لطالما كانت للحرب صفحات غير القتال وهدير الأسلحة، صفحة تستنهض الهمم لدى المقاتلين، وقد عرف هذا التأثير منذ زمن سحيق، فكان الشعراء يصاحبون القطعات العسكرية ليقرأوا ما يحفز الجيوش للقتال، كما أن إيقاعات طبول الحرب كانت معروفة لدى أغلب الشعوب لما تثيره إيقاعاتها في نفوس الجيش من عزيمة وفي نفوس الأعداء من رهبة.
ولم ترتبط الكلمة باللحن والإيقاع الحربي إلا في زمن متأخر نسبيا، ويعتبر الكثير ممن كتبوا في النقد الموسيقي أن اغنية الحرب تنضوي تحت تصنيف أشمل هو الأغنية الوطنية أو الأغنية السياسية، وهذا التصنيف صحيح إلى حد ما، لكن يبقى لأغنية الحرب خصوصيتها الكامنة في الجانب الجمالي من كومة المآسي التي تخلفها الحروب.
لم يحفظ لنا تاريخ الموسيقى العراقية الكثير من أغاني الحرب من بداية التسجيلات الصوتية مطلع القرن العشرين، وربما كانت هنالك بعض البستات او الطقطوقات المتناثرة هنا وهناك، التي يعتبرها البعض أغنية حرب، مثل نشيد (يا امي ليش تبكي عليا) الذي أدته المطربة فتحية العراقية، وهي مطربة مصرية قدمت للعمل في بغداد العشرينيات، ويعتقد أن النشيد من تلحين الموسيقار سيد درويش، وقد حاولت المطربة الأداء بلهجة قريبة للهجة العراقية، وقد أشار عدد من الباحثين إلى أن النشيد يتعلق بحوادث الثورة العرابية عام 1882، لكن ما يعنينا في هذا المقام أن المطربة فتحية العراقية كانت قد غنت مجموعة أناشيد وطنية في مرحلة مبكرة جدا لصالح «شركة أوديون للاسطوانات» مثل النشيد الملكي العراقي. ورغم تعرض العراق لمأسي الحرب العالمية الاولى، حيث كان العراق أحد ساحات الصراع، إلا أن ما حفظ كان شعرا أكثر منه غناء أو أناشيد للمعركة، وربما من نوادر ما حفظ من تلك الفترة ويمكن أن نبوبه ضمن أغنية المعركة، ما غناه مطرب البادية سعيد عكار- وهو والد مطرب البادية الشهير عبد الجبار عكار- مادحا بها الشيخ ضاري الذي قتل الكولونيل الانكليزي لجمان مطلع العشرينيات، وقد سجلها على اسطوانة لشركة أوديون.
ولم يشهد العراق عمليات عسكرية إبان اشتعال الحرب العالمية الثانية، إلا في فترة وجيزة، هي ما عرفت بانقلاب رشيد عالي الكيلاني عام 1941، عندما فرض العقداء الأربعة عبر انقلابهم العسكري حكومة الكيلاني، وعزلوا الأمير عبد الإله من الوصاية على عرش العراق، فما كان من بريطانيا إلا أن تعيد احتلال العراق فيما عرف بحرب مايس 1941، وقد أرخ نشيد مشهور بقي في ذاكرة العراقيين هذه الحرب وهو (نشيد الفتوة ) أو كما عرف شعبيا باسم (لاحت رؤوس الحراب) لمؤلف مجهول ومن تلحين سعيد شابو، وقد ادعى البعض أن الكلمات كانت للكاتب والصحافي يونس السبعاوي، الذي كان احد قادة حركة 1941.
لقد كانت حقبة الخمسينيات هي حقبة ولادة أغنية الحرب في العالم العربي، نتيجة الحروب التي خاضتها الدول العربية ضد الكيان الصهيوني، فبعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، أصبح هنالك نمط معروف من التلحين قدم فيه كبار الملحنين العرب مثل محمد عبد الوهاب وفريد الاطرش والسنباطي وكمال الطويل، أناشيد حرب لخدمة المعركة الدائرة، لكن العراق كان بعيدا جغرافيا عن المعركة، قريبا منها اجتماعيا وسياسيا، حيث شكلت أناشيد المعركة جزءا من وجدان المتلقي العراقي، وفي مقدمتها نشيد (لبيك يا علم العروبة) الحماسي للفنان اللبناني محمد سلمان، الذي أداه أثناء العدوان الثلاثي على مصر، ونشيد (الله اكبر) الذي كتب كلماته عبد الله شمس الدين ولحنه محمود الشريف، كما أن نشيد (والله زمان يا سلاحي) الذي كتبه صلاح جاهين، ولحنه كمال الطويل وغنته أم كلثوم، هذا النشيد الذي ظل في ذاكرة العراقيين بشكل خاص لأنه أصبح النشيد الوطني العراقي منذ 1963 إبان مشروع الوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا والعراق حتى عام 1980.
اما حقبة الستينيات، فقد عرفت أغنية الحرب المقبلة من نضال منظمة التحرير الفلسطينية بكل فصائلها طريقها إلى المتلقي العراقي، نتيجة تماهي شريحة واسعة من مثقفي اليسار مع فصائل المقاومة الفلسطينية، فعرف الشارع أناشيد مثل (كلاشنكوفي يسابقني يطير من شوقي) أو نشيد (طالعلك يا عدوي طالع). ورغم مأسي الحرب المريرة فيما عرف بـ (حرب الشمال) وهي محاولة قمع النظام للتمرد الكردي، الذي امتد منذ مطلع الستينيات ولم ينته الا في منتصف السبعينيات، إلا أننا نفتقد أغاني حرب تؤرخ هذه المرحلة ولم يبق في ذاكرة المتلقي العراقي الا نشيد (هربجي كرد وعرب رمز النضال) الذي كتب كلماته زاهد محمد زهدي ولحنه أحمد الخليل، وهو نشيد تغنى بالاتفاق الحكومي مع الثورة الكردية، وحل المشكلة حلا سلميا في اتفاق 11 مارس 1970، الذي منح بموجبه الكرد حكما ذاتيا في كردستان العراق.
أما حقبة الثمانينيات فكانت حقبة أغنية الحرب في العراق بامتياز، نتيجة اشتعال الحرب العراقية الايرانية طوال ثماني سنوات، ومن الجدير بالذكر أن ارشيف العراق مع بداية الحرب لم يكن يحوي أناشيد أو أغاني عراقية مناسبة للحرب المندلعة، فكان أول نشيد أذيع بعد اذاعة بيان رقم (1) الصادر عن القيادة العامة للقوات المسلحة، الذي ذكر أن القوات العراقية تقدمت إلى داخل العمق الإيراني هو نشيد (يا تراب الوطن) الذي كتبه الشيخ بشارة الخوري عام 1926 ليكون نشيدا وطنيا للبنان بعد أن لحنه الاخوان فليفل، لكنه تراجع عن ذلك نتيجة ضغوط إدارة الانتداب الفرنسي حينها، كما تم بث العديد من الأناشيد والأغاني الوطنية العربية لأم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم ومحمد سلمان، لكن وفي غضون اسابيع تم انتاج العشرات من أغاني الحرب التي كتبها ولحنها وغناها عراقيون وهم يرتدون أزياء مختلف صنوف الجيش العراقي.
وهنا لابد من الإشارة إلى تغير بنيوي في أغنية الحرب الثمانينية، حيث تحولت من صيغة النشيد القائمة عادة على قصائد الشعر الفصيح والألحان المبنية على إيقاعات المارش المتعارف عليها، لتصبح قريبة من أهازيج الحرب القبلية ذات الألحان السريعة وقصائد الشعر المحكية التي انصبت على تمجيد رئيس النظام باعتباره قائد ومخطط النصر المتماهي تاريخيا مع القادة التاريخيين كسعد بن ابي وقاص، حيث اطلق على الحرب اسم قادسية صدام، في إشارة إلى تماهي القتال مع معركة القادسية، التي حدثت في صدر الاسلام، وبحسب اشارة بعض النقاد، لقد أنتج في عقدي الثمانينيات والتسعينيات 2000 اغنية ونشيد واوبريت للحرب، كما انشأت مديرية عامة في وزارة الثقافة العراقية اطلق عليها اسم (مديرية الأغنية الجماهيرية) أدارها الملحن العراقي فاروق هلال، الذي ترك نمط الغناء البغدادي الذي كان يقدمه سابقا وولد على يده ما بات يعرف بالأغنية الجماهيرية، حيث يقف على المسرح عشرات الفنانين يؤدون اغنية واحدة، وهنا لابد من الإشارة إلى أغنية بقيت عالقة في ذهن العراقيين من هذا النمط هي أغنية (جيناك يا بغداد) حيث شاركت فيها مجاميع انشاد من المشرق والمغرب العربيين، وقد صرفت الاموال الطائلة في استقدام بعض نجوم الغناء العربي لأداء اغاني الحرب العراقية في هذه المرحلة مثل سعاد محمد ووردة الجزائرية وسوزان عطية ورباب الكويتية وعبدالله الرويشد وغيرهم.
إن انعكاس التحول في أغنية الحرب اجتماعيا على العراقيين بدا واضحا في تفاصيل حياتهم اليومية، حيث اصبحت اغاني الحرب تنشد في طابور الصباح في المدارس، كما تغنى في الأعراس والمناسبات الخاصة، وحتى في النوادي الليلية، فالحرب اصبحت ملتصقة بجلد العراقي لتغلف كل تفاصيل يومه، ويمكن ان نعتبر عقد التسعينيات امتدادا للثمانينيات لكنه أخف وطأة واقل كلفة نتيجة التدهور الاقتصادي، بسبب العقوبات المفروضة على العراق، وحتى خلال الحرب الاخيرة عام 2003 أنتجت اغاني حرب قليلة لم يبق منها في الذاكرة شيء لكونها كانت حربا خاطفة لم تستمر سوى اسابيع.
أما بعد الاحتلال الامريكي للعراق، فإن المراقب لأغنية الحرب سيتعرف على ولادة نمط من الاغاني تتماهى مع غناء الثمانينيات، الا انها تستبدل الاشادة برئيس النظام بالعديد من رموز القادة الدينيين والسياسيين، كما ولد نوع من المؤدين ممن يعرفون بالمنشدين المحتكرين من تيارات سياسية ودينية محددة لا ينشدون لغيرها، وبذلك فقدت أغنية الحرب أهم وظيفة لها وهي توحيد الصفوف، لتصبح أغنية تفريق تصب في صالح مختلف الفصائل، ويمكن ان نلمح تهافت مستوى الكلام واللحن في أغاني الحرب الجديدة التي تتغنى بقيم العنف وتصور مشاعر الانتقام بابشع صورها، ويلقي بعض المراقبين اللوم على تراجع دور المؤسسة الرسمية في إنتاج أغان رصينة مقارنة بما سبقها من حقب، بينما يعزوه البعض إلى استسهال الإنتاج مع توفر التقنيات الحديثة، لكن المشكلة الحقيقة تكمن في انعكاس هذه الاغاني على المتلقي مفسدة الذائقة العامة، مما جعل العملة السيئة تطرد العملة الجيدة من سوق الغناء عموما ومن اغنية الحرب بشكل خاص.
٭ كاتب عراقي
صادق الطائي