بغداد ـ «القدس العربي»: جاءت الجولة السريعة لرئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي إلى منطقة الخليج العربي، رغم شدة المعارك الدائرة في الموصل، لتشكل حدثا له دلالة، في تطور العلاقات بين العراق والسعودية وإيران والكويت. ويبدو ان الزيارة التي وصفها العبادي بأنها «ناجحة بدرجة كبيرة، وان الجميع يتفهم دور العراق وقوته في المنطقة» لافتا إلى ان هذه الدول «عبرت عن اعجابها بتحرير المناطق فضلا عن آثارها الأمنية والاقتصادية على العراق». وإذا كانت الأهداف المعلنة للجولة هي طلب الدعم للعراق في مواجهة الإرهاب وإعادة إعمار المناطق المحررة بعد الحرب المدمرة وكشف العبادي، ان كلفة دمار البنى التحتية بسبب الحرب على تنظيم «الدولة» بلغت أكثر من 100 مليار دولار»، وان الحكومة العراقية أكدت على «رفض سياسة المحاور» وحصار الدول في المنطقة، مع الاستعداد للقيام بالوساطة في أزمة دول الخليج وقطر. إلا ان المراقبين لم يستبعدوا ان الزيارة سعت أيضا لتطمين دول الخليج بخصوص مخاوفها من الحشد الشعبي ودوره المستقبلي.
ولعل المحطة الأهم في الزيارة كانت في قم، عندما التقى العبادي المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وجاءت تصريحات الأخير لتعبر عن واقع الحال للدور الإيراني في المشهد العراقي الحالي، عندما أعلن ارتياحه لطرد تنظيم «الدولة» من الحدود المشتركة العراقية السورية الذي وصفه بالانجاز الاستراتيجي الهام، مؤكدا رفض إيران للاستفتاء على انفصال إقليم كردستان، كما حذر الحكومة العراقية من السماح بعودة القوات الأمريكية إلى العراق تحت أي غطاء، إضافة إلى دعوته لدعم تجربة الحشد الشعبي وتعزيز دورها في المشهد العراقي المستقبلي، موجها الضربة الاخيرة لآمال بعض القوى السياسية العراقية الداعية لانهاء الحشد الشعبي بعد الانتهاء من تنظيم «الدولة».
وفي تطورات قضية إجراء حكومة الإقليم للاستفتاء حول تقرير المصير فقد أصبح واضحا إصرار القيادة الكردية على المضي في العملية رغم تحذيرات الأمم المتحدة والدول الكبرى والاتحاد الاوروبي ودول الجوار، التي شددت على ضرورة إجراء الحوار بين أربيل وبغداد. وقد عبرت هذه الدول عن القلق من تداعيات الاستفتاء على الأوضاع الأمنية وتهديده لوحدة العراق، خاصة مع إعلان مفوضية الانتخابات في الإقليم، شمول المناطق المتنازع عليها ومنها كركوك بالاستفتاء، وهو الأمر الذي رفضته الحكومة العراقية تماما، بل وأعلن العبادي ان الاستفتاء مخالف للقانون وسيخلق مشاكل جديدة للإقليم. مما ينبئ بمخاطر المواجهة المتوقعة بين حكومتي بغداد وأربيل. ومع ان القادة الكرد أعلنوا الاستجابة لدعوات الحوار مع بغداد، إلا ان الحوار يبدو مجرد اسقاط فرض، وفشله حتمي مع إصرار كل طرف على مواقفه. وما زاد تعقيد الموقف هو إعلان حكومة الإقليم تشكيل قوات عسكرية من عرب وايزيديين ومسيحيين من المناطق المحررة حول الموصل، وضمهم إلى البيشمركه، مع تنظيم مؤتمرات لبعض عرب الموصل من أصدقاء الإقليم المطالبين بضم مناطقهم إلى الاستفتاء.
وفي إطار العمليات العسكرية، احتلت معركة تحرير ما تبقى من الموصل من قبضة تنظيم «الدولة» الاهتمام الأبرز هذه الأيام، مع اقتراب القوات العراقية من حسم الموقف لصالحها بعد استعادة العديد من المناطق ومنها حي الشفاء وبدء معركة الشوارع من بيت إلى بيت وسط أزقة الموصل القديمة. ومع تأكد حتمية هزيمة التنظيم المتطرف، أقدم ضمن ممارساته السادية، على ارتكاب جريمة حضارية جديدة عندما ارتكب جريمة نسف الجامع النوري ومئذنته الشهيرة «الحدباء» ليترك غصة في قلوب العراقيين على فقدان معلم تاريخي بارز يؤكد عمق ارتباطهم الحضاري، وليزيد من وحدة الشعب بضرورة انهاء ظاهرة «الدولة» الشاذة والمؤذية في المشهد العراقي، التي لم تكتفِ بتدمير المعالم التاريخية، بل استباحت وبوحشية سيذكرها التاريخ طويلا، دماء المدنيين الأبرياء المحاصرين في الموصل القديمة، حيث نقلت المصادر من المدينة قصصا مأساوية عن المجازر التي ينفذها بحق المدنيين وخاصة الذين يحاولون الفرار بكل الطرق رغم استفحال أعداد الضحايا الذي أصبح الفرار من جحيم «الدولة» والحرب الدائرة، بالنسبة لهم عملية انتحار وخيار وحيد لا مفر منه.
ومن جانب آخر، وفي أول حادث من نوعه منذ الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، اقدمت إيران على اطلاق صواريخ عبر الأجواء العراقية نحو أهداف للمعارضة السورية بذريعة الرد على هجمات إرهابية على العاصمة الإيرانية، لتعلن حقيقة أصبحت مؤكدة ان الأجواء العراقية والسورية أصبحت مفتوحة أمام طائرات وصواريخ إيران، في وقت تشهد منطقة الحدود العراقية السورية، صراعا وتنافسا محموما لفرض السيطرة عليها بين الولايات المتحدة وفصائل سورية تابعة لها من جهة، وبين قوات النظام السوري والمستشارين الإيرانيين وفصائل شيعية من جهة أخرى. وقد تابع المراقبون مسارعة قوات الطرفين للسيطرة على المعابر الحدودية ومنها معبر التنف الذي حررته قوات عراقية، حيث تمركزت فيه قوة أمريكية مع فصائل سورية حليفة لها ونصبت قربه صواريخ بعيدة المدى، لتقف في مواجهة قوات سورية مدعومة بقوات حليفة، مما خلق أجواء تشنج أدت إلى اسقاط الطائرات الأمريكية لطائرة سورية مقاتلة وطائرة مسيرة إيرانية، مع إطلاق تحذيرات أمريكية وروسية لحلفاء الطرفين.
ومع اقتراب ساعة الحسم في الموصل والقضاء على تنظيم «الدولة» في أهم موقع له في العراق، تبرز تحديات جدية أمام الحكومة العراقية أبرزها اكمال اخراج التنظيم من المدن والمناطق المتفرقة التي لا تزال تحت سيطرته، وقضية استفتاء الإقليم حول الانفصال، والمصالحة الوطنية، وإعمار المدن المحررة، وغيرها من التحديات التي تتطلب جهدا وطنيا مضنيا.
مصطفى العبيدي