سوق الغرانة في بيع التوابل الخاصة.
ويشير الباحث في التراث إلى ان هؤلاء اليهود كانوا أثرياء بالمقارنة مع اليهود التوانسة لكنهم كانوا منعزلين. ومع دخول الفرنسيين سنة 1881 أخذ العديد من هؤلاء اليهود الجنسية الفرنسية.. وبعد الاستقلال سافر العديد منهم واستقروا في فرنسا في حين ان اليهود التوانسة قرروا البقاء في بلادهم. وخلال الاحتلال الألماني لتونس سنة 48 حاول الألمان أخذ اليهود لأوروبا لكي تجرى بحقهم أعمال شبيهة بتلك التي حصلت ليهود أوروبا. وهنا تدخل ملك تونس المنصف باي ودافع عن اليهود ومنع أخذهم إلى أوروبا بحجة انهم جزء من رعيته.
روعة قاسم