لندن – «القدس العربي»: سقطوا من ذاكرة المجتمع الإنساني، بعد ان سقطوا من ضميره. انهم أطفال سوريا الذين تتفاقم معاناتهم يوميا دون ان يفهم أغلبهم «الذنب» الذي اقترفوه ليستحقوا ان يكونوا وقودا في هذه المأساة الإنسانية.
في حوار خاص مع «القدس العربي» كشف مختصون عن أبعاد جديدة لمأساة الأطفال السوريين سواء داخل الوطن أو المنافي، وشددوا على حاجة ماسة الى اعادة النظر في التعامل مع مأساتهم، بدءا من الاهتمام بالدعم المباشر للمنظمات المحلية العاملة على الأرض بإعتبار انها الأقدر على تقديم المساعدة، مرورا بفتح مدارس ومراكز للعب ومراكز تأهيل نفسي وجسدي للأطفال من ضحايا الإنتهاكات مثل العنف الجنسي والتعذيب او الصدمات النفسية والعصبية الناتجة عن مشاهدة أهوال الحرب أو فقدان الأب أو الأم او كليهما تحت القصف.
جرائم ضد الإنسانية بحق أطفال
فضل عبدالغني رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان المتخصصة أجرى دراسة حديثة عن أوضاع الأطفال السوريين والإنتهاكات الصارخة والموثقة التي تعرضوا لها، قال لـ»القدس العربي»:
أعلى الإنتهاكات هو القتل خارج نطاق القانون، وهذا يعتبر جريمة ضد الإنسانية لانه منهجي وواسع النطاق. النظام السوري متهم عند الأمم المتحدة وعندنا نحن كحقوقيين بإرتكاب جرائم ضد الإنسانية بحق الأطفال.
حوالي 15 الف طفل قتلتهم القوات الحكومية وهناك مجموعات اخرى داخل سوريا مثل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام»داعش» قتلت نحو 44 طفلا، والفصائل المسلحة الاخرى قصفت مواقع تابعة للنظام فقتلت حوالي 35 طفلا.
وبالنسبة لجرائم التعذيب، يقول: قتل تحت التعذيب 93 طفلا داخل مراكز الإحتجاز سواء النظامية او غير النظامية وآخر حالة سجلناها الشهر الماضي كانت سقوط صبية ماتت من التعذيب وتبلغ من العمر 17 سنة اسمها نعمة حميد القادري من درعا، تم اعتقالها في 13-5-2014 وماتت داخل مركز للإحتجاز.
هذه كلها جرائم ضد الإنسانية والتعذيب محرمة في القانون الدولي الإنساني.
ويضيف : ان سوريا موقعة على اتفاقية مناهضة التعذيب وحقوق الطفل واتفاقيات اخرى ولم تلتزم بها. النظام السوري انتهك قرارات مجلس الأمن 2118 تحت الفصل السابع الصادر في 27-9-2013، وهو يحظر استخدام الأسلحة الكيميائية حيث قتل عدد كبير من الأطفال بسبب الأسلحة الكيمياوية وانتهك القرار 2139 الذي صدر حديثا.
ويشير الى تقارير أصدرتها الشبكة عن الأطفال اليتامى الذين فقدو أبا أو أما أو الاثنين معا: الذين فقدوا اباءهم يبلغون حوالي 41 الف طفل. الأب اما مقتول أو مفقود او معتقل، ومن ناحية الأم حوالي 7400 طفل يتيم فقدوا أمهاتهم.
دعم المؤسسات المحلية
وينقل عن نائبة منسقة الإغاثة بحالات الطوارئ فيقول: لقد أثارت فضيحة في الأمم المتحدة حيث قالت ان حوالي 90 في المئة من المساعدات تذهب للمنظمات الخاضعة للنظام السوري ومناطق خاضعة لسيطرة النظام وحرمت منها مناطق خارجة عن سيطرة النظام.
اما عن الدعم والمساعدات التي تقدم من الدول المانحة فيؤكد عبدالغني انه يجب ان تتم مساءلة حقيقية، ويجب ان يتم دعم المؤسسات المحلية السورية ليس فقط الاعتماد على المنظمات الأممية، لان المنظمات المحلية السورية هي التي ستستمر بعد الأزمة، ومنهم شرفاء وأنقياء وعندهم خبرة أكبر وإطلاع أكثر من المنظمات الدولية ودعمهم يجب ان يكون ماديا.
ويضيف: نطالب بفتح مدارس لإحتواء هذا الجيل وتعليمه، هذا أهم شيء. المدرسة تساعد على اشغال الطفل وتأهيله النفسي وتنسيه أهوال المعارك والقتل التي علقت في ذاكرته، وتوفير مراكز للعلب الأطفال داخل المخيمات وارسال فرق للدعم النفسي لمحاورة الأطفال والوقوف عند احتياجاتهم النفسية وعلاجها ان تطلب الأمر خاصة من تعرض لصدمة خاصة مثل التبول اللا إرادي بسبب فقدان الصديق الذي كان يدرس معه في نفس الفصل ومات مثلا أو لأسباب أخرى مؤلمة.
إغتصاب القاصرات
ويتحدث رئيس الشبكة السورية عن إغتصاب القاصرات: هن الفئة الأضعف في المجتمع، لا يوجد إهتمام بهذه الفئة، قابلت معنفات جنسيا في الاردن، المجتمع لا يصرح عن هذه الحالات وتقاليده لا تتقبل ذلك، ونحن نراعي المجتمع المحافظ لكن من الضروري ان يتم انشاء مراكز للتأهيل والعلاج.
اما بالنسبة الى زواج القاصرات، فقال: انه موجود لكنه محدود، بعض العائلات عاملت بناتها بشكل سيىء فأدى ذلك الى هروب البنات، وبعضهن حاولن الإنتحار.
الآثار النفسية
أما الدكتورة ماسا الكردي الطبيبة والمعالجة النفـــسية واحدى مؤسسي جمعية سوريا تعنى بعلاج الأمراض النفسية للسوريين بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني (samh )، وعضو منظمة children and war foundation زارت مخيم الزعتري للاجئين السوريين في الاردن، وعملت كمتطوعة في العلاج النفسي فقالت لـ»القدس العربي»: عند زيارتي لمخيم الزعتري ضمن فريق طبي نفسي وثقنا العديد من المشكلات الصحية عند الأطفال بسبب الحرب والخوف أو فقدان العائلة أو التعرض للإغتصاب. وتتراوح بين الكآبة والذعر ومشاكل ما بعد الصدمة. ووجدنا ايضا ان الأطفال كانوا الأكثر عرضة للإضطرابات النفسية وتأثرا بصور القصف والقتل والتهجير. وتؤكد انه الى الآن لم يتم الإهتمام بخدمات الصحة النفسية للاجئين السوريين بالشكل المطلوب، وفي حال لم يتم علاج هذه الحالات بشكل فوري فسوف يؤدي ذلك الى تفاقم المشكلة وعدم إندماج هؤلاء الأطفال في المجتمع بشكل طبيعي وسيؤدي أيضا الى تأثيرات صحية على المدى البعيد وهذا سيخلق وللأسف جيلا كاملا ضائعا ومدمرا لا يستطيع ان يساهم في بناء سوريا المستقبل.
حالات الإغتصاب أكثر من المعلنة
تقول دكتورة ماسا: تم توثيق حالات إغتصاب عديدة لنساء ورجال وأطفال، لكن المشكلة الأكبر ان الأرقام المعلنة عن حالات الإغتصاب تبقى محدودة وذلك بسبب الخوف من إعلان الضحايا وخاصة النساء بسبب الوصمة وما يترتب على ذلك من تعامل المجتمع مع المغتصبة فيما بعد.
وتروي انها التقت بطفلة تبلغ من العمر 13 سنة كانت في سجن ادلب عندما تعرضت للإغتصاب المتكرر ولمدة عشرة أيام. في البداية كانت ترفض اي علاج يقدم لها وترفض ان يقترب منها اي أحد، وكانت تحتاج لعلاج نفسي كلينيكي وإعادة تأهيل الجهاز التناسلي. واخيرا قبلت ان تعالج من خلال جمعية خيرية تركية تساعد اللاجئين الموجودين بين الحدود السورية التركية وقاموا بتسفيرها الى اسطنبول لتلقي العلاج.
وفي النهاية فان إستمرار الصمت المريب للمجتمع الدولي تجاه هذه الجرائم المستمرة بحق أطفال سوريا، لا يمكن ان يكون الا مشاركة فيها. ويتساءل المراقب ماذا يجب ان يحصل لتتحرك الضمائر أو تبصر القلوب؟
وجدان الربيعي