لم يشهد التاريخ أن الشعوب المحتلة، ما لم يكن الاستعمار قد تسرب الى قلوبها واستعبدها، استكانت لعدوها مهما امتد أمد الظلم والطغيان بل جل ما تناقله التاريخ كان قصص المداولة بين الحق و الباطل و نصر القلة المؤمنة بأهدافها على الكثرة المغترة بقوتها و صناعة النصر بمراكمة الأهداف لا بالضربة القاضية، فالملاكم و المصارع لا يسقط من أول لكمة و لكن توالي الضربات تجندل أرضا أعتى المتكبرين.
سنوات و سنوات تمضي على المأساة المفتوحة للعيان في حصار غزة و التي وجهت صفعات لكل مؤسسات الشرعية و القوانين الدولية و حقوق الانسان التي أدارت ظهرها تماما للانسان الغزي بل و ساوته بجلاده في كثير من المحافل و التحقيقات بعد أن نجح العدو بشيطنة أبسط حقوق الإنسان في مقاومة الاحتلال و الدفاع عن أرضه و كرامته، و تحويل الشعب الغزي الى مجموعة مقاتلة لا مدنيين فيهم يستحقون معاملة و حماية شعب تحت الحرب كما تنص المعاهدات الأممية!
و لكن من هذا التعتيم و التضليل الإعلامي العالمي استطاعت الحقيقة ان تخرق جدار العتمة و تفتح بارقة أمل في ايصال رسالة شعب يخضع للتصفية الجماعية في محرقة غير مسبوقة و مظلومية هي الأكبر والأوسع والأشد على مستوى العالم.
كانت النصرة هذه المرة في الاسطول الجديد من الأباعد، بعد تخلي الاقارب، من الذين لا يجمعهم بالعرب دين و لا بلد و لا تاريخ مشترك و لكن انسانيتهم و مبادئهم جعلتهم يتركون رغد العيش في بلدانهم ليركبوا الى غزة سفنا يعلمون من تجارب سابقة أن نهايتها قد لا يكون بر السلامة!
يعجز ابن الدين و اللغة و الجغرافيا القاعد في بيته ان يفهم ابعاد المشاركين الاوروبيين و هم جل اسطول الحرية هذه المرة بل و يؤلم اصحاب القلوب الحية ان يتغلب الشعور الانساني على الشعور الديني فيكون محركا اقوى للنصرة و التضحية ثم يسلي نفسه بأن الله قد ينصر الدين من غير أصحابه دون ان يفطن ان هذا قد يكون ايضا من الاستبدال! ففي الوقت الذي لم تتحرك فيه اساطين العرب و لم يجد كل انفاقهم على الآلة العسكرية في ايصال حبة دواء الى طفل مريض او لقمة غذاء الى جائع كان لا بد من تنحيتهم ليستبدلهم الله بأعيان اخرين من البشر ارتضوا طواعية وخرجوا مبادرة من انفسهم بسفن وقوارب بسيطة ليوقظوا ضمير العالم الميت!
و لكن في حسابات السياسة و التوازنات الذكية ربما يكون هذا الاختيار هو الأصح فهو يعكس قراءة جديدة لاعادة تموضع القضية الفلسطينية في الغرب و تغير الولاءات بعد عقود من الاستلاب التام للرواية الصهيونية و ذلك بجهود مباركة و متتابعة من الجاليات العربية و الاسلامية في الغرب نجحت في كسر القبضة الحديدية التي ابقت الوعي الغربي جاهلا بغير ما يقدمه الاعلام المخترق من اللوبي الصهيوني
هؤلاء الأعيان الأوروبيون ستحسب لهم دولة الكيان الصهيوني ألف حساب على عكس العرب و المسلمين الذين ليس لهم ذمة عند دولهم و عند عدوهم على حد سواء و تستسهل تصفيتهم دون دية و لا مطالبة بحقوقهم!
مع الغربيين سيكون الأمر مختلفا لأن اسرائيل ستكون من الحماقة بمكان ان تشعل المجتمع الدولي عليها باستهداف مواطني الدول الأوروبية و تسود صورة سعت جاهدة لإبرازها بثوب الديمقراطية و واحتها الوحيدة في الشرق الاوسط!
متفائلون بهذا الاسطول انه سيكون اوفر حظا من سابقيه و سيترك بصمة في صخرة مهما كانت صلبة ستخرقها بالحت و التعرية توالي قطرات الماء عليها حتى تفتفتها هذه سنة الكون و الحياة و كيان مصطنع لن يشذ عن القواعد.
لقد ارتبط البحر بالذاكرة الفلسطينية بكثير من مآسي التشريد و حمل لهم الموت فوصلوا الشواطىء جثثا او بلعهم البحر و ما زالت قلوبهم تبحث عن مأوى جديد و خيمة أخرى فهل يكون بحر غزة أحنّ عليهم و على ضيوفه هذه المرة و هل سيفتح هذا الاسطول صفحة جديدة في عودة قطاع و شعب اغترب طويلا عن محيط الانسانية جمعاء؟!
نترقب و نرجو أن يخرق الله لهذا الأسطول مسار نجاة و بلوغ فعلى الضفة المقابلة في الانتظار قلوب انهكها ظلم ذوي القربى و لا مبالاة العالم لمجرد أنهم متمسكون بأن تراب أرضهم غير قابل للبيع!
يا بحر غزة، بأمر ربك، خفف الموج فقد آن لسفن أرهقها التيه ان تجد مرفأ…
د. ديمة طارق طهبوب