■ عين فقأت، وسجين… علامتنان تطلاّن من درسي الأخير في اللغة الصينية.. ولسائل أن يسأل: ما علاقة هذه المعلومات بما نحن بصدده عادة في هذه السطور، من مناقشة ما يستجد به عالمنا من تطورات، لا تترك الغالي والنفيس يسلمان من تصدّعات هي في الأغلب خارجة عن دائرة التكهن؟ العلاقة، يا عزيزي، قوية، بل قويّة جدّا، ومن حيث لا تحتسب.. أجل، فمن ذا الذي سيحتسب أنّ رمزي الكتابة الصينية المذكورين، إنما يدلاّن على الشعب، نعم، الشعب العين المفقوءة والسجين، نعيد ونكرر، رمز الشعب في الكتابة الصينية. عين مفقوءة: حرمان من الرؤية، سجين: حرمان من الحركة. الحرمان المزدوج، عنوان لممارسة وكأنها رُصِدت من قدامى الخطاطين الذين استشرفوا منذ زمانهم مآل الشعوب، من مرصاد التأمل والتبصر، الذي خلوا إليه من جراء عملهم، ففتح لهم بابا استشرفوا منه سير العالم من منظار علاقة المحكوم بالحاكم. عين مفقوءة وسجين.. انعدام الرؤية.. انعدام الحركة.
فلنجعل مقال اليوم أيضا تحت علامة، علامة الاستعارة المحبوكة، كما يقول النقد الأدبي، لنتساءل كم عينا فقئت، وكم سجينا حملته إلينا تطورات عالمنا التي مارست هذا التحريم المزدوج؟
عين فُقِئت، حركة حُرِّمت، مخطط التصق بقراءة فلسفية صينية أمدتنا بآلية قويمة لرصد مستقبل أكبر شعوب العالم عددا ومعها شعوب أخرى كثيرة. مصير تأخذ منه الشعوب العربية نصيبها أيضا.. طبعا. ليست الرؤية مجرد هذه الآلة التي تسمح لعينيك بأن تطلعا على العالم وعلى ما ومن فيه، وأكاد أجزم بأن الطابع الآلي للرؤية يأتي مكملا للأهم: البصيرة. وفي هذا الصدد، من الصعب ان تقول إن الاعمى لا يرى، بدليل أن للأعمى اسما آخر وهو البصير. أما عن الحركة، فهي أولا، كما علمه لنا قدامى الفلاسفة اليونانيون، وفي مقدمتهم أرسطو، عكس السكون. لكن من ذا الذي سيتخيل أن الحرمان من الحركة يعني العودة إلى السكون؟ هذا لم يفت بصيرة حكمائنا الصينيين بالتأكيد، فقد وصف رمزا الكتابة الصينية هذان محنة الشعوب، مثلما وصفا طاقتها الداخلية الكامنة وراء عملية السلب الوحشية التي يكون «فقأ العين» عنوانا لها على النطاق الواسع الذي نراه الآن.
أفهمنا حكماء الكتابة الصينية وشيفرتها الفلسفية وجهي العملة: وجه ترتّبات الممارسة الاستبدادية التقليدية المبنية على السلب والتحريم، غير أنهم علمونا أيضا الوجه الكامن والأخطر، وهو القدرة على تحويل هذه الطاقة الداخلية المحاصرة إلى وقود لمقارعة الاستسلام والخنوع. في مقابل الإضرار بالشخص جسديا أولا بغية التحكم بهم بيسر أفضل، تذكّر علامتانا من الكتابة الصينية أن وراء كل رؤية مسلوبة تبصّر يفرز قدرة على التخطيط وأهلية لاحتساب العواقب، أما وراء كل حركة مسلوبة، فقدرة على الاعتراض والمواجهة.
وعندما يستحيل قانون العين بالعين وتستحيل معه الحركة بالحركة يأتي قانون جديد، قانون العين المسلوبة بالبصيرة والحركة المقيدة بالانتفاضة الداخلية.
وهذا يسمّى مصير الشعوب الذي يذكّر دائما أنّ على الباغي تدور الدوائر…
٭ باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي
بيار لوي ريمون