أطفال اليمن يستغيثون: لا تقتلوا الطفولة

حجم الخط
1

لندن ـ «القدس العربي»: لم تعد الطفلة اليمنية ندى نصير، البالغة من العمر سبع سنوات، تجرؤ على الذهاب إلى المدرسة بعد أن سقط صديقها قتيلاً برصاص قناص وهو في طريقه إلى هناك. تقول ندى: «كان عبد الرحمن يبلغ من العمر 4 سنوات عندما أرداه قناص قتيلا. لا أريد أن أقتل مثله». وكما ندى، يستنجد الآف الأطفال اليمنيون في العالم لإنقاذهم من الموت منتظرين أن تقوم أحياءهم من تحت الركام ويتوقف الاقتتال، حتى يستطيعون العودة إلى المدرسة مرة أخرى. أما عبد الرحمن، فلن يشغل مقعده الدراسي بعد الآن بعد أن رحل عن معركة يائسة من أجل الحياة مثل ما رحل أكثر من 400 طفل آخر منذ تصاعد الأزمة في نهاية شهر آذار/مارس. أما محمد حسين، 13 سنة، والذي نجى هو وأسرته من الاقتتال العنيف في منطقة صلاح الدين، في البريقة قرب عدن، فوصف في حديثه لمنظمة «اليونيسيف» ملخصا عن معاناة جيله: «أشعر بالحزن، أشعر بالحزن الشديد، فكل شيء حولي آخذ في الانهيار. أسمع والدتي تبكي بأسى في الليل، وأسمع صوت معدتي تتضور جوعا». ندى ومحمد، مثلهم مثل أطفال آخرين، فاجأتهم الانفجارات وحاصرهم وابل الرصاص وهم يلعبون في الشوارع، منهم من فقدوا أرجلهم وأذرعهم، ومنهم من ينتظر بصيص أمل في بلد تأكله الحرب ويفتقر فيه أكثر من 20 مليون شخص (من أصل 25) إلى المياه النظيفة والصرف الصحي ويعاني نصف سكانه من انعدام الأمن الغذائي، وتصنف 10 من محافظاته الـ 22 بأنها تشهد «حالة طوارئ غذائية».
وبين تصريح منسوب إلى جوليان هارنيس، ممثل اليونيسيف في اليمن ان ”عدد الأطفال الذين قُتلوا في اليمن خلال عشرة اسابيع هو أربعة اضعاف المجموع الكلي للقتلى الأطفال عام 2014 . إذ تفيد التقارير الواردة عن مقتل 300 طفل وإصابة 402 آخرين بجراح منذ تصاعد العنف في اليمن في 26 آذار/مارس 2015 مقارنةً مع مقتل 74 طفلاً وإصابة 244 بجراح خلال العام الماضي. كما كان للاضطراب الأهلي الواسع والصراعات المحلية في اليمن خلال عامي 2011 و 2012 أثراً سلبياً فورياً على سلامة الأطفال. فمنذ شباط/فبراير إلى تموز/يوليو 2011، لقي المئات من المدنيين مصرعهم في العنف المرتبط بالاحتجاجات بمن فيهم 76 طفلاً (10 بنات و 66 ولداً). وتبعث الذخائر غير المتفجرة من مخلفات الصراع القلق بشكل متزايد لدى اليونيسيف إذ تسببت في إعاقة 24 طفلاً ومقتل 16 منذ مطلع العام 2012.

المدارس: حرمان 2 مليون طفل
من الانتظام في حصصهم

قبل اندلاع الصراع الحالي، كان هناك 1.6 مليون طفل خارج المدرسة في اليمن. وبفعل الإقتتال الدائر منذ شهر اذار/مارس، أغلقت العديد من المدارس أبوابها حارمة حوالي 2 مليون طفل من الانتظام في حصصهم. كما وأجبر المئات من الطلاب في صنعاء على إخلاء غرف الصف خلال تصاعد أعمال العنف. ووجدت اليونيسيف، بعد أن تقصت عن الأضرار، أن 30 مدرسة على الأقل تضررت بسبب الاقتتال، وأن هذا الوضع الصعب ما زال يتدهور بشكل سريع. وكانت المجموعات المسلحة قد احتلت عددا من المدارس في أيلول/سبتمبر العام الماضي ضمن سعيها للسيطرة على مدينة صنعاء ما أدى إلى تعطيل العام الدراسي. وتشير تقارير اليونيسيف إلى أن أكثر من 51 مدرسة تأثرت بشكل مباشر أو غير مباشر بالصراعات المسلحة والعنف الذي نشب خلال شهر أيلول/سبتمبر من ضمنها مبنى مدرسة ابن سينا في صنعاء الذي تأثر بغارة جوية ضربت المبنى المجاور له ما أدى إلى انهيار الجدار الخارجي لساحة المدرسة وانهال الركام والزجاج المكسر داخل غرف الصف. وبسبب هذه الأضرار تم إغلاق المدرسة، التي كانت تدرس فيها 1،500 فتاة في المرحلة الأساسية والثانوية، إلى أجل غير مسمى. أما بالنسبة للطفلة نسمة، ذات الثلاثة عشرة عاما، فقد تغير المشهد بالكامل: «أشعر بحزن شديد، فلقد تدمر الشارع الرئيسي الذي كان أجمل منطقة في حيّنا. كما حرقت الصواريخ الدكان الذي كنت أشتري منه القرطاسية للمدرسة، وتدمرت المنازل. أصبحت المباني خاوية والدمار في كل مكان. رجاء أوقفوا الحرب» تقول نسمة، وهي تتفقد شارعها في مدينة عدن.

سلامة الأطفال

بعد الدمار الشامل الذي لحق باليمن والذي أجبر أكثر من مليون شخص على الفرار من ديارهم، انهارت الخدمات الأساسية في البلاد مما أدى إلى نقص حاد في الغذاء والوقود والبنية الأساسية المدنية بما في ذلك المستشفيات والمدارس ومحطات الطاقة ومنشآت المياه. كما ارتفعت أسعار الطعام والمياه العذبة بشكل خيالي. كما اغلقت المخابز أبوابها وتوقفت الإمدادات الغذائية من المحافظات المجاورة.
وتقول أم محمد التي نجت وأسرتها من الاقتتال العنيف الذي دار في منطقة صلاح الدين أن المخابز في منطقتها أغلقت أبوابها، وأن المحل الوحيد الذي ما زال يبيع الخبز رفع أسعاره بشكل كبير. وبسبب عدم قدرتها على العمل دون وقود، أغلقت مراكز الرعاية الصحية المحلية أبوابها. وأدى تدهور الوضع الأمني إلى إرتفاع أسعار الطعام بنسبة 40٪، بينما تضاعفت أسعار الوقود خمس مرات.

الأمراض وسوء التغذية

يعد سوء الغذاء، أو نقصه، الخطر الأكبر الذي يهدد أطفال اليمن ذلك أنه يزداد سوءا مع إحتدام الصراعات ويعرض الملايين من الأطفال لخطر الإصابة بأمراض يمكن الوقاية منها. فقبل أواخر آذار/مارس، كان هناك حوالي 850،000 طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية. ومع انهيار نظام الرعاية الصحية وغياب المواد الأساسية يرجح أن يرتفع الرقم أكثر. وتشير تقديرات اليونيسيف إلى أن أكثر من نصف مليون طفل دون سن الخامسة معرضون لخطر الإصابة بسوء التغذية الشديد والحاد على مدى الأشهر الاثني عشر المقبلة إذا استمر الوضع في التدهور. بالإضافة إلى ذلك٬ فإن حوالي 1.2 مليون طفل دون سن الخامسة معرضون لخطر سوء التغذية الحاد المعتدل وهو ما يقرب من ضعف ما كان الحال عليه قبل الأزمة. ويقدر مجموع عدد سكان اليمن بـ25 مليون نسمة وعدد السكان تحت سن الخامسة بأكثر من 4 ملايين عام 2012، يعاني 267.000 منهم من سوء التغذية الحاد الشديد بينما توصف حالة 700.000 منهم بسوء التغذية متوسط الحدة. ويواجه النظام الصحي تحديات كبيرة، مع إغلاق مئة وستين منشأة صحية على الأقل بسبب انعدام الأمن ونقص الوقود وغير ذلك من الإمدادات الحيوية. وفي هذا الشأن، قال الدكتور بيتر سلامة٬ المدير الإقليمي لليونيسيف في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأن الأطفال في اليمن لا يتم تطعيمهم «إما لأن المراكز الصحية لا يصلها التيار الكهربائي٬ أو لأنه لا يتوفر لها الوقود اللازم لتبريد اللقاحات وتوزيعها٬ أو لأن الأهالي خائفون من القتال لدرجة أنهم يحجمون عن أخذ أطفالهم إلى مراكز التحصين لتلقي الجرعة».
وأضاف قائلاً أن «النتيجة المأساوية هي أن الأطفال سيلقون حتفهم جراء أمراض يمكن عادة الوقاية منها٬ مثل الحصبة والالتهاب الرئوي.»
ووفقا لليونيسيف٬ فإن الانقطاع في خدمات التحصين يعرض ما يقدر نحو 2.6 مليون طفل دون الخامسة عشرة من عمرهم لمخاطر الإصابة بالحصبة وهي مرض فتاك ينتشر بسرعة في أوقات النزاعات المسلحة والنزوح السكاني. وبحسب المنظمة، فإن من المرجح أن يكون ”عدد الأطفال المعرضين للإصابة بالالتهابات التنفسية الحادة قد وصل إلى حوالي 1.3 مليون طفل٬ كما أن العديد من المستشفيات والمراكز الصحية لا تعمل بشكل صحيح منذ تصاعد الصراع في شهر آذار/مارس، مما يضاعف العقبات التي تقف حجر عثرة أمام الأهالي في محاولتهم الحصول على خدمات معالجة أطفالهم في الوقت المناسب». وفي الوقت نفسه٬ يتعرض أكثر من 2.5 مليون طفل لخطر الإصابة بالإسهال بسبب عدم توفر المياه الصالحة للشرب والظروف الصحية السيئة وانعدام فرص الحصول على أملاح الإماهة الفموية بالمقارنة مع 1.5 مليون طفل قبل اندلاع النزاع المسلح في اليمن.

تجنيد الأطفال

على الرغم من ان الحكومة اليمنية وقعت على خطة عمل مع الأمم المتحدة لإنهاء تجنيد الأطفال من قبل القوات المسلحة في البلاد العام الماضي، إلا أن المعطيات تشير إلى أن هذه الظاهرة لا تزال قائمة لا بل آخذة في التطور. فقد ارتفعت معدلات تجنيد واستخدام الأطفال بشكل كبير في الأشهر القليلة الماضية بفعل قيام مجموعات مُسلحة باستخدام الأطفال لحراسة نقاط التفتيش أو حمل السلاح. وخلال عام 2014، تأكد تجنيد واستخدام 156 طفلا من قبل مجموعات مُسلحة، بينما تضاعف هذا العدد خلال العام الجاري ليصل إلى 318 طفلا، بحسب الأمم المتحدة. وتقوم المجموعات بتجنيد الأطفال ابتداء من سن 6 سنوات، وترغمهم على ترك المدرسة لاستثمارهم في الحرب، إضافة إلى من يشارك في القتال لأسباب سياسية ودينية.

الإغاثة الإنسانية

تتعرض منظمات الإغاثة التي تحمل مساعدات إنسانية وغذائية إلى المناطق المتأثرة بالنزاع في اليمن إلى التوقيف وأحياناً للهجوم مما يؤدي إلى عدم وصولها إلى الأماكن المحددة. ويعقد إرتفاع أسعار الوقود المشكلة أكثر، حيث يصعب المهمة على وسائل النقل. ويقول ستيفن أوبراين منسق الإغاثة الطارئة للأمم المتحدة إن واحدا وعشرين مليون يمني، بما يقدر بثمانين في المئة من السكان، بحاجة إلى المساعدات إنسانية طارئة. وردا على سؤال لـ «القدس العربي» حول الهدنة الإنسانية التي دعا لها ممثل الأمين العام الخاص باليمن، إسماعيل ولد الشيخ أحمد، وكيفية التحقق من عدم إنتهاكها، قال أوبراين إن الهدنة ضرورة عاجلة لإيصال المساعدات الإنسانية للمحتاجين بأقصى سرعة ممكنة. وعملية التحقق من عدم إنتهاكا أمر صعب بسبب إتساع اليمن ووعورة تضاريسه الجغرافية. ويقول المدير التنفيذي لليونيسيف، آنتوني ليك: «لا يمكن أن يستمر الأطفال في دفع ثمن العنف الدائر في اليمن. فجميع أطراف النزاع ملزمون بموجب القانون الدولي بحماية الأطفال من الأذى. ويجب أن يكون هناك في الحد الأدنى هدنة إنسانية تتيح توصيل الإمدادات المنقذة للأرواح للمصابين، والمرضى، والفئات الهشة وجميع المتأثرين بالنزاع، ولكن الوقف الكامل للاقتتال هو الإجراء الوحيد الذي يمكن أن يحمي أطفال اليمن، والذين هم مستقبل اليمن».

ريما شري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية