أصوات من حلب: المدينة تشهد لموتها

حجم الخط
3

بيروت – عمر بقبوق: «كسر شوكة فصائل المعارضة»، هذا الشعار رفعه إعلام النظام السوري منذ أن بدأت قواته والقوات المساندة له في حصار القسم الشرقي من مدينة حلب. الحياة المدنية التي يعيشها أبناء الأحياء الفقيرة في عاصمة سورية الصناعية، لم تشفع لهم بالنأي عن عقاب الجيش السوري لشعبه المحتضن للفصائل المعارضة، ولم يتمكن الأطفال الذين يواظبون على الذهاب إلى المدارس من استجداء رحمة القصف الجوي الذي لا يزال يعصف في سماء أعرق المدن السورية.
يعتقد الحاج أبو محمد، وهو رجل سبعيني من سكان حي الفرقان في حلب، أن مدينته وصلت إلى حتفها الأخير، ويقول: «لن يطول الزمن حتى نتحول جميعنا لجثث مرمية على قارعة الطريق».
ويضيف: «بالنسبة لي لا أريد شيئا، ولا أهتم من سينتصر في هذه المعركة، وعزائي الوحيد أنني استطعت أن أؤمن على أولادي، وهم يعيشون الآن حياة أفضل في الخارج، وأنا أعيش وحيداً مع ابنتي هنا، وننتظر الموت في أي لحظة».
وحال عائلة أبو محمد المتبقية في حلب لا يختلف عن حال بقية السكان، العجائز والنساء والأطفال، وأما الشباب، فهم نادرون جداً، فمعظمهم سافر أو مات أو تم تجنيده، وذلك ما حدث في عائلة أم عبدو(67 عاماً)، التي فقدت أولادها الذكور بسبب تجنيدهم جميعاً، أحدهم في قوات جيش النظام، والبقية في فصائل المعارضة، وهي اليوم تعيش مع أحفادها وتحاول أن ترعاهم.
وتقول أم عبدو: «لا أستطيع اليوم أن أفكر سوى بأمر واحد، هو تأمين لقمة العيش لأحفادي، الوضع هنا يزداد سوءًا يوماً بعد يوم، ولكن لدي أملا بأن ينتهي هذا الحصار وتعود الحياة كما كانت عليه، فمن غير المعقول أن يكون مصير كل هؤلاء الأطفال هو الموت»، ليبدو أن هذا التفاؤل غير المقرون بتحليلات الواقع السياسي، وغريزة الحياة، هما وحدهما من يبعثان الأمل لدى سكان هذه المدينة.
ودفع الجوع والخوف عشرات السوريين للانصياع لرغبات النظام السوري، والنزوح إلى مناطقه الآمنة، كما ذكرت أم عبدو، مضيفة أن «قوات المعارضة تآمرت على الشعب السوري مع النظام وحاصرت المدنيين لتمنعهم من الخروج بدورها».
وتتابع: «لن أكون سعيدة إن انتصرت المعارضة، وأحفادي يموتون من الجوع رغبتنا بالخروج من مناطق الحصار، لا تعني تأييدنا للنظام، فالنظام هو المسؤول عن تيتيم أحفادي، ولكن الأطفال لا ذنب لهم في هذه الحرب، ويجب أن يعيشوا ويكبروا».
وأما الشابات اللواتي يعشن في القسم الشرقي من مدينة حلب، فإنهن ينظرن إلى الواقع بمنظار مختلف، فالفتاة العشرينية سماح، والتي تسكن في القسم الشرقي من حي الأنصاري، لا تهتم بأمور المساعدات الإنسانية، وتعتبر أن المونة الموجودة لديهم في المنزل ستكفيهم ريثما يجدون طريقة للخروج.
وتقول سماح: «لا تهمنا كل المساعدات الإنسانية التي يقدمونها لنا، إن كانوا حقاً يريدون مساعدتنا فليخرجونا من هنا، هم قادرون على نقل الطعام إلينا بين الحين والآخر، وقادرون على الانتقال بين غرب المدينة وشرقها، ومع ذلك يتصرفون وكأنهم ينقذوننا من الموت جوعاً».
وتضيف: « لسنا مهتمين بالمساعدات الإنسانية، ونحن على استعداد لأن نأكل الحشائش الموجودة على الأرض إن لزم الأمر، إن ما يهمنا هو الخروج من هذه القوقعة التي حصرونا فيها، فالنظام لا يرحمنا، ويستمر بالقصف طيلة الوقت، وبتنا نشعر بالسعادة إن توقف القصف لساعتين متتاليتين، وكذلك الجيش الحر، تآمر علينا أيضاً، فانتصاره أهم من حياتنا، والمجتمع الدولي ليس أفضل، فهو يبذل الجهود والأموال لإيصال الطعام، بدلاً من المحاولة لإخراج المحاصرين».

أصوات من حلب: المدينة تشهد لموتها

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية