هناك ما يقارب من 1800 قناة ناطقة بالعربية في مختلف لهجاتها وأجنداتها ومستوياتها تسرح في فضاء هذا الكوكب.
1800 قناة تتفاوت جماهيريتها ومحتوياتها وأنواعها، لكنها كلها تتنطق العربية وألف قناة منها على الأقل تدعي أنها موضوعية وحيادية وتقدم الحقيقة، فيا أيتها الحقيقة، كم من مشاهد كان قربانا لك على مذبح الرسيفر.
أدركت حقيقة هذا الرقم بعد أن قمت بتركيب جهاز حديث لالتقاط القنوات الفضائية كلها عبر الانترنت، وبذهول خرافي كنت أقلب القنوات جميعها، قناة بعد قناة وأنا غارق في صمتي ودهشتي من كل هذا الكم، مستذكرا أن تاريخنا العربي كانت أحد منصات انطلاقه في أسواق الكلام في المربد وعكاظ وغيرها!
مع الدهشة التي غمرتني بكل ثقلها، كانت المتعة موجودة في رؤية قنوات الهامش، كما عنونتها في قائمة المفضلات، وهي تختلف عن قنوات مكافحة الأرق، التي عنونت قائمة خاصة بها تشمل القنوات الأردنية والسودانية والموريتانية والجيبوتية، على التوالي مرتبة حسب درجة النوم العميق، الذي تنشده (جيبوتي تضمن لك غيبوبة نوم عميقة مثلا، أما الأردنية فتعطيك لذة الغفوة السريعة ساعة الظهيرة).
قائمة قنوات الهامش، هي قائمة مستحدثة وجديدة، وهي لا تعطيك لا نوما ولا يقظة، ولا تعطيك أي شيء ولا تأخذ منك شيئا في المقابل، يمكن متابعتها بدون صوت، فالصورة المبثوثة أصلا صورة ساكنة عشوائية تتسمر لساعات على نصف الشاشة، والنصف الآخر بث «تليتكست» لمعلومات مختلفة مثل فوائد زيت الزيتون أو أهمية الفجل في الاحتباس الحراري ودفء الكون!
ترتيب القوائم للقنوات مهم، حتى لا تضيع وقتك في البحث، وأهمية قائمة «الهامش» عندي تكمن في تحويل التلفزيون إلى أداة إضاءة خفيفة وخافتة في الليل، بدلا من الإنارة المنزلية العادية، فتشعر أنك آنست نارا في عتمة الليل.. أما إن أردت مؤانسة ضوء خافت وحماقة صوتية، فعليك بقناة «صدى البلد» مثلا، وتلك من قائمة «الهبل الفضائي».
سر قناة «العرب» غير المكتشف
… ومن جولتي التي أخذت نهارا كاملا على قنوات الفضاء العربي توقفت عند ما كان يفترض أنها مساحة فضاء قناة «العرب» الإخبارية!! وهي القناة التي يمكن أن تدخل موسوعة «غينيس» كأول قناة تظهر ليوم واحد فقط وتختفي بعدها في ثنايا الخلافات والأجندات السياسية المعقدة وتضارب المصالح.
القناة التي بثت أول مرة مطلع شباط/فبراير عام 2015، توقفت في الثاني من الشهر فورا، والضجيج الذي سبق إطلاق القناة الإخبارية، التي يملكها الملياردير الوليد بن طلال، جعل ظهورها واختفاءها حديث الساعة لوقت طويل، وضاعت قصة القناة وتفاصيل اختفائها الغامض مثل قصة اختفاء طائرة في مصر في العهد السيسي.
ومن بين ما ضاع أيضا، حكاية حقوق 280 عاملا في القناة كانت قد وقعت معهم عقود عمل ورهنوا مستقبلهم بقناة إخبارية ممولة بتمويل كبير، لكن حقوق هؤلاء ضاعت هباء منثورا حتى اليوم.
القناة التي بدأت بشعار «القصة التي تهمك»، انتهت بقصة لا تهم أحدا، قصة حقوق العاملين فيها، وهي قصة أكثر تعقيدا تشوبها فلسفة «الخيار والفقوس» بامتياز.
ولمعرفتي ببعض الزملاء والأصدقاء من الكوادر المذبوحة على مذبح المصالح المتضاربة والمتقاطعة خلف كواليس الأبواب العالية، تواصلت مع بعض منهم لأتفاجأ أن خلف ما نراه على الشاشات، عالم من الحقوق المهنية المسفوحة والمرتهنة على ذمة المزاج السياسي.
الزملاء في فضائية «العرب» الموقوفة، أغلبهم حصلوا على رواتب عامين بدون عمل، هذا صحيح، لكنه يعني أيضا انقطاعهم عن العمل والتواصل مع العالم المهني لعامين أيضا وهو يعني شبه انتحار مهني، والأدهى أن تبليغهم بتسريحهم دون حقوق وقد رهنوا معيشتهم على العمل في القناة، لم يكن شاملا، فهو استثنى فئة قيادية منهم تم تصنيفها في جزيرة قبرص لتأخذ حقوقها المادية بينما تم رمي الباقي في مهب المجهول!
داوود الشريان و«الجزيرة»
الإشارة لحقوق هؤلاء الزملاء في مقالي، ليست إلا من مبدأ دعم الحقوق للزملاء أيا كانوا في مهنة المتاعب، لكن وفي العودة إلى الأسئلة الإعلامية المشروعة، فإن السؤال الأول دوما هو: ماذا يمكن أن تضيف قناة إخبارية جديدة في عالم القنوات الإخبارية المنتشرة في فضائنا العربي، وهو عالم دشنته بامتياز قناة «الجزيرة» في قطر، منتصف التسعينات، ومهما اختلفت او اتفقت مع القناة، فإنك لا تملك إلا أن تقر بريادتها الأولى، وقد ملأت الدنيا وشغلت الناس حتى اليوم.
الزميل داوود الشريان مثلا، تطرق في مقال لافت قبل يومين، لظاهرة «الاتجاه المعاكس» في «الجزيرة»، وأتفق معه إلى حد ما أن البرنامج المتهم ليس حياديا، ليس بالضرورة أن يكون حياديا أساسا، فلا حياد في الإعلام، ونبه وهو الإعلامي المؤهل بالخبرة إلى أن البرنامج حسب قوله «يمكن إدانته بالعبث في الموضوعية»، وهو أمر يمكن سحبه على باقي البرامج أيضا في مختلف فضائيات العالم العربي، الفاقد لموضوعيته منذ التشظي العربي الكبير بعد سقوط بغداد.
شخصيا، ومع احترامي لكل طواقم الكفاءة، التي كانت يمكن أن تدير قناة «العرب»، إلا أنني أشك أن القناة كانت ستحدث خرقا كبيرا في عالم الصحافة الإخبارية العربية، بشكل نوعي ملفت، خارج عن الأجندات المنقسمة بين خنادق النزاعات العربية، وأمام ريادة «الجزيرة»، التي لا أتابعها شخصيا منذ فترة، لكن أقر لها بريادتها، أو قناة «العربية»، التي تحاول «بعد خروجها من ملكية «أم بي سي» أن تواصل منافسة «الجزيرة»، رغم كوابح «السعودة» المفروضة عليها، وهي التي صارت في ذمة المؤسسة السعودية للأبحاث والنشر.
إعلامي أردني يقيم في بروكسل
مالك العثامنة