أطفال سوريا يدفعون ثمن الحرب: أيتام وجوعى وبدون تعليم… والعنف شكّل حياتهم

حجم الخط
1

لندن ـ «القدس العربي»: كشف تقرير لمنظمة الطفولة العالمية «يونيسيف» أن ثلث أطفال سوريا ولدوا خلال السنوات الخمس الماضية. وقال التقرير إن 300.000 من هؤلاء الأطفال البالغ عددهم 3.7 مليون ولدوا في مخيمات اللاجئين.
وكشف التقرير أن حياة هؤلاء الأطفال «تشكلت بالعنف والخوف والتشرد». وتقدر اليونسيف عدد الأطفال السوريين الذين يحتاجون لعناية ماسة بحوالي 8.4 مليون طفل أي نسبة 80% ممن هم تحت سن الثامنة عشرة ويعيشون في دول الجوار السوري.
وتعزز نتائج التقرير ما توصلت إليه أبحاث أخرى حول أثر الحرب المدمر خاصة على الأطفال الذين ولدوا في ظل الحرب وسيكبرون يتامى وغير متعلمين وبدون عمل وبحاجة ماسة للطعام والدواء.
وقدرت المنظمة البريطانية «سيف ذا تشيلدرن» (أنقذوا الأطفال) الأسبوع الماضي أن ربع مليون طفل سوري يعيشون في مناطق محاصرة وأن بعضهم تغذى على طعام الحيوانات والحشائش من أجل البقاء على الحياة. وقالت منظمة «وورلد فيشن» وهي جماعة لوبي مسيحية إن خسائر النمو الاقتصادي بما فيها الطفولة المفقود ستصل إلى 1.3 تريليون دولار إن لم يتم تحقيق السلام بحلول عام 2020.
ويرى تقرير «اليونيسيف» أن أسوأ الإنتهاكات ضد الأطفال حصلت في عام 2015 ووثقت 1.500 «انتهاك خطير» معظمها حوادث قتل وتشويه بسبب استهداف الطيران للمناطق المدنية.
وقدر التقرير عدد الأطفال الذين لم حرموا من الدراسة العام الماضي بحوالي 2.1 مليون طفل فيما زاد عدد الأطفال والصبيان الذين تم تجنيدهم للقتال مع الفصائل المسلحة بشكل كبير.
وأشار التقرير إلى مشاركة الأطفال في معسكرات التدريب والمهام القتالية وإجبارهم على تولي مهام تمثل تهديداً على حياتهم بما في ذلك حمل الأسلحة وحراسة نقاط التفتيش وإجلاء الجرحى وعلاجهم.
ويشير التقرير إلى أن الأطراف المتحاربة تستخدم الأطفال لتنفيذ أحكام بالإعدام وكقناصة. ولاحظ التقرير زيادة عدد الأطفال الذين يعيشون في دول الجوار بنسبة 10% عما كان عددهم في 2012. ويبدو التقدير الذي تقدمه «يونيسيف» والمنظمات الإغاثية الاخرى متشائماً رغم الهدنة التي بدئ بتطبيقها في 27 شباط/فبراير. وحذرت « في تقريرها الذي صدر الجمعة أن الأسوأ قادم خاصة في ظل استمرار منع وصول المواد الإغاثية.
وقدرت المنظمة زيادة عدد السوريين الذين يعيشون في مناطق محاصرة بحوالي نصف مليون شخص.
وبحسب التقرير الذي حمل عنوان «صب الزيت على النار» أن زيادة العنف جاءت مع التدخل الروسي في سوريا الذي بدأ في الخريف الماضي لدعم نظام بشار الأسد.

دي ميستورا يحذر

وتأتي التقارير للمنظمات الإنسانية والدولية في ظل القراءة المتأنية لحرب الخمس سنوات والتحركات الدولية من أجل إنهاء العنف الذي شرد ملايين السوريين ودمر معظم المدن السورية وزعزع استقرار المنطقة.
وفي هذا السياق حذرالمبعوث الدولي الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا من أن تنظيم «الدولة» سيكون المنتصر الوحيد في سوريا إن فشلت المفاوضات وذلك قبل استئناف الجولة الجديدة من محادثات جنيف.
وفي مقابلة مع صحيفة «دايلي تلغراف» قال إن القلق حول تنظيم الدولة كان السبب الذي دفع الأطراف المتحاربة إلى إنجاح محاولات وقف إطلاق النار. وبحسب دي ميستورا فإن أزمة اللاجئين التي تواجه أوروبا وتقدم تنظيم الدولة شكلاً خطراً مشتركاً بين اللاعبين الدوليين، حتى بين الروس أنفسهم. وتعتبر المحادثات الدبلوماسية هي الأولى منذ تدخل الطيران الروسي دعماً لحليفه النظام السوري برئاسة بشار الأسد.
ويرى دي ميستورا أن أحد أسباب نجاح وقف إطلاق النار هو التعاون الأمريكي الروسي، معتبرا أنه «نجح، رغم هشاشته وحدوث انتهاكات، بعضها كبير»، مؤكداً أن الأطراف المشاركة تسعى لإنجاح وقف إطلاق النار.
وحذر من وجود بعض الاختلافات «التي لا يمكن تجنبها» في محادثات جنيف. واتهمت الولايات المتحدة وفرنسا الأحد، النظام السوري بمحاولة تخريب الجولة المقبلة من المفاوضات، وقالتا إن «روسيا وإيران يجب أن تظهرا التزاماً للنظام السوري بالاتفاق». وأشار دي ميستورا إلى «وجود محاولات للاستفادة من نافذة وقف إطلاق النار، لكسر الحصار عن المناطق المحاصرة في سوريا»، وقد وصلت 262 شاحنة إلى مناطق محاصرة، بعد أن منع النظام دخول أي شاحنة العام الماضي.
وعبر دي ميستورا عن «تفاؤل حذر» من وضع الجولة الحالية موضحاً أن سبب ذلك هو أنه رأى «للمرة الأولى اهتماماً حقيقياً من القوى العظمى بالوصول لمكان ما». ويحاول دي ميستورا التأكيد على أهمية المفاوضات وهي جنيف الثالثة ومنحها فرصة. وهي تحمل فرصة.
وفي هذا السياق يقول الكاتب تشارلز غلاس مؤلف كتاب «سوريا تحترق: تاريخ مختصر لكارثة» بمقال نشرته صحيفة «الغارديان» إن على الولايات المتحدة وروسيا ممارسة سلطتهما وفرض حل سياسي في سوريا. وقال انه لو قرأ اللاعبون في الأزمة السورية محاولات سابقة ـ جنيف1 عام 2012 وجنيف 2 عام 2014 فإن جنيف 3 ستفشل مثلما فشلت المحاولتان السابقتان.
ويقول غلاس إن المؤتمر سيعقد كاتفاق الهدنة الذي بدأ قبل أسبوعين لأن روسيا والولايات المتحدة تريدان انعقاده. وهما متفقتان على أن الرئيس الأسد ليس مهماً. واتفق الطرفان على أن حرب الوكالة بين الولايات المتحدة وروسيا خرجت عن السيطرة فقد ضربت أوروبا بأسوأ كارثة لجوء تواجهها منذ الحرب العالمية الثانية وهددت وحدتها الهشة، وانتشر النزاع إلى العراق ويهدد بالإنتشار إلى لبنان والأردن. ويقول غلاس إن المشاركين في الحرب السورية تخلوا عن القرار لصالح داعميهم وممولي حربهم: روسيا وإيران وتركيا والسعودية وقطر.
وكي تنتهي الحرب فعلى القوى هذه فرض حل في جنيف. ويصف غلاس الحرب في سوريا كورقة في لعبة إمبريالية يمكن أن تتركها الولايات المتحدة وفي يدها عدد من الأوراق. ويجب أن يدفع طرف ما فواتير إعادة إعمار البلاد بعدما تسكت المدافع.
ومن المحتمل أن يدفعها الطرفان الرابحان ـ روسيا وإيران- ولو لم تدفعا فستخسران في مرحلة السلام الإنتصارات في الحرب. فلماذا يعارض أي راسم للسياسة في واشنطن؟

الرابحون الخاسرون

ويرى غلاس أن روسيا والمتعاونين معها يربحون هذه الجولة من الحرب. وعليه فالعودة للمفاوضات ستثبت المكاسب التي حققوها بشكل يسمح للحكومة باستعادة سيطرتها على كل كامل البلاد.
ويقول إن هجوما مشتركا من الروس والأمريكيين والجيش السوري وحزب الله والأكراد والجماعات غير الإرهابية السورية وإيران والعراق سيمكنها من هزيمة تنظيم الدولة في العراق وسوريا.
ويضيف أن روسيا تمسكت بموقفها منذ بداية عام 2011 وأكدت على بقاء الأسد. فيما طالبت الولايات المتحدة برحيلة ضمن تسوية مشروطة.
ونظراً لموقف روسيا ومصداقيتها التي أصبحت على المحك فلم تكن تحت أي ظرف مستعدة للتخلي عن حليفها الوحيد في المنطقة. فقبل تعليق الجامعة العربية عضوية سوريا عام 2011 كان من بين أعضائها الـ 22 (21) دولة زبون للولايات المتحدة أما روسيا فلم يكن لها سوى حليف عربي. وحتى تكون الولايات المتحدة مستعدة هي الأخرى لرفع مستوى مشاركتها بإرسال طائرات وقوات فعليها أن تغير من مواقفها.
ومن هنا جاءت تصريحات وزير الخارجية جون كيري في كانون الأول/ديسمبر إن «الولايات المتحدة وشركاءها لا تبحث عما يطلق عليه تغيير النظام». ويشير غلاس لما قاله علي حيدر، وزير الأسد للمصالحة الوطنية بمؤتمر عقد عام 2014 «لا جنيف رقم واحد أو رقم 3 ولا حتى رقم عشرة ستحل الأزمة السورية. فقد بدأ الحل وسيستمر حتى تحقيق النصر العسكري للدولة». ولكن حيدر كان مخطئاً: صحيح أن النظام بدأ بالإنتصار عسكريا الآن إلا أنه لا يستطيع شن حرب وللأبد. فكما فشلت الجماعات المدعومة أمريكيا بهزيمة الأسد، فقد فشل النظام في هزيمتها والطريق الوحيد هو التسوية.

لا فدرالية

ومن هنا فيجب على العالم الخارجي فرض تسوية من الخارج بدون إملائها على الأطراف المتحاربة. والمقترحات التي تتحدث عن تقسيم سوريا إلى فدراليات بناء على الهوية الطائفية لا حظ لها من النجاح.
وحاول الفرنسيون في العشرينات من القرن الماضي عندما قسموا سوريا إلى ست «دويلات» منفصلة. وقد رفض الشعب السوري هذا المخطط في الماضي. وبالمثابة نفسها فلا يمكن للأطراف الخارجية أن تقرر من سيحكم سوريا: فهذه قرارات تخص الشعب السوري. وهذا لا يعني عدم منح الأكراد نوعاً من الحكم الذاتي الذي تعارضه دول عربية وتركيا.
ويعتقد غلاس أن محادثات جنيف 3 يمكنها فرض ترتيبات انتقالية يقوم السوريون من خلالها بالإتفاق على كيفية حكم أنفسهم وبمراقبة دولية للإنتخابات. ولكن مواصلة النظام رفضه التشارك في السلطة مع «الإرهابيين» ورفض المعارضة الموافقة على العملية الإنتخابية قبل رحيل الأسد تعني عدم التوصل لحل.
وهنا يأتي دور الأطراف الدولية ـ أمريكا وروسيا- في التدخل وإجبار الطرفين على تغيير موقفهما خاصة أن السوريين يريدون هذا. فقد سمحت الهدنة التي يدئ بتطبيقها قبل أسبوعين لهم بمواصلة حياتهم. ولو جلبت جنيف 3 لهم السلام فلن يحتاجوا لوقت طويل لإعادة بناء بلدهم الذي يحبونه ويشعرون بالفخر به رغم القسوة التي رافقت الحرب كما يقول.

فترة هدوء

ويرى فيليب غوردون، مستشار الرئيس باراك أوباما السابق والزميل الباحث في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي بمقال نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» أن الهدوء الذي نتج عن الهدنة كان أكبر إنجاز يتحقق منذ الأزمة السورية، فقد تجرأ الناس على الخروج من بيوتهم وتظاهروا في حلب ودرعا وإدلب. وعادت خدمات السيارات العمومية للعمل ووصلت المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة.
ويرى غوردون أن تعزيز وقف الهدنة يجب أن يكون أولوية على مباحثات جنيف3 ويجب أن يكون سابقاً لأي هدف آخر مثل النقاش الطويل حول الإطاحة بنظام بشار الأسد وتهميش الدور الإيراني والروسي في سوريا.
ويعتقد الكاتب أن الهيئة العليا للمفاوضات التي تمثل المعارضة والداعمين الرئيسيين لها مثل تركيا والسعودية تصر على أمور أكبر من مجرد الهدنة، وهو رحيل الأسد كمقدمة للمفاوضات بل والإطاحة به بالقوة إن لم يتحقق ما تريد عبر المفاوضات.
ويعلق الكاتب أن تغيير النظام وإن كان هدفاً مرغوباً به إلا أنه غير قابل للتحقيق. ويحذر من أن الإصرار عليه يضمن الفشل في المحادثات ويعني استئناف العنف. وفي الحقيقة فلم تتوقف الأعمال العدائية إلا عندما تخلت المعارضة وداعموها عن إصرارهم من أن أي وقف للقتال يجب أن يرفق بضمانات لعملية انتقال سياسي.
ويضيف أن المخاطر التي تحيط بمحادثات جنيف هي أن المعارضة ليست لديها خطة واقعية للإطاحة بالأسد أو مواجهة استئناف العنف في حال انهارت الهدنة. ويرى أن مدخلاً له حظ من النجاح يكون من خلال استخدام محادثات جنيف لتحقيق أهداف أكثر واقعية. وتبدأ بالتزام مفتوح بالهدنة والحفاظ عليها والتفاوض على شروط إيصال المساعدات الإنسانية للمناطق المحاصرة والإفراج عن السجناء.
وبعد تحقيق هذه الأهداف يتم التحرك نحو الحكم المحلي الذي تقوم من خلاله الجماعات التي تسيطر على جيوب في الشمال والجنوب بمن فيها الجماعات الكردية والحكومة بتوفير الخدمات والأمن لمناطقها.
وهو ما سيقود لاحقاً للتواصل فيما بينها وتعاون مع بقية المناطق في سوريا لا مركزية. وتبقى المناطق التي تسيطر عليها الجماعات المتشددة مثل «جبهة النصرة» وتنظيم «الدولة». ويرى الكاتب أن مهاجمة هذه الجماعات يجب أن لا تكون مهمة الروس أو النظام فقط ولكن بمشاركة جماعات المعارضة الأخرى والولايات المتحدة وشركائها.
وفي النهاية يجب أن تبدأ المحادثات بالتصدي للمشاكل الرئيسية للبلاد والمتعلقة بالدستور والإنتخابات والتمسك بالواقعية حتى يتم التوصل لاتفاق.
ويقول غوردون «نأمل في سوريا موحدة وللجميع تعيش السلام ولا يحكمها الأسد وعلينا الإعتراف في الوقت نفسه بأن الحرب التي صممت لتحقيق هذه الأهداف قتلت الآن مئات الألوف من الناس وزعزعت استقرار الدول القريبة وأدت لزيادة التشدد في أنحاء المنطقة والعالم وأنتجت ملايين اللاجئين الذين تدفقوا نحو أوروبا وقد تهدد استقرار الإتحاد الأوروبي. ومن هنا فتمديد اتفاقيات الهدنة سيظل تحسناً كبيراً مهما آلت إليه المحادثات السياسية.

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية