الكويت – «القدس العربي»: يتأمل العالم لاسيما الدول المنتجة للنفط العام الجديد عسى أن يصلح ما أفسده سابقه من خسارة تقدر بنحو 50 في المئة من سعر برميل النفط.
وعلى الرغم من ان 2014 يعد الأسوأ في تاريخ الدول المنتجة فإن معطيات الأسواق لا تنبئ بعودة الأسعار إلى سابق عهدها سريعا، بل ربما تشهد تراجعا محدودا خلال النصف الأول من 2015 بسبب تراجع الطلب الموسمي على النفط لاعتدال المناخ وقلة النشاط في قطاع النقل بفروعه المختلفة.
وتشير تقديرات عدد من الهيئات الدولية والمحللين والمتخصصين إلى أن متوسط سعر نفط خام (مزيج برنت) والذي يدور حاليا في فلك 55 – 60 دولارا للبرميل سيكون خلال 2015 بين 70 و75 دولارا للبرميل في حين يتراوح سعر الخام الكويتي بين 60 و65 دولارا.
وربما تظل العوامل السياسية تؤدي دورا محوريا في أسعار النفط خلال عام 2015 حيث من المرتقب ان يعقد في بداية النصف الثاني منه الاجتماع الدولي بشأن الملف النووي الإيراني واحتمال انتهاء أزمة العقوبات المفروضة على إيران على وقع انخفاض الأسعار التي من المرجح ان تزداد مع النصف الأول. ويتوقع كثير من المحللين والمتخصصين اتخاذ منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) قرارا مغايرا لما قررته في اجتماعها الأخير في 27 تشرين الثاني/نوفمبرالماضي وذلك بخفض إنتاجها في الاجتماع المقرر له حزيران/يونيو 2015. وفي تقييمه للعوامل المؤثرة في أسعار النفط عام 2015 قال الخبير في استراتيجيات النفط والغاز رئيس شركة الشرق للاستشارات البترولية الدكتور عبدالسميع بهبهاني ان العامل الغالب المشاع المؤثر على أسعار النفط في عام 2014 هو قرار (أوبك) بعدم خفض إنتاجها من النفط والبالغ أكثر من 30 مليون برميل يوميا بما يعادل نحو ثلث الإنتاج العالمي إضافة إلى العامل الجيوسياسي وزيادة الإنتاج من النفط الصخري.
وأضاف ان هذه العوامل إضافة إلى الشعور العام بان هبوط أسعار النفط الخام بمقدار 49 في المئة لا يبشر بتعافيها بقدر ما يتوقعه المنتجون موضحا ان ذلك كله جعل المحللين يشككون في قدرة (أوبك) كمنظمة متجانسة منذ 1962على التحكم في الأسعار وتحجيم النفط الصخري رغم ارتفاع تكلفة إنتاجه.
وأشار إلى انه لا يمكن تقييم المؤثرات الأساسية على أسعار النفط في 2015 دون النظر إلى ما حصل في 2014 ومدى تأثيره في أسعار عام 2015 موضحا أن في مقدمة هذه المؤثرات لابد من الحديث عن (أوبك) ومدى تجانس أعضائها . فرغم قرار (أوبك) برفع إنتاج حصتها (الكوتا) من 25 مليون إلى 30 مليون برميل يوميا – وذلك في الربع الرابع من 2011 – فان فائض إنتاجها اليومي فاق هذا المعدل، حيث بلغت زيادة الإنتاج فوق الـ(كوتا) نحو 900 ألف برميل يوميا بفائض أكثر من مليوني برميل عن حاجة السوق على مر السنوات الأربع الأخيرة (2011-2014) مبينا ان هذه الزيادة أثرت في الأسعار بنسبة غير مهمة.
وبحسب تقديرات المحللين فإنه إذا ما أقدمت (أوبك) على خفض إنتاجها من 30 (الإنتاج المعلن) إلى 28 مليون برميل يوميا فمن المفترض ارتفاع أسعار النفط بين 5 و10 دولارات للبرميل، لكن هذا القرار يظل صعبا لخشية المنظمة من فقدانها لحصص في السوق لصالح دول من خارجها بيد انه قرار متوقع ومن شأنه أن يعيد مؤشر الأسعار للارتفاع ثانية في النصف الثاني من 2015.
ويظل النفط الصخري (اللاعب الجديد في السوق النفطية) طرفا مؤثرا في 2015 بعد أن تسبب في زيادة المعروض في السوق بنحو 4 ملايين برميل، وفق تقديرات عالمية كانت سببا رئيسيا في انخفاض الأسعار بعد أن توقفت الولايات المتحدة – المنتج الأكبر للنفط الصخري والمستهلك الأكبر للنفط في العالم – عن استيراد حصة كبيرة من السوق. وبشأن تهديد النفط الصخري أكد الخبير بهبهاني ان «تهديد انفجار هذا النوع من الوقود الأحفوري شكل هاجسا لقيادات دول (أوبك)» حيث أعلنوا صراحة ان التهديد مقبل من زيادة إنتاج النفط الصخري والبالغة حوالي أربعة ملايين برميل يوميا وان تحجيمه يكون عن طريق خفض الأسعار لتنعدم الجدوى الاقتصادية لإنتاج برميل النفط الصخري عالي الكلفة والبالغة بين 60 و70 دولارا.
وكشف بهبهاني أن تطلعات (أوبك) بشأن تحجيم النفط الصخري صعبة المنال لافتا إلى ان منتجي النفط الصخري استطاعوا التكيف مع انخفاض أسعار النفط بعد خفض كلفة الإنتاج للنفط الصخري بنحو 30 في المئة نتيجة التطور التكنولوجي المستمر يوميا في طرق إنتاجه والمبني على العلم والدراسة والبحث والتحليل وانخفاض أسعار المعدات والمواد الخام المستخدمة في الإنتاج وافاد بأن الاستثمارات المستقبلية المتوقعة بحسب (وكالة الطاقة الدولية) في النفط والغاز الصخري في عام 2015 ستصل إلى حجم الاستثمارات نفسها في 2014 والبالغة(135مليار دولار) وربما تقل عن ذلك بنسبة 1.5 إلى 3 في المئة فقط.
وذكر ان هذا الانخفاض لا يعكس التأثر بانخفاض الأسعار الذي فاق 49 في المئة مشددا على ان الرهان على توقف أو انخفاض مؤثر للزيت الصخري غير وارد في 2015 موضحا ان المتوقع هو زيادة الطلب على النفط في حدود 900 ألف برميل يوميا في 2015 حسب وكالات الطاقة.
وقال «أشك في ان يرتفع هذا الرقم في حدود 900 ألف برميل يوميا في 2015 – لوفرة المخزون وثبات مستوى الطلب على وقود السيارات لتطورها وتحول الناس إلى المواصلات العمومية». موضحا ان العرض من خارج (أوبك) سيزداد إلى 35ر1 مليون برميل يوميا لكن 65 في المئة منه مستهلك من الدول المنتجة . ولفت إلى ان تصدير النفط الأمريكي خارج الولايات المتحدة أصبح حلما يمكن تحقيقه يراود المشرعين في الكونغرس الأمريكي بضغط من المنتجين ودعم الحزب الديمقراطي، لافتا إلى ان هذا الطموح يخلق صراعا بين المنتجين وملاك مصانع تكرير النفط في الولايات المتحدة وهو ما يسبب صراعا بين الأحزاب الأمريكية «ولا أخال الجمهوريين يرضون بذلك».
ولاشك ان الجانب الجيوسياسي سيلقي بظلاله على أسعار النفط خلال 2015 وخصوصا الأحداث في مناطق الصراع الملتهبة في منطقة الشرق الأوسط والتي وان كان حضورها ليس قويا في عام 2014 كما في عام 2014 إلا ان تأثيرها لا يمكن تجاهله وعن هذا الجانب يقول بهبهاني ان ازمات بعض الدول الاعضاء في (أوبك) كفنزويلا والعراق وردود أفعال دول غير أعضاء كروسيا والانفراجة التي تلوح في الأفق لرفع الحصار الاقتصادي عن ايران سيكون الطرف الأهم في معادلة أسعار النفط لسنة 2015.
وأوضح أن تلك الأزمات في الجانب الجيوسياسي ستخلق حالة التذبذب في الأسعار مؤكدا انها ظهرت بوضوح عندما غيرت وكالة الطاقة الدولية منحنى الطلب المتوقع على النفط للربعين الثالث والرابع من 2014 لسبع مرات نزولا من 05،94 مليون برميل يوميا إلى 3،93 مليون برميل في نهاية عام 2015.
وأكد ان ذلك يعكس الغموض السياسي وليس ما يتعلق بعامل العرض والطلب ويحتمل ان يكون العامل السياسي هو الأهم في الضغط على (أوبك) للتجانس ومن ثم إلى الاستقرار النسبي للنفط «ولا أرى المنطق الاقتصادي يؤيد جدوى الانخفاض في أسعار النفط فان كانت الدول مالكة الصناديق السيادية العالية ومنتجة النفط بكلفة بسيطة تتحمل حدة الانخفاض فلا أتصور انها تتحمل مدة الانخفاض». ويبقى الأمل لدى الدول المنتجة معقودا على عام 2015 ليكون بداية جديدة لصعود أسعار النفط اذ ان هذه ليست المرة الأولى التي تتدهور فيها الأسعار بمستويات قياسية حيث سجلت أسعار نفط برنت 14،128 دولار للبرميل في 13 اذار/مارس 2012 بفعل التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز ثم ما لبثت الأسعار أن اتخذت مسارا تنازليا لتصل إلى 68،88 دولار للبرميل في 25 حزيران/يونيو 2012 كما ان الشيء ذاته حدث في عام 2008 بعد أن سجلت أسعار نفط خام برنت متوسط 95،143 دولار للبرميل في 3 تموز/يوليو 2008. ونتيجة لحاله الكساد والأزمة المالية التي عصفت بالعالم آنذاك وانخفاض الطلب على النفط وارتفاع المعروض، انخفضت أسعاره لتصل خلال أشهر إلى 16،34 دولار للبرميل في 29 كانون الاول/ديسمبر 2008 فهل يتحقق فعلا ما ترجوه الدول المنتجة ويعوض العام الجديد الانهيار الشديد للأسعار في عام 2014 ؟